طباعة

آن الاوان للتعامل مع التهجير القسري المستمر وتحدي السياسات الاسرائيلية الهادفة الى الترحيل


منذ العام 1948 على الاقل، خطّ التهجير القسري شكل حياة الشعب الفلسطينيي واثر عليه، حيث تصل نسبة الفلسطينيين من اللاجئين والمهجرين داخليا في يومنا هذا الى حوالي سبعين في المائة. وقد تم توثيق التهجير الفلسطيني في كل من عامي 1984 و 1967 بشكل جيد، إذ يوضح المؤرخون ان العديد من الفلسطينيين تعرضوا للنفي المتعمد من بيوتهم واراضيهم نتيجة للمخططات الصهيونية، وما تلا ذلك من خطط اسرائيلية لترحيل السكان خلال نكبة عام 1948 وحرب العام 1967 وما بينهما. إلا أن موضوع التهجير الداخلي المستمر تجاه الفلسطينيين في اسرائيل  والاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، فلم يستوف حقه من الدراسات.

تهدف هذه المقالة القصيرة الى مناقشة موضوع التهجير المستمر الذي يتعرض له الفلسطينيون، وبالأخص التهجير الداخلي في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وإسرائيل. كما يتناول الحاجة الى الإتيان بطريقة للتعامل مع التهجير القسري، كذلك تقترح المقالة تبني وضع هذه الحالة تحت المجهر من اجل توفير نوع افضل من الحماية والمساعدة للفلسطينيين وتحدي السياسات والمخططات الإسرائيلية المستمرة لترحيل السكان من اجل فرض الاكثرية الديمغرافية "السكانية" الاسرائيلية في انحاء فلسطين المنتدبة.
 

 
النكبة المستمرة

إن الهدف من نظام الحكم الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية المحتلة المؤلف من خليط من الاحتلال والاستيطان وسياسة التمييز العنصري هو ضم الأراضي الفلسطينية مع أقل عدد ممكن من الفلسطينيين معها. على ارض الواقع، يترجم نظام الحكم الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية المحتلة الى تدمير البيوت والإخلاء الإجباري ومصادرة الاراضي وجدار الفصل العنصري والنظام التابع له وابطال حقوق الاقامة ونظام الاغلاق ومنح التصاريح والاجتياح العسكري، وكل هذا يؤدي بالتالي الى تهجير الفلسطينيين عن بيوتهم واراضيهم . فعلى سبيل المثال، تم في عام 2007 تهجير عدد من الفلسطينيين نذكر منهم بدو الحدادية في غور الاردن، وسكان القصى جنوبي الخليل، وسكان ام الناصر في قطاع غزة. وفيما نبدأ العام 2008 تبقى العديد من المجتمعات معرضة لخطر التهجير مثل سكان النعمان في بيت لحم، وام الخير وزانوتا وسوسيا في الخليل، والعقبة ويانون في نابلس، وبدو الجهالين في القدس، والمجتمعات المقامة في منطقة وقف النزاع التي تفرضها اسرائيل في قطاع غزة او بالقرب منها.

ان حقيقة كونهم معرضين لخطر الاجبار على التخلى عن البيت او الارض تعد واضحة ومعروفة للشعب الفلسطيني، الا ان الحال ليس ذاته لدى معظم الدبلوماسيين ووكالات الامم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية. لذلك فإنه من الضروري والمهم أن يبيّن الفلسطينيون هذا الامر، بالأخص أن الممارسات الإسرائيلية تعد جزء من سياسة او خطة ترحيل السكان وتعد من جرائم الحرب وانتهاك ضد الانسانية، وبذات الوقت يتم تصنيف هذه الأعمال بموجب تشريع روما الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية الذي دخل الى حيز التنفيذ في الفاتح من أيلول من عام 2002، باعتبارها "التهجير القسري للاشخاص المعنيين عن طريق النفي او طرق الإكراه الأخرى من المناطق التي يتواجدون فيها دون الاستناد الى اي اساسات مصرح بها في ظل القانون الدولي" (المادة 7(2)(d)) و " قيام القوة المحتلة بنقل اجزاء من مواطنيها المدنيين بشكل مباشر او غير مباشر الى الاراضي التي تقوم باحتلالها. او ترحيل و نقل جميع او اجزاء من المواطنين الموجودين اصلا في المناطق المحتلة خارج او داخل نطاق اراضيها" (المادة (b)(viii)).

