×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

التمييز العنصري الصهيوني: جريمة ضد الإنسانية

إعلان بدء الأنشطة وفعاليات أسبوع الأبرتهايد الإسرائيلي في جنوب أفريقيا، ١٠ آذاذر ٢٠١٣ إعلان بدء الأنشطة وفعاليات أسبوع الأبرتهايد الإسرائيلي في جنوب أفريقيا، ١٠ آذاذر ٢٠١٣ (المصدر:www.iaw.com)

بقلم: أمجد القسيس*

في العام 1973، أدانت الأمم المتحدة "التحالف غير المقدس بين الاستعمار البرتغالي، العنصرية في جنوب إفريقيا، والامبريالية الصهيونية الإسرائيلية". بعد عامين فقط من هذا الإعلان، تم الإعلان عن "الصهيونية باعتبارها شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العرقي". وبناء على طلب الإدارة الأميركية، تم إلغاء هذا القرار في العام 1991 من أجل تمهيد الطريق نحو مؤتمر مدريد للسلام في العام نفسه، ورغم هذا، فإن مساواة الصهيونية بالعنصرية لا تزال صحيحة.

يستند الفصل العنصري على إقامة نظام التمييز المؤسسي والحفاظ عليه، بحيث تهيمن مجموعة واحدة على المجموعات الأخرى. في حالة إسرائيل، فإن الأيدلوجية الصهيونية هي المتسبب الأساسي في واقع استمرار وجود الفلسطينيين عرضة للتمييز العنصري.

وهذا الأمر لا يقتصر على الفلسطينيين المقيمين في الأرض الفلسطينية المحتلة، فالنظام الإسرائيلي يستهدف أيضا الفلسطينيين القاطنين في االأرض التي احتلت في العام 1948، أي داخل خط الهدنة لعام 1949 (والمعروف باسم الخط الأخضر)، وملايين من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في المنفى القسري، في الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بتشجيع الاستيطان اليهودي-الإسرائيلي في أراضيهم المصادرة. وعلى هذا النحو، فإن الفلسطينيين، أيا كان محل إقامتهم، واقعون تحت وطأة بنية واحدة متماسكة من الفصل العنصري الصهيوني. إن هذه البنية تميّز ضد الفلسطينيين في مجالات عدة مثل الجنسية والمواطنة، والحرمان من الحق في (العودة، استعادة الممتلكات، والتعويض)، وحقوق الإقامة، وملكية الأراضي.

لقد نشأ هذا النظام في العام 1948 بهدف السيطرة على الفلسطينيين وتهجيرهم قسرا، بما في ذلك أولئك الذين كان عددهم يناهز الـ 150,000 ممن تمكنوا من البقاء داخل "الخط الأخضر"، والذين أصبحوا مواطنين فلسطينيين في إسرائيل. ولدى احتلال الجزء المتبقي من فلسطين على يد القوات الاسرائيلية في عام 1967، فقد رزح الفلسطينيون الذين يعيشون داخل تلك الأرض إلى نظام الفصل العنصري الصهيوني ذاته.

لقد خلصت نتائج حلقة جنوب إفريقيا لمحكمة راسيل (المحاكمة الشعبية) (Russell Tribunal) حول فلسطين إلى أن ممارسات اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني تشكل جريمة فصل عنصري داخل كل فلسطين (والتي يشار إليها بفلسطين الانتدابية أو التاريخية). ومع ذلك، فإن الحركة الصهيونية، وفي وقت لاحق؛ إسرائيل، لم تكن لديها مصلحة في خلق نظام فصل عنصري بهدف بناء سيطرة بالمعنى التقليدي؛ اي سيطرة مجموعة "عرقية" واحدة على أخرى، والحفاظ على هذه السيطرة. فإسرائيل لم تهدف إلى استغلال عمالة الفلسطينيين الأصلانيين أو بسبب الرغبة بالحد من مشاركتهم السياسية والاجتماعية. بدلا من ذلك، كان هدفها الدائم إقامة، والحفاظ على دولة صهيونية متجانسة ومحصورة بالعنصر اليهودي. وقد كان هذا واضحا منذ السنوات المبكرة للحركة الصهيونية، وهو يتضح في حقيقة كون إسرائيل لا تملك حدودا غير معرّفة إلى الآن. فقد أوضحت رئيسة الوزراء الإسرائيلية الأسبق غولدا مئير بأن "الحدود تُرسّم حيث يقطن اليهود، لا بحسب خط مرسوم على الخريطة". هذا التصريح، وانسجامه مع كتابات دافيد بن غوريون سنة 1937، التي صرح فيها بأن "الترحيل القسري للعرب من أودية الدولة اليهودية العتيدة يمكن أن يعطينا شيئا لم يكن لدينا قبلا"1. هذا الفكر يرسّم الخطوط العريضة لترحيل الفلسطينيين خارج أرضهم وزرع المستوطنين اليهود فيها. 

