×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

حقوق اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية

عائلة فلسطينية لاجئة من سوريا تصل إلى لبنان، ١١ شباط ٢٠١٣ (المصدر: presstv.ir)‬ عائلة فلسطينية لاجئة من سوريا تصل إلى لبنان، ١١ شباط ٢٠١٣ (المصدر: presstv.ir)‬

بقلم: نضال العزة *

الحماية الغائبة

رغم أن قضية المهجرين واللاجئين الفلسطينيين لا زالت تمثل أكبر قضايا اللجوء، وأطولها عمرا في عالمنا المعاصر، فانها لا تزال بلا حل حتى اللحظة. وأكثر من ذلك، يعتبر اللاجئون الفلسطينيون، بمن فيهم المقيمون في الدول العربية، من اشد مجموعات اللاجئين الذين يعانون من نقص الحماية على المستوى العالمي. السبب الرئيس وراء ضخامة قضية اللاجئين الفلسطينيين، وطول عمرها وبقائها بلا حل يعود بشكل أساسي إلى ممارسات إسرائيل – دولة الاستعمار الاحلالي، والفصل العنصري، والاحتلال أولا، والى انعدام الإرادة السياسية لدى المجتمع الدولي ثانيا. يضاف إلى ذلك، أن نقص الحماية يعود إلى ممارسات وسياسات الدول المضيفة والوكالات الدولية ذات الصلة. وهذه الفجوة تنشأ في مجملها عن عدم الالتزام بالإطار القانوني والتنظيمي الخاص بتوفير الحماية للاجئين الفلسطينيين، والذي صمم أصلا لتوفير حماية مضاعفة للاجئين الفلسطينيين.

إن نهضة عدد من الشعوب العربية المطالبة بالحرية، والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان المعاصرة، وما يتصل بذلك من تغيير في الأنظمة الحاكمة والسياسات الحكومية، تستدعي مراجعة وضع اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم في الدول العربية المضيفة، باعتبار أن احترام حقوق اللاجئين في أية دولة لا ينفصل عن التشريعات والسياسات الناظمة لحقوق الإنسان عموما. وتزداد أهمية هذه المراجعة- ليس فقط بالنظر الى عدد اللاجئين الفلسطينيين في الوطن العربي؛  بل أيضا بالنظر إلى اثر ذلك على مفاعيل حركة التحرر الفلسطينية ومستقبل قضية اللاجئين في الحل الدائم. 

في نهاية العام 2010، بلغ عدد الفلسطينيين في الدول العربية 4.88 مليون فلسطيني أي ما نسبته 44.4% من إجمالي عدد الفلسطينيين في العالم والذي يقدر ب 11 مليون نسمة. ويتركز الوجود الفلسطيني في الشتات في الدول العربية ذات الحدود مع فلسطين التاريخية (فلسطين بحدودها الانتدابية)؛ حيث أن 42% منهم تقريبا يقيمون في كل من الأردن وسوريا ولبنان ومصر. هذه المعطيات تبين أن عدد الفلسطينيين في الدول العربية يزيد على عددهم في الارض المحتلة عام 1967، حيث تبلغ نسبة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ما نسبته 37.5 من إجمالي عدد الشعب الفلسطيني. وتبين أيضا، أنها تكاد تماثل نسبة الفلسطينيين في كل فلسطين التاريخية (كل الأرض المحتلة في عامي 1948 و1967) والتي تقدر ب (49.7%). وعليه، فان الورقة إذ تتناول حقوق الإنسان للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، فإنها تتناولها ببعديها: الفردي والجماعي. فهي تناقش الحقوق الفردية لكل لاجئ بالاستناد إلى جوهر فلسفة حقوق الإنسان التي تتمحور حول حفظ الكرامة الإنسانية للفرد. وتتناول أيضا، الحقوق الجماعية لمجموعة اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، باعتبارهم جزءا من الأمة العربية التي تدين بالتزامات قومية تجاه القضية الفلسطينية وشعب فلسطين. من هنا، جاءت هذه المقال لتعالج البعدين في ثلاثة محاور هي:

·        الإطار القانوني لحقوق اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، والذي يتناول نظام الحماية الدولي الخاص باللاجئين الفلسطينيين، وبرتوكول كازابلانكا، قرارات المجلس الوزاري للجامعة العربية، والتشريعات العربية الداخلية ذات الصلة.

