×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الفلسطينيون في سوريا يرهبهم خيار الحرب ويحميهم الحل السياسي

بقلم: صلاح صلاح*

كان الموقف الفلسطيني مربكاً ومرتبكاً، يترك الكثير من اللبس وعلامات الإستفهام. تصريحات لبعض القيادات تعلن حيادية الموقف، وأخرى منحازة لهذا الطرف أو ذاك. يصعب قراءة مواقف المرجعيات الرسمية للسلطتين من خلال وسائل إعلامهما. كذلك الهيئات القيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية لا تعكس موقفاً موحداً متجانساً تجمع عليه، متوافقاً مع قرارات ما يشبه الإجماع للفصائل داخل سوريا. يعود هذا الإرباك والإرتباك لتباين الخلفيات التي يتم على أساسها تحديد الموقف وهي ثلاثة:

·        الخلفية الأولى؛ الخلفية الايجابية في تقييم البعض للنظام في سوريا. من منطلق فلسطيني خالص، حيث يرى فيه حاضنة للثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها، ولا زالت مقرات العديد من الفصائل وقياداتها على الارض السورية.

فعندما اضطرت المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى مغادرة لبنان عام 1982 فتحت سوريا أبوابها للجميع من قيادات ومقاتلين ومؤسسات ومكاتب، بما في ذلك حركة فتح رغم الخلاف السوري معها، لكنها هي التي رفضت للإعتبارات المطروحة في حينه بإختيارها التوجه إلى مصر السادات والدخول معه في لعبة "99% من الأوراق في الشرق الأوسط بيد الولايات المتحدة الأمريكية". في حين اختارت القوى الأخرى التوجه إلى سوريا التي ترى فيها استمرارا للحفاظ على خيار المقاومة ورفضا للدخول في لعبة المساومة. تعززت هذه القناعة بثبات الموقف السوري برفضه تقديم أي تنازلات سياسية للعدو الاسرائيلي، دون قرارات الشرعية الدولية، بل العكس، فقد شكلت سوريا ظهيرا قويا للمقاومة اللبنانية مما مكنها من تحقيق انتصارات عظيمة ضد القوات الصهيونية باجبارها على الإنسحاب من جنوب لبنان عام 2000 وهزيمتها في الحرب العدوانية عام 2006. أهل هذا سوريا، بجدارة، أن تكون طرفاً أساسياً في محور المقاومة الذي تشكل من إيران، حزب الله، سوريا.

المقاومة ضد من؟ طبعاً ضد إسرائيل. إذن فإن الفلسطينيين لا يجوز أن يكونوا خارج هذا المحور أو ضده، خاصة وأن الامور تتضح بما لا يقبل الشك أن ما تتعرض له سوريا من حرب إرهابية تدميرية لا تستهدفها فقط، وإنما تستهدف كل محور المقاومة وما يمثل. لهذا أعلن أكثر من قيادي في المعارضة المسلحة عن استعدادهم للاتفاق مع اسرائيل على حل سياسي لموضوع الجولان، وتسربت معلومات عن لقاءات المعارضة مع مسؤولين إسرائيليين.

·        الخلفية الثانية؛ التي حكمت الموقف لدى بعض الفلسطينيين في سوريا هي التماهي مع الثورات التي مثلها الحراك الشعبي في البلدان العربية الأخرى من تونس إلى مصر، إلى اليمن. يرى أصحاب هذا الموقف، وهم غالبا من جيل الشباب، أن ما ينطبق على تلك البلدان ينطبق بنفس القدر على سوريا.

فالحراك الشعبي، بغض النظر عن التسمية- ثورة أم ربيعاً عربياً، في سوريا له ما يبرره كما هو الحال في الدول العربية الأخرى، هيمنة الحزب الواحد، سطوة الأجهزة الأمنية، حكم العائلة بالوراثة، الفساد، ممارسة مشوهة للديمقراطية.

هذه الأوساط الشبابية، صاحبة النظرة المثالية، والتي في غالبها من جسم اليسار الفلسطيني راجعت حساباتها على ضوء حقيقتين أظهرتهما الوقائع.

الأولى: أن ما تسمى قوى المعارضة التي تمارس على الأرض أعمال القتل والإرهاب وترتكب المجازر، وترفض الآخر الذي لا يلتزم بأيدلوجيتها الدينية الأصولية السلفية وفكرها العقيم التكفيري، المرتبطة والمغذاة، تسليحاً وتمويلاً، من الدول العربية الأكثر رجعية، السعودية- قطر- الامارات، تقدم لها تركيا حليفة اسرائيل التسهيلات اللوجستية، وتوفر لها الولايات المتحدة الأمريكية الغطاء السياسي والإعلامي. معارضة من هذا النوع لا يمكن أن تقدم بديلاً أفضل من النظام الحالي، بل العكس سيكون أكثر سوءاً بما لا يقاس، بحيث لن توفر الديمقراطية ولن تجلب العدالة الاجتماعية ولن تحقق التنمية والرفاه ولن تعالج مشاكل البطالة وتوفر فرص عمل للشباب، دولة الخلافة ستعيدنا قروناً عدة إلى الوراء.

الحقيقة الثانية؛ أن الرسائل السياسية التي وجهتها المعارضة، مباشرة أو عبر وسطاء إلى اسرائيل، ترافقت مع موقف سلبي، وربما عدائي، تجاه الفلسطينيين، ظهر على لسان أكثر من شخص يعد بأن الوظائف التي يشغلها الفلسطينيون في مؤسسات الدولة يجب أن تعود للسوريين فهم أحق بها.