إن تحقيق خلق دولة قومية للشعب اليهودي على أرض تحوي أقلية يهودية يمكن لها أن تتحقق فقط عبر التهجير القسري للسكان الأصلانيين وتوطين المستعمرين اليهود القادمين من الخارج. ووفقا لذلك، يسود الفصل العنصري الصهيوني بشكل أساسي عبر تهجير السكان.

وقد تم تعريف التهجير القسري للسكان باعتباره ممارسة أو سياسة تهدف إلى تهجير الأشخاص إلى منطقة ما أو خارج منطقة ما – سواء كانت داخل أو عبر حدود دولية:

يمكن أن يتم الترانسفير من خلال طرد أعداد كبيرة، أو إجراء "إنتقال سكّاني منخفض الوتيرة" بشكل يؤثر بشكل متزايد أو تدريجي على التركيبة السكانية.

إن التهجير القسري للسكان غير قانوني، ومنذ قرار الحلفاء بشأن جرائم الحرب الألمانية، والذي تم اعتماده في العام 1942، صار الترحيل يشكل جريمة دولية. ويمكننا أن نعثر على التقنين الأقوى والأحدث للجريمة في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والذي يحدد بوضوح أن التهجير القسري للسكان وزرع المستوطنين يعتبران جريمتي حرب. 

تم تغليف نية "الترانسفير" في الفكر الصهيوني سنة 1905 بكلمات يسرائيل زانغويل، أحد أهم أوائل المفكرين الصهاينة، الذي صرح بأنه "إذا أردنا أن نعطي بلدا لشعب بلا بلد، فإنها لحماقة مطلقة أن نسمح بأن يكون هذا البلد لشعبين". 2

وبالفعل، فقد نزح 66% من الفلسطينيين بفعل التهجير القسري المستمر الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. واليوم، تتم ممارسة هذا التهجير، إسرائيليا، ضمن إطار عام من سياسة التهجير "الصامت"، لا بطريقة الترحيل الجماعي كما حصل في عامي 1948 أو 1967. هذا التهجير هو صامت بمعنى أن اسرائيل تمارسه في الوقت الذي تحاول فيه عدم لفت الانتباه الدولي، وذلك عبر تهجير أعداد صغيرة من الناس على أساس تدريجي ومتواصل، وبذا فقد أنجزت عبر هذه التحّولات أكثر مما أنجزته من تهجير علني تم تحت ذريعة حربي 1948 و 1967. 

يتم الترحيل القسري من خلال خلق وضع معيشي لا يترك للسكان من وسيلة سوى ترك بيوتهم. وقد أشار موشيه شاريت، أحد الموقعين على وثيقة استقلال إسرائيل، إلى رغبته في زيادة ضنك العيش حين قال: " ينبغي اعتماد سياسة تقوم على الحد الأدنى من الإنصاف تجاه العرب الذين لم يكونوا يميلون إلى الهجرة."2. لذلك، فإن نظام الفصل العنصري الاسرائيلي هو وسيلة لتحقيق غاية، لا هدفا في حد ذاته، حيث أنه ببساطة لا يسعى للسيطرة على السكان الفلسطينيين الأصلانيين، بل إلى تهجيرهم بالقسر.