·        حقوق اللاجئين الفلسطينيين والأوضاع السياسية المتقلبة، والذي يتناول اثر العلاقة السياسية ما بين الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية على حقوق اللاجئين، واثر الأوضاع الداخلية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصراعات الداخلية، والحروب على حقوق اللاجئين. 

·        حقوق اللاجئين الفلسطينيين في الدبلوماسية العربية، والذي يتناول الفعل العربي على المستوى الدولي في إطار إسناد حقوق اللاجئين، بالتركيز على العلاقة مع الوكالات الدولية ذات الصلة، ودور الجامعة العربية في عملية التسوية السياسية.

الإطار القانوني لحقوق اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية

أولاً: نظام الحماية الدولية الخاص باللاجئين الفلسطينيين:

تحت إصرار ممثلي الدول العربية في حينه على ضرورة توفير نظام حماية مضاعف للاجئين الفلسطينيين بحكم خصوصية وضعهم وتميزه عن وضع بقية لاجئي العالم، ونتيجة لإدراك الجمعية العامة للأمم المتحدة لدورها المباشر في خلق قضيتهم من خلال قرارها رقم 181 (2)، (قرار التقسيم)؛ أنشأت الأمم المتحدة وكالتين دوليتين هما:

لجنة الأمم المتحدة للتوفيق حول فلسطين UNCCP(لجنة التوفيق الدولية)،والتي عهد إليها بمسؤولية توفير الحماية الدولية بالمعنى الشامل (القانونية، والفيزيائية، والخدمية/الاغاثية) والسعي لإيجاد حل سياسي للصراع يضمن عودة اللاجئين الى ديراهم الأصلية وممتلكاتهم وتعويضهم،

ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، (الأونروا)،  والتي كلفت بتوفير الإغاثة المؤقتة وبتقديم المعونة الإنسانية للاجئين الفلسطينيين.

وحيث حددت مناطق عمل الانروا بخمس مناطق (قطاع غزة، الضفة الغربية، الأردن، سوريا، لنبان) عملت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين على توفير الحماية للاجئين المتواجدين خارج تلك المناطق. وعليه، تم استثناء اللاجئين الفلسطينيين من إطار عمل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في نص خاص ورد في المادة 1/د ضمن الاتفاقية الدولية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951. ولكن، ضمن نفس المادة ورد حكم الاستثناء باعتباره مؤقتا ومشروطا باستمرار الهيئتين الأخريين (لجنة التوفيق والانروا) بالعمل على توفير الحماية الدولية للاجئين. وبمعنى المخالفة، كان مفهوما بحكم النص انه يتوجب على المفوضية العليا إدراج اللاجئين الفلسطينيين ضمن إطارا عملها في حال توقف أي من الوكالتين عن تأدية ما أنيط بها من مهمات تتصل بالحماية الدولية.

 لقد كان الغرض من هذا النظام الخاص توفير شبكة آمان تضمن للاجئين الفلسطينيين (بحكم تميز وضعهم) حماية خاصة في جميع الأوقات والظروف المتغيرة. بيد أن فشل لجنة التوفيق الدولية وتوقفها فعليا عن العمل في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، ومحدودية التكليف المنوط بالانروا؛ حيث يقتصر على توفير المساعدة الإنسانية ولا يشمل الحماية بمعناها الشامل، واقتصار دورها على خمسة مناطق، بالإضافة إلى عدم اطلاع المفوضية بدورها بحكم بند الاستثناء وبحكم التفسير الخاطئ والقاصر للمادة 1/د نتج عنه فقدان الحماية اللازمة بموجب معايير القانون الدولي، وتحديدا القانون الدولي للاجئين وعديمي الجنسية. 

ثانياً: الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية

الدول العربية والاتفاقيات الدولية المتعلقة باللاجئين وعديمي الجنسية والمهجرين داخليا:

باستثناء المغرب، تونس، الجزائر، السودان، الصومال، ومصر، لم تصادق الدول العربية الأخرى على اتفاقية اللاجئين لعام 1951. وباستثناء الجزائر، ليبيا، وتونس لم تصادق أي من الدول العربية على الاتفاقية الدولية الخاصة بوضع عديمي الجنسية لعام 1954. وباستثناء دولة واحدة هي ليبيا، لم تصادق الدول العربية على اتفاقية الحد من حالات انعدام الجنسية لعام 1961.