يضاف إلى ما سبق فإن المعارضة المسلحة هي التي لم تحترم موقف الحياد الذي أعلنته الفصائل الفلسطينية، فاقتحمت مخيم اليرموك، الأكبر في سوريا، وشردت سكانه ونهبت البيوت والمحلات، وارتكبت الفظائع وجرائم القتل والخطف، وكذلك في مخيمات أخرى في محيط دمشق وحمص وحلب.

·        الخلفية الثالثة للموقف الفلسطيني، تحكمها مواقف سياسية تختلف مع النظام؛ وقد برزت هذه بشكل أساسي في قواعد حركتي حماس وفتح. من المعروف انه يوجد قطيعة في العلاقات بين فتح وسوريا منذ سنوات طويلة. وقد شاركت قيادة فتح في دمشق في اجتماعات الفصائل الفلسطينية التي اتخذت قرار الحياد، لا مع النظام ولا ضده، لا مع المعارضة ولا ضدها، لكن موقف القواعد وطروحاتها في مجالسها كان سلبيا ضد النظام. قواعد حماس تجاوزت الرأي العدائي إلى اتهام عدد كبير منهم في الإشتراك مع قوى المعارضة المسلحة وتسهيل مهماتها في اقتحام مخيم اليرموك.

محاولة المنظمة ترميم الوضع الفلسطيني

 أرسلت منظمة التحرير الفلسطينية وفدا كرر زيارته الى دمشق برئاسة الدكتور زكريا الآغا عضو اللجنة التنفيذية في م ت ف والدكتور أحمد المجدلاني وزير العمل في سلطة رام الله، في محاولة منها لضمان تحييد المخيمات، وتفريغها من جميع المسلحين، وتسهيل الخروج والدخول، والسماح بإدخال المواد الغذائية وعودة سكانها إليها. وجد الوفد تجاوباً من النظام عكس ذلك من المعارضة. في هذه الحالة فان وفد م ت ف وكذلك حماس، إذا كانت جادة في موقفها المعلن بأنها مع تحييد المخيمات، عليهما ان يتوجها إلى من لهم تأثير فعلي على قوى المعارضة، تحديداً السعودية وقطر. الحديث مع هاتين الدولتين وإقناعهما بالطلب من المسلحين المرتبطين بهما الخروج من المخيمات هو الذي يضمن حياديتها، ويحمي سكانها من مزيد من القتل والنهب والدمار.

الإنعاكاسات على الوضع الفلسطيني

استغربت مما سمعته من احد المرجعيات السياسية الفلسطينية حول ما هو تاثير المبادرة الروسية بخصوص سوريا على الوضع الفلسطيني بجوابه: "لاشيء". متجاهلا أو جاهلا للنقاش الذي يجري ويصخب حول الحرب اذا جرت فان ردة الفعل من تشكيلات محور المقاومة ستسهدف أول ما تستهدف دولة الكيان الصهيوني، فهل سيكون الفلسطينييون بمعزل عما قد يحصل؟ هذا سيؤدي قطعا إلى وقف المفاوضات وتعطيل عملية التسوية الجارية حسب الشروط الاسرائيلية برعاية أمريكية. ربما أعطى هذا المسؤول الفلسطيني جوابا مبسطا ولكنه في قرارة نفسه يتمنى للمبادرة الروسية الفشل؛ لأن نجاحها سيبقي محور المقاومة سليما. وهذا سيؤدي، عاجلا أم آجلا، رغب المفاوض الفلسطيني أو غضب، إلى تعزيز نهج المقاومة في الساحة الفلسطينية. حالة التفلت للقيام بعميلات عسكرية تطال مواقع صهيونية لن يدوم قمعها من قبل السلطتين في غزة والضفة الغربية في ظل استمرار العدو الاسرائيلي في سياسته العدوانية وإصراره على إخضاع المفاوض لشروطه المذلة. المقاومة ستفرض نفسها مهما كان شكلها؛ مسلحة أو شعبية أو انتفاضة جديدة، ولن تأخذ إذناً من أحد.

ستنتهي التسعة أشهر وسيجمع المفاوضون الفلسطينيون ملفاتهم ويعودون بها إلى مكاتبهم بإنتظار رئيس أمريكي جديد يدخلهم في دوامة "مفاوضات" جديدة مع رئيس حكومة الكيان الصهيوني الجديد.

من ناحية أخرى؛ يبدو أن هذا "المسؤول" لا يعرف أن للفلسطينيين مخيمات في سوريا تعاني من الحصار الذي يحرمها من الحاجات الضرورية للعيش ويتعرض سكانها للقمع والإرهاب، وأن عشرات الآلاف منهم إضطروا إلى الهجرة. تكررت معهم موجة اللجوء عام 48، هذا يعني بكل بساطة أن الحرب لو حصلت كما يهدد الأمريكيون ستسبب المزيد من المآسي للفلسطينيين المقيمين في سوريا داخل وخارج المخيمات، في حين أن الحل السياسي الذي تدعو له المبادرة الروسية تحمي الشعب السوري ومعه الفلسطينيين من مآسي وويلات لا أحد يعرف حدودها.

الحل السياسي في سوريا هو حماية الشعب العربي الفلسطيني كما الشعب العربي السوري، وبأن يبقى محور المقاومة ضد الكيان الصهيوني سليماً، أي أن هناك ضرورة ملحة لتعزيز النهج البديل للمفاوضات، التي تعطي لقادة الكيان الصهيوني المزيد من الوقت لاستكمال مشروعهم بإغتصاب فلسطين بكامل حدودها التاريخية.

-------------------------------

*صلاح صلاح: لاجئ فلسطيني من قرية غوير أبو شوشه قضاء طبريا، رئيس لجنة اللاجئين في المجلس الوطني الفلسطيني.