ولا يزال المواطنون الفلسطينيون المقيمون في داخل اسرائيل يتعرضون للتهجير القسري. وفي حين يختلف نظام الحكم بشكل او اخر عن الحكم في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، الا أنه مماثل له بشكل لافت للنظر من حيث اعتماده على سياسات ومخططات ترحيل السكان. على سبيل المثال، وكجزء من خطة "النقب 2015: الخطة الاستراتيجية الوطنية لتطوير صحراء النقب"، تقوم اسرائيل بتهجير المجتمعات الفلسطينية بشكل قسري من المناطق العمرانية من اجل بناء مستوطنات يهودية على اراضيها. ففي عام 2007 على سبيل المثال تم تدمير قرية طويل ابو جرول وتم تجريف البيوت في عتير – ام الحيران وهاشم زانة.  كما يعد ما يصل الى 42000 منزل في النقب معرضين لخطر الهدم.

لا أحد يعرف بالتحديد عدد الاشخاص الذين تم تهجيرهم منذ بدء الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967، أو أماكن تواجد هؤلاء الاشخاص في يومنا هذا. والمثل ينطبق على الفلسطينيين المقيمين في داخل اسرائيل. إذ قد يكون العديد منهم مهجرين داخليا في حين قد  يتواجد الآخرون خارج نطاق الاراضي المحتلة. وعلى الارجح فإن العديد منهم تعرض للتهجير اكثر من مرة واحدة. وفي الحقيقة، فإن هناك فجوة كبيرة في المعلومات والبيانات عن الفترة التي تلت تهجير عام 1967. ويعود هذا الى عدم وجود رد مشترك ومتوقع وذو وقع على التهجير القسري، أي انه ليس هنالك اي منظمة فلسطينية او دولية تقوم بمراقبة وتقرير أوضاع وحالات التهجير، أو تقوم بتسجيل عدد الافراد المهجرين. لقد أدى هذا الأمر إلى خلق فجوة هامة في الحماية والمساعدة وبالأخص مع استمرار تعرض الفلسطينيين اللاجئين منهم وغير اللاجئين الى التهجير.

من هم الافراد المهجرون داخليا؟

الافراد المهجرون داخليا هم " الاشخاص او الجماعات الذين تم اجبارهم على التخلي عن بيوتهم واماكن اقامتهم و تركها، بشكل اخص نتيجة لـ \او من اجل تفادي أثار الصراع المسلح، وحالات العنف المتأجج، وانتهاكات حقوق الانسان، او في حالات الكوارث الطبيعية او الكوارث التي يحدثها الانسان، والذين لم يعبروا حدود الدولة المعترف بها دوليا". (المبادئ التوجيهية بشأن التشريد الداخلي، الديباجة، 1998).

يقوم مركز بديل بالتعاون مع منظمات دولية غير حكومية أخرى بالدفاع عن وتأييد تحقيق "رد مشترك على حالات التهجير الداخلي" في الاراضي الفلسطينية المحتلة. وفي حالة تم تحقيق هذا الرد المتعاون عليه فيما بين الوكالات عن طريق وكالات الامم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية، نأمل أن يحصل الفلسطينيون المهددون بالتهجير الداخلي او الذين يعانون منه حاليا على مساعدة وحماية أفضل، خلال فترة التهجير وفيما يليها. وهنالك بعض الأمل، حيث قامت وكالات الامم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية، وكجزء من قطاع الحماية التابع لها بإنشاء لجنة للعمل على شئون التهجير الداخلي. الا ان الحاجة الى المزيد من الدراسات عن التهجير المستمر للشعب الفلسطيني في اسرائيل والاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لا تزال قائمة من اجل الوصول الى فهم افضل لهذه الظاهرة والرد عليها بشكل ملائم وتحدي السياسات والمخططات الاسرائيلية المستمرة الهادفة الى  ترحيل السكان.