أما الاتفاقية العربية الخاصة باللاجئين؛ هذه الاتفاقية التي ثم إقرارها من طرف مجلس وزراء جامعة الدول العربية بقراررقمه 5389 د ع ( 101) ج 3 بتاريخ 27 / 03/ 1994، فلم توقع عليها حتى اليوم سوىجمهورية مصر العربية.ناهيك عن مدى الالتزام بالاتفاقيات في ممارسات وسياسات الدول، توضح المعطيات أعلاه بشكل جلي غياب الإطار القانوني الدولي والإقليمي الناظم لالتزامات الدول العربية حيال اللاجئين وعديمي الجنسية والمهجرين داخليا عموما. وغني عن القول أن هذا القصور غير ناشئ عن عدم وجود مبررات تستدعي الانضمام للاتفاقيات الدولية او الإقليمية، فالمنطقة العربية بحكم نتائج الحروب مع اسرائيل، والصراعات في أفريقيا، والغزو الأجنبي كما في حالة العراق، والصراعات الداخلية تعد من اكثر المناطق في العالم توليدا للاجئين والمهجرين.

الوضع القانوني الخاص باللاجئين الفلسطينيين:

بعيد النكبة الفلسطينية عام 1948، اعتمدت الدول العربية على مبدأ النخوة  في تنظيمها لوضع "الإخوة اللاجئين الفلسطينيين". وتدريجيا، بعدما طالت النكبة واستمر التشريد، وفشل "مشروع التحرير السريع" والذي كان يعني ضمنا تحقيق العودة للاجئين إلى ديارهم، لجأت الدول الى إصدار تعليمات شفوية أو قرارات إدارية، لم  ترق إلى مستوى القوانين بأي حال. وقد كانت هذه القرارات، كما هو الحال في الواقع العملي حتى اليوم، تتعامل مع جزئيات قضية اللجوء الفلسطيني بحسب الحاجة، تنظم الدول منفردة من خلالها وضع اللاجئين الفلسطينيين ليس بكليته، بل بالتعامل مع جزئية منفردة كموضوع الإقامة، أو العمل، أو التنقل مثلا.   

بروتوكول كازبلانكا (الدار البيضاء) لعام 1965:

يعتبر بروتوكول معاملة اللاجئين الفلسطينيين المعروف باسم: بروتوكول كازابلانكا او بروتوكول الدار البيضاء، الوثيقة العربية التي تسعى لتنظيم أوضاع الفلسطينيين في الدول العربية التي لجأوا إليها منذ 1948. وهو بهذا المعنى المحاولة العربية الأولى للتعامل مع قضية اللجوء بكليتها.

وقد تم تبني هذا البروتوكول في قمة خاصة لرؤساء وملوك الدول العربية، عقدت في كازابلانكا (الدار البيضاء) في عام 1965. ويتطلب هذا البروتوكول معاملة اللاجئين الفلسطينيين كمواطني الدول العربية التي يعيشون فيها فيما يتعلق بالتوظيف/التشغيل، والحق في مغادرة إقليم الدولة التي يقيمون فيها والرجوع إليه، والحرية في التنقل ما بين الدول العربية، وإصدار وثائق السفر وتجديدها، وحرية الإقامة والعمل والحركة.  ويشار هنا، إلى انه لم تصادق كل الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية على بروتوكول الدار البيضاء، وهناك دول ضمنته تحفظات أفقدته محتواه.

ومن الناحية العملية، تختلف درجة التزام الدول العربية بمعايير جامعة الدول العربية. فرغم صيغة الإلزام القاضية بمعاملة اللاجئين الفلسطينيين نفس معاملة مواطني الدولة المضيفة فيما يتعلق بالتوظيف، وفي حق مغادرة البلد والعودة إليه، والحصول على وثائق السفر، والتأشيرات، والإقامة، فانه في كلٍ من مصر وليبيا ودول الخليج والكويت بصفة خاصة، يجري معاملة الفلسطينيين على أساس معايير تماثل تلك التي يعامل بها الأجانب.  وعلى العكس من ذلك، نجد أن الفلسطينيين في الأردن، وسوريا، والجزائر، والمغرب، وتونس، بصفة عامة، يعاملون معاملة شبيهة بالمواطن العادي نسبياً.

