×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

التهجير القسري للسكان: دور وإستراتيجية السلطة الفلسطينية

جنود الاحتلال يهاجمون عدد من المحتجين على مصادر الأراضي، يطا جنوب الخليل، تصوير: ناصر شيوخي، AP) جنود الاحتلال يهاجمون عدد من المحتجين على مصادر الأراضي، يطا جنوب الخليل، تصوير: ناصر شيوخي، AP)

بقلم: محمد الياس نزّال*

يركّز العرض الذي أقدمه هنا على مسألة التهجير القسري للمجتمعات الرعوية الفلسطينية من المنطقة المصنفة (ج) في الضفة الغربية، وهو ما يجعل 50,000 من سكان ما يقرب من 150 مجتمعا محليا، تحت التهديد المستمر بالتهجير بفعل الاحتلال الإسرائيلي. ويتناول العرض أيضا رؤية السلطة الفلسطينية، ودورها العملي وتوقعاتها من المجتمع الدولي تجاه قضية التهجير القسري للسكان.

إن سياسة التهجير القسري للسكان، والتي تطبقها إسرائيل في الضفة الغربية منذ بدء احتلالها للأرض الفلسطينية عام 1967،  ما هي إلا استمرار للتطهير العرقي الذي ينفذ ضد الفلسطينيين بدءا من عام 1948. إن هذه السياسة هي أداة للاستيلاء على الأراضي، وهي آلية تتمكن إسرائيل عبرها من السيطرة على ظروف التطور الديموغرافي الفلسطيني. وتختلف أساليب تحقيق هذا الهدف، لكن التهجير القسري المترافق مع مصادرات الأراضي هو جوهر المشكلة التي تواجه الفلسطينيين في وطنهم. إن عمل دائرة شؤون ملف الجدار والاستيطان يهدف إلى مقاومة هذه الإجراءات، أو، على الأقل، إلى الحد من أضرار الأنشطة الإسرائيلية.

من أجل فهم النوايا الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين، أود استعراض موقف الزعيم الروحي لحزب شاس، وهو حزب ديني سياسي متشدد. حيث قال الحاخام عوفاديا يوسف ذات مرة أنه من واجب اليهود إزالة جميع أشكال الكفر، المسلم والمسيحي من هذه الأرض، "لكن هل يمكننا [الإسرائيليون] تنفيذ هذه الرؤية؟ هل سنكون قادرين على امتصاص الغضب الدولي تجاهنا في حال فعلنا ذلك؟ إذا لم يكن الجواب إيجابيا، فعلينا تأجيل المسألة". ومع ذلك، ومنذ أن تم وضع الفلسطينيين على الشاحنات وإلقائهم خارج وطنهم، كما حدث في النكبة وحرب عام 1967، أصبح هذا الأمر شيئا لا يمكن لإسرائيل أن تنفذه في الوقت الراهن. لذلك، فإنها تخلق الظروف التي تخدم هدف المشروع الصهيوني في الاستيلاء على الأراضي ومنع صعود قوة فلسطينية. هذا يتم تحقيقه عبر مصادرات الأراضي ومنع التنمية، مما سيؤدي لاحقا إلى حياة غير آمنة للفلسطينيين، وانعدام التماسك الاجتماعي والسياسي بين أجزاء فلسطين المختلفة، وبالتالي، منع تشكل الوعي والعمل السياسي، فلسطينيا.

إن الخطط الإسرائيلية التي ترمي إلى التهجير القسري تستهدف، في المقام الأول، الفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة المصنفة (ج). وسكان القدس وضواحيها، والمجتمعات البدوية المحيطة بالقدس، والمجتمعات الرعوية والزراعية التي تمتد إلى الجنوب والشرق من تلال الخليل على طول الطريق إلى غور الأردن في الشمال. إن المنطقة (ج) والتي تتألف من أكثر من 60 في المائة من مساحة الضفة الغربية، هي أرض ضرورية بشكل حيوي من أجل إقامة دولة فلسطينية.