الحلول المبنية على الحقوق

طالما لم يتم فضح السياسات والمخططات الاسرائيلية لترحيل السكان من قبل الدول والمنظمات الفلسطينية والدولية، سيستمر الشعب الفلسطيني في معاناة التهجير ولن يتم تحقيق اي نوع من السلام المبني على القانون الدولي.

تكمن الخطوة الاولى في تعريف ودراسة التهجير المستمر للشعب الفلسطيني كنتيجة للسياسات الاسرائيلية الهادفة الى ترحيل السكان في الاراضي الفلسطينية المحتلة واسرائيل. ثانيا، يجب على جميع الممثلين المعنيين العمل بتوائم من أجل تطوير رد على التهجير القسري، والذي يشمل منع التهجير وكيفية التصرف اثناء وبعد التهجير. أي أن ضحايا التهجير القسري من الفلسطينيين "اللاجئون والمهجروون داخليا" عليهم المطالبة بحقوقهم الشرعية والتعويض، وفقا للمبادئ الاساسية للامم المتحدة والخطوط العريضة لحقوق ضحايا الانتهاكات الصارخة لقانون حقوق الانسان والانتهاكات الصريحة لقانون الانسانية الدولي، في المطالبة بحقوقهم الشرعية والتعويض، (انظر في الاطار). واخيرا، يجب توظيف الجهود وتوجيهها في السنوات القليلة القادمة من أجل محاسبة إسرائيل على جرائم الحرب التي تقترفها وجرائمها ضد الانسانية بموجب القانون الجنائي الدولي، وبالأخص  جريمة ترحيل السكان.

حقوق المهجرين داخليا من ضحايا انتهاكات قانون حقوق الانسان الدولي والقانون الانساني الدولي


 

"يحق للاجئين والمهجرين داخليا الواقعين ضحايا للانتهاكات الصارخة لقانون حقوق الانسان الدولي والانتهاكات الصريحة للقانون الانساني الدولي، المطالبة بالحصول على التعويض. فعندما يصبح المرء لاجئا، تنتهك هذه الحقوق والتي يرتبط التمتع بها بقدرة المرء على العيش في بلده او بلدها. ويتم تعريف هؤلاء الضحايا على انهم "الافراد الذين تعرضوا الى الأذى بشكل فردي أو جماعي، ويشمل ذلك الاصابات الجسدية والعقلية، والمعاناة النفسية، والخسارة الاقتصادية، وافساد جوهري لحقوقهم الاساسية من خلال الممارسات التي تشكل انتهاكات صارخة لقانون حقوق الانسان الدولي وانتهاكات صريحة للقانون الانساني الدولي." كما يشمل الضحايا كذلك "العائلة المباشرة والافراد المعولين من قبل الضحية المباشرة". ويشمل التعويض على إستعادة الحقوق ودفع التعويضات وتوفير المسكن والرضى وضمان عدم تكرار الانتهاك الأساسي.

 

* استعادة الحقوق، اذا امكن يجب ان تعيد الضحية الى الحالة الاصلية قبل حدوث الانتهاك الصارخ لقانون حقوق الانسان او الانتهاك الصريح للقانون الانساني الدولي. تشمل استعادة الحقوق على الحرية والتمتع بحقوق الانسان والهوية والحياة العائلية والمواطنة والعودة الى مكان سكن الفرد الأصلي، واستعادة الممتلكات والعودة الى العمل.

 

* دفع التعويضات، يجب توفير التعويضات مقابل اي نوع من الخسارة الاقتصادية " بما هو ملائم ومناسب لحدة الانتهاك والظروف الخاصة بالحالة" الناتجة عن انتهاك صارخ لقانون حقوق الانسان الدولي وانتهاك صريح للقانون الانساني الدولي، مثل:

   1. الاذى الجسدي او النفسي

   2. الفرص الضائعة ويشمل ذلك العمل والتعليم والفوائد الاجتماعية

   3. الاضرار المادية وفقدان المصدر المعيل بما في ذلك القدرة على الاعالة

   4. الضرر الاخلاقي

   5. تكاليف المساعدات القانونية وتوظيف الخبرات، الأدوية والخدمات الصحية، والخدمات النفسية والاجتماعية.