وتؤكد جملة من الحقائق الموضحة في الورقة التفصيلية، أن الدول العربية بلا استثناء لم تلزم نفسها  بأحكام البروتوكول الذي وضعته، ولعل هذا يفسر سبب وضع "الاتفاقية" في صيغة بروتوكول حيث تبقى طبيعته القانونية غير ملزمة بمعنى التجرد من المسؤولية القانونية عند مخالفته أو عدم تطبيقه. وبالتالي بقيت الدول التي صادقت عليه تتعامل معه بخفة. ويؤكد ذلك جملة من القرارات والسياسات المناقضة والمخالفة لأحكامه والتي اتخذت من قبل الدول التي صادقت عليه.

وقطعا لما قد يسببه هكذا تناقض من  حرج - ولو على المستوى الأخلاقي نظريا، تبنت الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، بناء على اقتراح المملكة العربية السعودية والكويت، القرار رقم 5093 في عام 1991 والذي قرن تطبيق البروتوكول؛ أي معاملة اللاجئين الفلسطينيين بعبارة "وفق النظم والقوانين المعمول بها في كل دولة". وهذا يعني عمليا، إعفاء الدول العربية من منح الأولية لأحكام البروتوكول في الممارسة؛ وعلى العكس، تكون الأولوية لتطبيق المعايير المحلية الخاصة بكل دولة بدلاً من إتباع الأحكام المنصوص عليها في بروتوكول الدار البيضاء.

التشريعات الداخلية:

وفي ظل غياب معايير إقليمية ملزمة وواجبة فيما يتعلق بمعاملة اللاجئين الفلسطينيين في البلاد العربية المضيفة، فإن ماهية وضعهم القانوني يخضع للتشريعات الوطنية في كل دولة. وتمثل القيود المفروضة على حقوق الإقامة، وحرية الحركة، والتوظيف، والتملك، والانتفاع بالخدمات الحكومية؛ تمثل قيوداً توضع بدرجات مختلفة على الفلسطينيين الحاملين لوثائق لاجئين في الدول العربية. ويزيد على ما سبق، أن شؤون الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة، غالباً ما تنظمها الدول عبر مراسيم وزارية، أو قرارات إدارية، والتي يمكن بسهولة الرجوع عنها استجابة للظروف السياسية المتغيرة. ونتيجة لذلك، فإن الفلسطيني الذي يتمتع بحقوق معينة لا يكون واثقاً أن هذه الحقوق سوف تظل سارية بحقه، بسبب ربط التمتع بتلك الحقوق المتغيرات الدائمة، أو بأجندة سياسية، أو وقفها على "حسن السير والسلوك" للتنظيمات الفلسطينية منفردة ومجتمعة.  

وعليه، ينتج عن غياب المعايير الإقليمية ما يلي:

1-  إن ما يعرف بحقوق اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية لا تعدو كونها امتيازات ممنوحة لهم بحيث يمكن تجريدهم منها دون أن يترتب على ذلك أية مسؤولية قانونية على الدولة.

2-     أن الوضع القانوني وحقوق الإنسان الأساسية تختلف من بلد عربي مضيف إلى آخر فيما يخص اللاجئين الفلسطينيين.

3-  ان الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية الممنوحة للاجئين الفلسطينيين اقل من تلك الواجبة لهم بحكم المعايير الدولية، ولا تجسد الحد الأدنى مما ورد في بروتوكول كازابلانكا. 

4-    عدم توافر آلية لمتابعة ووقف انتهاكات حقوق الإنسان للاجئين الفلسطينيين.

