×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

أهالي كفر برعم المهجرة يعلنون عودتهم

إحدى الأمسيات الثقافية ضمن نشاطات مخيم العودة (تصوير: طوني أيوب) إحدى الأمسيات الثقافية ضمن نشاطات مخيم العودة (تصوير: طوني أيوب)

إعداد: طاقم مركز بديل

تم تهجير قرية كفر برعم الجليلية على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني ضمن عملية "حيرام" العسكرية، والتي ابتدئت بعد مضي ثلاثة أشهر على إقامة الدولة العبرية، وذلك من أجل احتلال قرى منطقة "الجيب العربي" الواقعة في الجليل الأعلى. عندما وصل جيش الاحتلال إلى قرية كفر برعم في تشرين ثاني من عام 1948 أمر قائد المنطقة السكان مغادرة القرية لمدة أسبوعين والتوجه لمسافة 5 كيلومترات شمالا باتجاه الحدود اللبنانية. لجأ قسم من أهالي القرية إلى كرومهم وحقولهم المجاورة منتظرين العودة، أما القسم الأخر فقد لجأ إلى قرى الجنوب اللبناني، حيث انتقل الأولون، بعد طول انتظار واستشهاد سبعة من أطفالهم نتيجة البرد والجوع إلى قرية الجش المجاورة، وقطنوا البيوت الخالية التي تعود ملكيتها لأهالي قرية الجش الذين هجر قسم منهم إلى لبنان فيما استمر لجوء من وصل لبنان من أهل كفر برعم حتى اليوم، وبشكل مركز في مخيم ضبية.

تبعاً لعملية الاقتلاع التي تعرضوا لها، قام مهجرو كفر برعم الذين بقوا في بلادهم بتنظيم أنفسهم وتشكيل لجنة تقود نضالهم للعودة إلى ديارهم، والتي توجهت بدورها إلى منبر القضاء الإسرائيلي تطالب بعودة الأهالي إلى قريتهم. في هذه المرحلة من تجربة نكبة كفر برعم، جاء قرار المحكمة الصادر في العام1951، والذي يعترف بحق السكان بالعودة إلى قريتهم منوطا بموجب تصريح خاص من الحاكم العسكري، الأمر الذي لم يتم حتى اليوم، وبحسبه ما زال سكان كفر برعم مهجرين داخل وطنهم حتى اللحظة.

لم يكتفِ الاحتلال بتهجير السكان، بل تجاوز ذلك إلى خلق واقع يحول دون أية محاولة للعودة إلى المكان (القرية)، وقد قامت قوات الاحتلال بهدم القرية بقصفها جويا في العام 1953، ولم يبقَ على حاله من القرية سوى كنيستها وسط أطلال ردم البيوت.

لم يخضع مهجرو كفر برعم على مر سنوات التهجير، بل اتخذوا أشكالا مختلفة من النضال؛ كالاعتصام في القرية، ترميم المقبرة ودفن موتاهم فيها، ترميم الكنيسة وإجراء الطقوس الدينية فيها، تنظيم وإقامة مخيمات صيفية ومخيمات عمل تطوعي وغيرها. مع بداية ثمانينيات القرن الماضي، أقام عدد من شباب الجيل الثاني للنكبة حركة "العودة"- شباب كفر برعم التقدميون، والتي شرعت بتنظيم مخيمات صيفية على أرض القرية المهجرة لأبناء الجيل الثالث من مهجري القرية. اليوم، تنظم هذه الفعاليات لنفس الغاية ولكن لأبناء وبنات الجيل الرابع للتهجير.

مخيمات العودة لا مخيمات للجوء:

 حاليا تنظم المخيمات الصيفية كمخيمات عودة لا مخيمات لجوء. تتضمن فعالية المخيم العديد من الفعاليات التعليمية والدعوية: السياسية والاجتماعية والترفيهية. يمكث خلال المخيم بضعة مئات من المهجرين، والذين يعيشون اليوم في قرية الجش المجاورة، وحيفا، وعكا، والمكر، والناصرة، والقدس وغيرها، على أرض بلدتهم المسلوبة لمدة أسبوع، في مسعى منهم لإحياء وصيانة النسيج الاجتماعي للقرية، والذي كان عرضة للشرذمة على مدار العقود الست منذ اقتلاعهم. كما ويتم التواصل مع بقية الأهالي ممن أصبحوا لاجئين في لبنان. ما زال يقام هذا المخيم وكذلك مخيم العمل التطوعي اللذان تنظمهما حركة العودة بشكل مستمر كل عام. وفي العام 2009 عقد البراعمة (اهل كفر برعم) انتخابات ديمقراطية لانتخاب لجنة تمثل أهالي القرية، حيث اشترك في هذه الانتخابات نحو 1400 شخص والذين يشكلون 73% من ذوي حق الانتخاب الموجودين في البلاد. شكلت هذه العملية الديموقراطية الفريدة من نوعها انجازا بحد ذاته، وبهذا استطاع أهالي البلد، وبالرغم من الصعوبات، إجراء انتخابات لقرية مهجرة والتي ينتشر أهلها مشتتين مرغمين في أماكن شتى في البلاد.