 

* توفير المسكن، يجب ان يشتمل على الرعاية الصحية والنفسية، والخدمات القانونية والاجتماعية.

*الرضى، يجب ان يشتمل، اذا امكن، على اي من او جميع ما يلي:

  1. اجراءات فعالة تهدف الى وقف الانتهاكات المستمرة

  2.تعريف بالحقائق وكشف تام وعام للحقيقة الى الحد الذي لا يشكل فيه هذا الكشف اي اذى آخر لأمن  ومصالح الضحية، او اقاربه  او الشهود او الاشخاص الذين تدخلوا لمساعدة الضحية ومنع تكرار مثل هذه الانتهاكات.

  3. البحث عن اماكن تواجد المفقودين الذين اختفوا والبحث عن هويات الاطفال المختطفين، وعن جثث الذين تعرضوا للقتل، والمساعدة في استعادة وتعريف ودفن الجثث بما يتوافق مع رغبة الضحية المعبر عنها او المفترضة، أو وفقا لعادات و تقاليد العائلات و المجتمعات.

  4. اعلان رسمي او قرار شرعي  يعيد الكرامة والسمعة والحقوق للضحايا ولأقاربهم

  5. اعتذار علني يشتمل على الاعتراف بالحقائق وتقبل المسؤولية

  6.عقوبات شرعية وادارية ضد الافراد المسئولين عن الانتهاكات

  7. ان تشتمل المناهج الدراسية والتدريبية لكل المستويات على وصف دقيق للانتهاكات الحاصلة في ظل قانون حقوق الانسان الدولي والقانون الانساني الدولي.

 

* ضمان عدم التكرار ويجب، إذا أمكن، أن يشتمل على اي من او جميع الاجراءات الآتية والتي من شأنها ان تسهم في الوقاية:

  1.تأمين سيطرة مدنية فعالة على القوى العسكرية والامنية

  2.ضمان التزام جميع الاجراءات المدنية والعسكرية بالمقاييس الدولية للعملية الحالية والالتزام بالعدالة و عدم التحيز.

3 . تدعيم الشرعية و استقلالها

  4. حماية الافراد العاملين في القطاعات القانونية والطبية والرعاية الصحية والصحافة، والقطاعات الأخرى المشابهة، كذلك حماية المدافعين عن حقوق الانسان.

  5. توفير التعليم المختص بحقوق الانسان والقانون الانساني الدولي على نحو متتابع ذو اولوية، لجميع قطاعات المجتمع، الى جانب توفير التدريب لقوى فرض القانون والقوى العسكرية والامنية.

  6.زيادة الرقابة على التصرفات والنزعات الاخلاقية والعرقية، وبشكل خاص المقاييس الدولية، عن طريق الموظفين الحكوميين ويشمل ذلك قوى فرض الامن وقوى الاصلاح والصحافة والقوى الطبية والنفسية والخدمات الاجتماعية والشئون العسكرية، والشركاء الاقتصاديين كذلك.

  7.تعزيز آليات  حماية ومراقبة للصراعات الاجتماعية وآثارها.

  8. مراجعة واعادة نص القوانين التي تساهم في او تسمح بحدوث الانتهاكات الصارخة لقانون حقوق الانسان الدولي و النتهاكات الصريحة لقانون الانسانية الدولي.

 

----------------------------

المصدر: قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة،A\RES\60\147، المبادئ الاساسية والخطوط العريضة في حقوق ضحايا الانتهاكات الصارخة لقانون حقوق الانسان الدولي والانتهاكات الصريحة للقانون الانساني الدولي في المطالبة بحقوقهم الشرعية و الحصول على التعويض، 21 مارس 2006.
_________________

كارين ماك أليستر هي منسقة برنامج الإسناد القانوني في بديل- المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، وهي محررة مجلة المجدل الصادرة عن بديل بالانكليزية.