إن سياسة التهجير القسري للسكان، والتي تطبقها إسرائيل في الضفة الغربية منذ احتلالها للأرض الفلسطينية عام 1967، ما هي إلا استمرار للتطهير العرقي الذي ينفذ ضد الفلسطينيين بدءا من عام 1948

إن البدو جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الفلسطيني. ومن واجبنا، كما ومن حقهم، حماية أسلوب حياتهم الفريد. إن إصرارنا على الحفاظ على المجتمعات البدوية في أماكنها الأصلية لا ينبع من مجرد هدفنا لمنع تهجيرهم القسري مجددا (حيث أن الغالبية العظمى من هؤلاء هم بالفعل لاجئون)، لكن وأيضا لأنه، ومن خلال طريقتهم في الحياة، فإنهم يعملون كحماة للأرض في مواجهة مشروع التهويد الاستعماري. وبعبارة أخرى، فإن فكرة تجميعهم في مكان واحد من خلال برامج التخطيط يعني فرض نمط حياة معيّن، مدمر عليهم، بحيث يؤثر عليهم في الصعيدين الشخصي والوطني. ولقد كانت دراسة وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين: الجبل: دراسة حول ترحيل بدو فلسطين من اللاجئين) الصادرة مؤخرا هي خير مثال على ذلك.

ومع ذلك، فإن دائرة شؤون ملف الجدار والاستيطان لا يعارض الترحال الطبيعي للبدو الذين يختارون الجمع بين نمط الحياتين البدوية والحضرية. وقد اكتسب هذا الفهم من تجربة تصميم المخططات الحضرية للمجتمعات العربية كما هو الحال لدى عرب الرماضين في قلقيلية والخليل، أم الخير في يطا، وفصايل في أريحا.

النوع الثاني من التجمعات السكانية في المنطقة (ج) هي المجتمعات الرعوية والزراعية التي تمتد من مسافر يطا في الجنوب حتى المالح، الفارسيّة والعقبة في الشمال. وعلى الرغم من الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية، والتي تهدف إلى تركيز تجمعات السكان في المنطقة Bضمن المجالس البلدية المشتركة، فقد قررت السلطة إنشاء مخططات عمرانية للمجتمعات الموجودة حالية في المنطقة (ج).  وقد كان هذا هو الحال على الرغم من حقيقة أن عدد السكان في كثير من هذه المجتمعات لا يتجاوز الـ200. في هذا الصدد، أنشأت وزارة الحكم المحلي أكثر من 30 مخططا عمرانيا، 10 منها تم إقراره من حيث المبدأ. ويجري إعداد خطط أكثر تفصيلية من قبل دائرة شؤون ملف الجدار والاستيطان لمناطق أخرى، وذلك بالتنسيق مع وزارة الحكم المحلي وممثلين عن مجموعة من التجمعات السكانية. ومن المهم الإشارة إلى أن الإدارة المدنية الإسرائيلية قد اتخذت تدابير معارضة لأنشطتنا من خلال تصميم مخططات عمرانية خاصة بها لتجمعات سكانية كانت السلطة الفلسطينية قد قدمت مخططات عمرانية بشأنها.

يتم التصدي للتهجير القسري بحق التجمعات الفلسطينية عبر تحسين وتعزيز مقاومة هذه التجمعات وتعزيز وجود سكانها على أراضيهم. تساعد دائرة شؤون ملف الجدار والاستيطان على تحقيق هذا الهدف من خلال توفير الخدمات التالية:

  1. تقديم المساعدة الإنسانية:في حالات هدم المنازل، مصادرات الأراضي، أو الكوارث الطبيعية. إن المساعدات الإنسانية التي توفرها السلطة الفلسطينية توفّر في أعقاب أي من الأحداث المذكورة أعلاه، وهي تتواءم مع أنشطة المنظمات الأخرى مثل الهيئة الدولية للصليب الأحمر، الأونروا، ومنظمات مثل ACTED(وكالة التعاون التقني والتنمية)- كل ذلك يأتي ضمن هذا السياق. إن واجبنا يكمن في التأكد من حصول أي مواطن متضرر على مثل هذه المساعدة الإنسانية، وفي حال لم يتم تقديم هذه الخدمات فإن السلطة الفلسطينية تتدخل فورا لتحقيق ذلك.
  2. تقديم المعونة القانونية:وذلك من خلال متابعة إجراءات إخلاء المنازل، والمساعدة بشأنها. وتلتزم السلطة الفلسطينية بتقديم المساعدة القانونية لأي مواطن يتعرض للممارسات الإسرائيلية الرامية إلى الإستيلاء على الأراضي والممتلكات الفلسطينية. إن وسائل تحقيق هذا الهدف عديدة. وتتراوح ما بين المصادرة، الاستيلاء وتزوير وثائق ( الملكية، الإخلاء، أو الهدم)، وصولا إلى خطر العنف والحرق والتخريب. موقفنا هو عدم ترك المواطنين وحدهم في مواجهة مصائرهم الخاصة. وسواء تم تقديم المعونة القانونية عبر محامين متعاقدين مع السلطة الفلسطينية – كحال مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان (JLAC)أو جمعية سانت إيف أو المؤسسات القانونية الإسرائيلية غير الحكومية، كل هذا يتم تنسيقه مع دائرة شؤون ملف الجدار والاستيطان.