وجاء مخيم عودة البراعم لهذا العام (2013) متضمناً جملة من الفعاليات التثقيفية المتعلقة بتاريخ القرية ونضالات أهلها في سبيل تحقيق العودة، إضافة لأنشطة هدفت إلى إحياء التواصل مع أهل القرية في الشتات، وذلك عبر كتابة الرسائل بالارتكاز لتقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة. كما قام المشاركون بالانخراط في جولات تثقيفية عنيت بتوضيح الشكل الذي كانت عليه القرية وتفاصيل الحياة في المكان قبل النكبة. وكذلك توفرت الفرصة للمشاركين بان يشاركوا بورشات فنية عديدة منها ما هو حول تقنيات التصوير والتوثيق. هذا إلى جانب النقاشات والمداخلات حول القضايا السياسية والاجتماعية المتعلقة بحياة الشباب الفلسطيني. إضافة إلى ذلك؛ فقد تخلل المخيم أمسيات ثقافية وفنية حيث تم عرض مسرحية: "ظريف" لمسرح السيرة، ومسرحية: "التغريبة" لمسرح الميدان، كما وتم تقديم عروض غنائية للموسيقى الملتزمة والبديلة قدمتها جوقة "سراج"  بالإضافة إلى فقرات فنية ساخرة وناقدة.

الجديد في تجربة البراعمة:

مع اختتام مخيم عودة البراعم الرابع والعشرين هذه السنة، في العاشر من آب 2013، قرر أهالي القرية إعلان عودتهم والبقاء على أرض القرية حتى أجل غير محدود- حتى العودة. كما وتم الإعلان الرسمي من قبل خادم رعية كفر برعم بعد ذلك بأسبوع. لا يزال أهالي البلدة من جميع الأجيال وخاصة الشباب يتناوبون على التواجد في البلد (في محيط الكنيسة)، كما وبدأ المتواجدون والأهالي عامة بتنظيم أمورهم اليومية ووضع برنامج للعمل، وعقد اللقاءات والحوارات وفعاليات متنوعة أخرى، بهدف استغلال التواجد الدائم في البلد لرفع المزيد من الوعي حول القضية، ولتأكيد حق الأهالي في ممارسة عودتهم، حيث يتم الالتقاء بناشطين ومتضامنين آخرين من كافة أنحاء البلاد إلى جانب مجموعات شبابية أخرى من مهجري الداخل كشباب قرية اقرث وغيرهم.

عينا جدي ترافقاني حتى العودة:

تقول أسيل أبو وردة وهي إحدى العائدات المقيمات في كفر برعم:

 لقد أعلنا عودتنا إلى قريتنا كفر برعم، لأنها حق مسلوب قد توارثناه من جدودنا. عودتنا إلى القرية هي استمرارية لنضال جدي، وجد كل مقيم أو مقيمة في القرية اليوم. العودة هي رواية شخصية لكل واحد وواحدة  منا حملناها على أكتافنا  لتثبيت جذورنا هنا. إن عودتي هنا هي لتذكير السلطات واﻹعلام الإسرائيلي والغربي بأنهم يوما ما قهروا شعبا كاملا، ونحن جزء من هذا الشعب الذي حاولوا نزعنا منه، لن أنسى عيني جدي ولسوف ترافقني عيناه حتى العودة، ورغم عدم وجوده معنا اليوم تبقى عيناه بوصلة... وبعودتي  أشفي جرحه.

العودة حالة رفض للموت وتجسيد للهوية:

في وصفه لحالة العودة كفعل، يقول الناشط جورج غنطوس، احد العائدين ومن منظمي المخيم في كفر برعم:

 ان ما نشهده في كفر برعم ونعيشه هو تعبير عن الروح الحية لأبناء فلسطين وتجسيد لها يتمثل في إعادة الوصل مع الأرض والمكان... المطالبة هي مطالبة من الذات بالعيش بكرامة... وهي رفض للموت المتمثل بخيبة الأمل وقوى الجهاز... أبناء برعم عملوا بجد من سنين طويلة على إعادة بناء هويتهم المحلية وطرقوا أبوابا عديدة وثابروا على ارض قريتهم، واليوم نقطف ثمار الاستمرارية؛ فنرى شبابا يانعا يعمل بجد وبكل إخلاص وينسج من جديد مجتمعا نضاليا... الشعلة الأخيرة أتت من شباب اقرث الذين ومن خلال التواصل المستمر قووا خفقان الدم في العروق. نحن أبناء فلسطين وجنوب لبنان والشام على وعد مع الحق والحرية، نسعى لان أن يتطور الفعل ليصبح حالة نضالية راسخة الجذور في الأرض عامة لكل المضطهدين... نخص بالذكر منهم أهلنا في كل المخيمات والشتات.

الظاهر والمعلوم أن هذه الخطوة لم تلقَ استحسان السلطات الإسرائيلية، اذ قامت سلطة الأراضي في اسرائيل في الحادي والعشرين من آب، بعد 11 يوم من العودة وإعلانها، بتعليق إنذار إخلاء للمنطقة التي يخيم بها العائدون، مما يدفع الأهالي اليوم إلى صب الاهتمام باتجاه دراسة كيفية التصدي لهذا التصعيد من جانب سلطات الاحتلال، مع العلم واليقين بأن أهل البلد يؤكدون انه لا مجال للتراجع عن مشروع العودة والتواجد الدائم في كفر برعم- حاضنة الروح والهوية!