إن انتهاكات حقوق اللاجئين الفلسطينيين عادة ما تبرر بشعارات وطنية. ومن ذلك مثلا، تبرير سياسة معظم الدول العربية التي تتعامل مع اللاجئين الفلسطينيين باعتبارهم أجانب أو فئة خاصة من الأجانب، وذلك تحت شعار إبقاء قضيتهم حية على المستوى الدولي. فمثلا تحت شعار "رفض التوطين" و "تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية"، يجري تبرير سياسة حرمانهم من حقوق الإقامة الدائمة؛ والجنسية(باستثناء الأردن التي عملت على تجنيس الفلسطينيين لعوامل تاريخية ودوافع سياسية غير بريئة). ضمن نفس السياق، يجري فرض قيود على حقوق الفلسطينيين في الحصول على وثائق السفر والتنقل، وتصاريح ومجالات العمل، والانتفاع بالخدمات الاجتماعية والصحية العامة، والتعليم. فعلى سبيل المثال، تفرض مصر على الفلسطيني المقيم فيها تجديد تصريح الإقامة بشكل دوري، كما وتفرض الحصول على إذن مغادرة وعودة مسبقين، وإلا فقد الشخص حقه بالعودة إلى مصر. أما الحق في العمل، فانه في جميع الدول العربية رهن بالحصول على تصريح مسبق، وهناك مجالات كثيرة يحرم الفلسطيني من العمل فيها، كما هو الحال في لبنان. أما حقوق الانتفاع بالخدمات العامة بما فيها الخدمات الصحية، والتأمينات الاجتماعية، والتعليم، فهي متفاوتة من بلد إلى آخر، ولكن السائد هو التعامل مع الفلسطينيين كالأجانب، الأمر الذي لا يحرمهم فقط من الانتفاع بها على قدم المساواة مع المواطنين، بل وحرمهم من حق التساوي مع اللاجئين الآخرين، وقد يرتب عليهم أعباء مالية مضاعفة كما في مجال التعليم العالي. أما حق التملك، فبعض الدول تطبق عليهم ما يسري على الأجانب، وأخرى ما يسري على مواطني دولة عربية أخرى، ولبنان لا زالت تحرمهم من حق التملك كقاعدة عامة.

 حقوق اللاجئين الفلسطينيين والأوضاع السياسية المتقلبة

علاوة على غياب الإطار القانوني، وعلاوة على تنظيم شؤون اللاجئين بقرارات إدارية شفوية أو مكتوبة صادرة عن إدارات ووزارات تنفيذية ولا تحمل أية صفة تشريعية على الأغلب- وبالتالي تفقد صفة الثبات النسبي، تأثرت حقوق اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية أولا: بالتقلبات الداخلية للحكومات والأنظمة العربية كما في حالات مثل سوريا ومصر حاليا، ولبنان، والأردن، ودول الخليج العربي وغيرها، وثانيا؛ بالعلاقة السياسية مع منظمة التحرير الفلسطينية، وثالثا بالغزو والتدخل الخارجي كما في حالة العراق وليبيا مؤخرا.

اثر عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي على حقوق اللاجئين الفلسطينيين:

كثيراً ما يواجه اللاجئون الفلسطينيون ترحيلاً إجبارياً إضافياً من الدول العربية المضيفة (دول اللجوء الأول). ويأتي غياب الحماية في ظل عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، والأزمات والصراعات المسلحة والحروب على رأس أسباب مثل هذا الترحيل الثانوي داخل وخارج العالم العربي. ففي منتصف عقد الخمسينيات، تم طرد العاملين الفلسطينيين في صناعة البترول من الدول الخليجية على اثر مشاركتهم في حركة الاحتجاج العمالية على ظروف العمل. وفي عام 1970 تم طرد العديد من عائلات اللاجئين الفلسطينيين من الأردن على اثر طرد حركة المقاومة الفلسطينية الناشئة، (منظمة التحرير الفلسطينية)، ونتيجة للأحداث التي سميت "أيلول الأسود" وقد استقر معظمهم في لبنان.وفي الفترة ما بين 1976-1991: أثناء الحرب الأهلية في لبنان، يقدر عدد الفلسطينيين الذين أجبروا على ترك لبنان بحوالي 100,000 فلسطيني. وفي مصر، على اثر اغتيال الكاتب يوسف السباعي من قبل مجموعة فلسطينية لتأييده اتفاقية كامب ديفيد والتطبيع مع إسرائيل في عام 1978، قام الرئيس المصري بتغيير وضع الفلسطينيين من مقيمين دائمين يتمتعون بالحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية على قدم المساواة مع المواطن المصري، إلى أجانب محرومين من تلك الحقوق. وكنتيجة لحرب الخليج 1990-1991 تم طرد 400,000 فلسطيني من الكويت ودول خليجية أخرى، كرد فعل على تأييد منظمة التحرير الفلسطينية للعراق. وفي عام 1995 قامت ليبيا بطرد حوالي 30,000 فلسطيني من أراضيها، ومن ثم تم السماح لبعضهم بعد ذلك بالعودة مرة أخرى، بسبب عدم رضا النظام الليبي في حينه عن اتفاقية أوسلو بين م ت ف وإسرائيل.  وفي عام 2003، وفي سياق الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق، والتي آلت إلى احتلاله، تم ترحيل عدة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في العراق، وتفيد آخر الإحصاءات أن عدد الفلسطينيين المتبقين في العراق لا يتجاوز 15 ألف فلسطيني ممن لا يزالون تحت التهديد، وذلك من أصل 38 الف كانوا يقيمون فيه قبل الغزو الأمريكي.