بمرور السنوات، قمنا بتحديد "الخطوط الحمراء" في مجالات العمل هذه. فعلى سبيل المثال؛  أ) التفاوض على مسار الجدار: نحن لا نوافق وبأي شكل من الأشكال على التفاوض على موقع الجدار. فمثلا، إن كان مسار بناء الجدار سيؤدي لمصادرة 1,000 دونم، وهنالك مسار بديل سيؤدي لمصادرة خمسة دونمات فقط، مما سيعيد إلينا 995 دونما، فإننا لا نستطيع القبول بهذا. ب) رفض المسارات البديلة: نحن لا نرضى بعرض مسارات بديلة للجدار. ج) رفض تبادل الأراضي: تبادل الأراضي غير مقبول من طرفنا. د) التعويض: كما أننا لا نقبل التعويضات عن الأراضي أو الممتلكات المصادرة.

  1. المساعدات التنموية:والتي تشمل تزويد النازحين بالماء، والكهرباء، وبناء المدارس والعيادات، والعيادات البيطرية. ويتم ذلك بالتعاون مع وزارة الحكم المحلي باعتبارها الهيئة المخولة، وبالتنسيق مع الأطراف ذات الصلة. من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن هذه المجتمعات تعيش على أراض إما كانت قد صودرت لأغراض الاستيطان، أو تم الإعلان عنها باعتبارها مناطق تدريب عسكري. وعلاوة على ذلك، فإن تنفيذ أي مشروع فلسطيني يتطلب استصدار تصريح، وهو نادرا ما يمنح. فمن وجهة نظر إسرائيلية، وعندما نقدّم خياما، وملاجئ، وخزانات مياه للفلسطينيين، فإن هذا يشكل تهديدا لأمن إسرائيل. وقد تم الإعلان عن هذا الموقف رسميا في عدد من قضايا المحاكم: فعلى سبيل المثال، ورد الأمر في رد الجيش الإسرائيلي على التماس سكان مسافر يطا والذين تم تهديدهم بالإخلاء. تم الإعلان عن موقف مشابه لدى التماس سكان فلسطينيين من غور الأردن. وبإشهارها هذا الموقف، فإن قوات الاحتلال تصادر الخيام والجرارات الزراعية، وقد كانت هنالك حالات قاموا فيها بتدمير الطرق في عدة مناطق. ومع ذلك، فلن تمنعنا هذه الممارسات من تقديم هذه الخدمات للمجتمعات المعنية. بل وعلى العكس، فإن السلطة الفلسطينية تطور البرنامج التنموي لمناطق الضفة الغربية من أجل تحديد وتعيين مشاريع التنمية في المستقبل.
  2. التوثيق: خلال السنتين أو الثلاث سنوات الماضية قمنا بإضافة بعد رابع لعملنا، وهو يتركز في توثيق حالات التهجير القسري المختلفة بحق السكان.

لكي أختم هذا العرض، أود أن أشدد على المسؤولية التي لا يرقى إليها الشك أي مسؤولية السلطة الفلسطينية تجاه السكان في المناطق المستهدفة بالتهجير القسري. ومع هذا فإن اتفاقية أوسلو المؤقتة قد استثنت المنطقة (ج)من النفوذ الإداري للسلطة الفلسطينية، وهذه المنطقة لا تتبع حتى لنفوذها، وهذه مسؤولية المجتمع الدولي. في النهاية، فإن السلطة الفلسطينية بشكل عام، و دائرة شؤون ملف الجار والاستيطان على وجه الخصوص، يشجعان جميع أشكال المبادرات الشعبية التي تدعم المناطق الأكثر عرضة للاستهداف في الضفة الغربية.

------------

* محمد الياس نزال: مسؤول ملف الجدار والاستيطان في السلطة الفلسطينية.