وتفيد المعطيات المتوافرة لمركز بديل أن أكثر من (500,000) لاجئ ونازح فلسطيني قد تحركوا إلى دول خارج العالم العربي، وبصفة أساسية إلى الولايات المتحدة، وأوروبا واستراليا.

للوهلة الأولى قد يبدو الأمر عاديا، حيث أن الصراعات الداخلية أو الحروب، او حتى الخلافات السياسية فيما بين الدول عادة ما تترك آثارها على السكان، ورعايا الدول الأخرى. ولكن في الحالة الفلسطينية، تكون الآثار كارثية حيث ليس للفلسطينيين دولة أو وطن يحتضنهم عند تعرضهم للتهجير أو الترحيل. وما يزيد الأمر سوءا، هو رفض استقبالهم من قبل الدول الأخرى، سواء العربية او الأجنبية كما في حالة لاجئي العراق؛ حيث تركوا لسنوات عالقين على الحدود الأردنية والسورية ليعانوا لسنوات في مخيمات لجوء جديدة تفتقر لأبسط الخدمات إلى ان تم اعادة توزيع معظمهم على دول اجنبية. وكما في حالة فلسطينيي سوريا الآن، حيث هناك عشرات الآلاف من العالقين في أو على حدود دول أخرى بسبب هويتهم القومية/الوطنية- كفلسطينيين.

ويظهر اثر حالة عدم الاستقرار، وربط الحقوق بماهية العلاقة السياسية مع م ت ف، والنزاعات الداخلية أو الحروب الدولية على حقوق اللاجئين الفلسطينيين فيما يلي:

1-    التسبب في المزيد من التهجير الثانوي القسري الذي ينشأ عنه فقدان حق الإقامة في بلد اللجوء الأول، وفقدان او ضعف إمكانية الحصول على وضع مماثل في دولة عربية أخرى؛ حيث لا يتم استقبالهم بداية، أو يجري تصنيفهم ضمن فئة اقل من فئة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين أصلا في البلد المضيف؛ فيتم التعامل مع وجودهم رسميا إما بالإنكار (أي بالتجاهل خشية تحمل المسؤوليات)، أو باعتبار الوضع طارئا؛ فتقدم لهم المساعدات من باب التعاطف الإنساني لا أكثر. 

2-    رهن الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين بالمتغيرات السياسية، وتحديدا بمدى الرضا عن مواقف م ت ف، أو خدمة لأجندة سياسية معينة.

3-    التسبب بزيادة حركة "الهجرة الطوعية" للاجئين الفلسطينيين إلى خارج المنطقة العربية في ظل انعدام الدولة، وفقدان الوطن، والحرمان من الحقوق الأساسية.

·         حقوق اللاجئين الفلسطينيين في الدبلوماسية العربية

تتمثل إحدى العلامات البارزة في تعامل الدبلوماسية العربية مع قضية اللاجئين الفلسطينيين على المستوى الدولي في إبقاء هذا الملف حاضرا ومفتوحا. وتخفت أو تكاد تتلاشى نضارة هذه العلامة في ظل انعدام الإستراتيجية العربية. ويتبدى هذا جليا في أمرين: الأول: التعاطي مع فشل نظام الحماية الدولية الخاص باللاجئين الفلسطينيين كأمر واقع، والثاني: انعدام المنهجية في تفعيل ملف اللجوء سياسيا.

الجامعة العربية ونظام الحماية الخاص:

كما سبق الإشارة أعلاه، كان الغرض من تشكيل الهيئات الدولية الخاصة بلاجئي فلسطين، أي لجنة التوفيق الدولية، والانروا هو توفير نظام حماية مضاعف للاجئين الفلسطينيين. ولو اتبعت سياسة عربية حاسمة تصر على تطبيق هذا النظام الذي صمم في عام 1948، لما كانت الخارطة السياسية للمنطقة كما هي عليه الآن.

لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين: 

رغم هزيمتها في حربها الأولى مع اسرائيل، كان إصرار الدول العربية على إنشاء لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين بموجب قرار الجمعية العامة رقم 194 وما تضمنه من مهام وحقوق، عملا سياسيا مبدعا في حينه. بيد أن تعامل الدول العربية مع فشل اللجنة في الاطلاع بمسؤولياتها؛ ذلك الفشل المعلن في بداية الخمسينيات، اي فشل اللجنة في تحمل مسؤولية توفير الحماية القانونية للاجئين وممتلكاتهم، وتسهيل عودتهم إلى ديارهم الأصلية، وإيجاد حل دائم، يمثل الهزيمة الفعلية. لقد اكتفت الدول العربية بالدعوة مرارا إلى تفعيل دور اللجنة، ومطالبتها بالعمل، بينما قبلت عمليا غيابها من خلال التعامل مع جهات وأطراف لا تحمل أي تكليف أممي. ربما كان من اللازم التحرك خارج دائرة اللجنة ذاتها لضمان فاعليتها، ولكن كان من الضرورة بمكان العمل على تذليل الصعوبات التي واجهتها اللجنة في خضم سعيها لتنفيذ القرار الاممي رقم 194 لعام 1948.

ولكي لا نبالغ في تقدير اثر فعل لم يتم، نقول انه حتى بافتراض تعذر بناء إرادة سياسية دولية تسند اللجنة في سعيها إلى تحقيق العودة والحل الدائم، كان يلزم من جهة الدول العربية على الأقل عدم التنازل عن مسؤولية لجنة التوفيق في توفير الحماية الفيزيائية والقانونية للاجئين. وبلا شك، كان هذا التنازل قبولا فعليا بحصر مسؤولية الأمم المتحدة  في المسؤولية الأخلاقية عبر قصر دورها على تجديد الولاية لوكالة الانروا. يشار ضمن هذا السياق أيضا، ان الجامعة العربية عندما حاولت تجديد الدعوة لتنشيط لجنة التوفيق في قرارها رقم 5414 لعام 1994، دعت إلى تكليف اللجنة بـ "حصر شامل للاجئين وأملاكهم، ووضع تصور شامل لحل قضيتهم على أساس القرار رقم 194"؛ وكأنها بهذا تعفيها وتعفي المجتمع الدولي بأسره من المسؤوليات الأخرى المنصوص عليها صراحة وتفصيلا ضمن القرار 194.

وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الانروا):

أسست الانروا لتقوم بالتعاون مع لجنة التوفيق على توفير المساعدات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين. وتوفير الإغاثة بهذا المعنى يشكل احد أركان الحماية الدولية بمفهومها الشامل (الحماية الفيزيائية، والحماية القانونية، والمساعدة الإنسانية). وكلفت الانروا للقيام بمهماتها الاغاثية كوكالة مؤقتة تسند عمل لجنة التوفيق في خمسة مناطق (الضفة الغربية، قطاع غزة، الأردن، سوريا، لبنان) بينما رفض العراق السماح لها بالعمل على أراضيه، اذ تكفل برعاية اللاجئين لديه. والانروا، رغم سعيها أحيانا في المجال العملي لتوسيع نطاق صلاحياتها من خلال المحاولة لتوفير حماية اشمل خصوصا في حالات الطوارئ، إلا أنها لا تتمتع بتكليف رسمي، ناهيك عن أنها عاجزة عن ذلك ذاتيا بالمعنى التقني والهيكلي.

ويلاحظ بشكل متزايد منذ بداية ما سمي بعملية السلام التراجع الحاد في الخدمات التي تقدمها الاونروا للاجئين الفلسطينيين. وتعزو الاونروا ذلك إلى نقص الميزانية في ظل تزايد أعداد اللاجئين وازدياد احتياجاتهم. ويعود قصور ميزانية الاونروا إلى تراجع مساهمات الدول، هذه المساهمات الطوعية والتي صارت مؤخرا مقيدة ومشروطة بتنفيذ برامج معينة خدمة للأجندة السياسية للمتبرعين. وفي حين كان يفترض في الدول العربية أن تتبنى إستراتيجية تعمل على جعل مساهمات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الدول في ميزانية الانروا إلزامية وليس مجرد عطايا وهبات، أخذت الدول العربية شيئا فشيئا تسعى إلى سد النقص في موازنة الانروا عبر دفعات إضافية تقدمها على وجه طارئ؛ وكأنها بذلك تعفي المجتمع الدولي حتى من مسؤوليته الأخلاقية والمالية حيال توفير المساعدات للاجئين الفلسطينيين.

لقد كان من الأجدى تبني إستراتيجية اشمل تتضمن توسيع نطاق عمل الانروا من حيث الموضوع أولا (حماية أوسع) ومن حيث النطاق الجغرافي ثانيا (مناطق أوسع)، ومن حيث الأشخاص ثالثا لتشمل كل اللاجئين والمهجرين بمن فيهم غير المسجلين لديها والذين يزيد عددهم عن 2 مليون لاجئ.

المفوضية العليا لشؤون اللاجئين:

كما سبق القول، بموجب المادة 1/د من الاتفاقية الدولية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، تصبح المفوضية العليا ملزمة بسد الفجوة في الحماية الدولية بمعناها الشامل للاجئين الفلسطينيين في حال فقدانهم لها. وبغياب لجنة التوفيق، وبقصور الانروا ومحدودية صلاحياتها وإمكانياتها، كان من المفترض شمل اللاجئين ضمن نطاق عمل المفوضية واتفاقية اللاجئين لعام 1951. من جهتها، لم توقع معظم الدول العربية على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، وبالتالي لم تنشئ سبلا للتعاون مع هذه الهيئة الدولية. وعليه يكون مفهوما لماذا لم تتبن الجامعة العربية إستراتيجية تطوير أداء المفوضية تجاه اللاجئين. وتبعا لذلك، لا يمكن للدول العربية ان تساند المفوضية في عملها على تطوير تشريعات وسياسات الدول الموقعة على الاتفاقية، في الوقت الذي لم توقع هذه الدول على الاتفاقية. ولعل أهم ما يمكن القيام به في هذا الصدد هو دعم تدخل المفوضية لدى الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 بغرض ضمان تفسير وتطبيق المادة 1/د من قبل الدول على نحو سليم. ولكن عدم مصادقة الدول العربية على الاتفاقية وانعدام الإسناد العربي لجهود المفوضية، لم يضعف الأخيرة فحسب، بل وشكل مبررا في كثير من الحالات لتنصل الدول الأخرى من التزامها بتوفير الحماية للاجئين الفلسطينيين.

في موقع التوصـيـــات، نقول:

أولاً: ضرورة وضع اتفاقية عربية تنظم وضع اللاجئين وحقوقهم في الدول العربية، بما ينسجم مع القانون الدولي للاجئين وعديمي الجنسية والمهجرين داخليا، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، على أن يصار إلى تأسيس هيئة عربية ذات صلاحيات رقابية وتنفيذية شبيهة بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

ثانياً: ضرورة توحيد الإطار القانوني الناظم لوضع اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، كبديل عن التعليمات والقرارات والمراسيم الإدارية الوزارية، على أن يشمل الإطار الموحد إنشاء هيئة رقابية ذات صلاحيات واسعة.

ثالثاً: ضرورة ضمان احترام الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين الفلسطينيين بما يكفل صون كرامتهم الإنسانية دون المساس بهويتهم الوطنية، و/او الانتقاص من حقهم  في العودة، و/او التورط في مشاريع توطين.

رابعا: وجوب الفصل التام ما بين المتغيرات والمواقف السياسية وحق اللاجئين الفلسطينيين في التمتع بالحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية.

خامساً: ضرورة تبني والمصادقة على الاتفاقيات الدولية والإقليمية المتعلقة باللاجئين، وعديمي الجنسية، وحقوق المهجرين داخليا،

سادساً: تبني إستراتيجية عربية تسعى على المستوى الدولي إلى إعادة إحياء لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين، و/او نقل صلاحياتها الى وكالة الغوث الدولية، و/او إيكال مهماتها مباشرة إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بما في ذلك الاطلاع بمهمات الحماية الشاملة في مناطق عمل الانروا.

----------------------------------------------------------------

* نضال العزة: منسق وحدة المصادر، والبحث والإسناد القانوني في مركز بديل، مدرس القانون الدولي للاجئين.