جنوب إفريقيا، من جهة أخرى، لم تخترع نظام الأبارتهايد فحسب، ولكنها أيضا كانت فخورة بخلقه ودافعت عنه علنيا. إن كلمة "أبارتهايد" بلغة الأفريكانز تعني "الانفصال" وقد أصبحت هذه هي السياسة المؤسسة على الفصل العنصري سياسة حكومية رسمية عام 1948. إن بنية الفصل العنصري الجنوب إفريقي كانت مؤسسة على فصل حاد وواضح وبالاتكاء على سياسة عرقية4. وقد كان واضحا منذ البدايات أن الغرض المأمول من نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا قد كان إنشاء بنية دائمة للفصل العنصري من أجل الحفاظ على الوضع الراهن. فعلى سبيل المثال، صممت جنوب إفريقيا قانون مواطنة البانتو سنة 1970 بهدف التفاعل والتكيف مع الانتقادات المتزايدة من جانب المجتمع الدولي. وقد أنشأ هذا القانون كيانات قانونية منفصلة (بانتستونات) بحيث جردت السكان السود من حقوق المواطنة، وذلك لكي تملك الحكومة الجنوب إفريقية الحجة بأن السكان السود لم يعودوا مستثنين من شؤون الدولة لأنهم، قانونيا، لم يعودوا ينتمون إلى دولة جنوب إفريقيا. هدفت هذه المحاولة إلى استمرار استغلال القوى العاملة وموارد الأصلانيين، وتحصين النظام القائم، في ذات الوقت الذي تنفي فيه عن نفسها صورة العنصرية، واللاديمقراطية.

إن التجريم الدولي للتمييز العنصري ومؤتمر التمييز العنصري الذي تلاه قد أبرزا بشكل واضح نظام الفصل العنصري الجنوب إفريقي. وقد كتب جون دوغارد أن "مؤتمر الأبارتهايد كان الخطوة النهائية في إدانة الفصل العنصري لأنه لم يعلن فقط أن الفصل العنصري غير قانوني لانتهاكه ميثاق الأمم المتحدة، ولكن أيضا عبر إعلان الفصل العنصري جريمة جنائية." واليوم، فإن إسرائيل مذنبة بارتكاب جرائم مختلفة تهدف لتهجير الشعب الفلسطيني من فلسطين بالقسر. إن الجرائم الإسرائيلية على شاكلة الفصل العنصري، والاضطهاد، فضلا عن الاحتلال الدائم والضم والإلحاق، والكولونيالية (الاستعمار)، تهدف إلى خلق وضع غير محتمل من أجل طرد السكان الفلسطينيين الأصلانيين. إن هذه السياسة المستمرة والمحسوبة والتي تستهدف الشعب الفلسطيني ينبغي أن يتم تحديها من قبل المجتمع الدولي كما حصل في الشأن الجنوب إفريقي، حيث تم تقييد إجراءات وسياسات تلك الدولة كانتهاكات وجرائم دولية ضد الإنسانية. ينبغي محاكمة المنظومة الإسرائيلية وفقا لما سلف، وينبغي أن يوضع حد لتهرب هذه المنظومة من العقاب لأن الصمت، هذا إن لم نقل التواطؤ، في مواجهة الانتهاكات الأساسية للحقوق يمهد للمزيد من السياسة على حساب القانون. إن أول وأهم خطوة في هذا الاتجاه تكون عبر إعادة الاعتبار لقرار الهيئة العامة للأمم المتحدة رقم 3379 للعاشر من تشرين ثاني لسنة 1975، عبر إعلان الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية، لتمهيد الطريق لإنهاء حالة التهرب الإسرائيلي من العقاب ولحالة الفصل العنصري الصهيوني. 

----------------------------

*أمجد القسيس: منسق المناصرة القانونية في مركز بديل

 

  1. نور مصالحة، طرد الفلسطينيين: مفهوم "الترانسفير" في الفكر السياسي الصهيوني، 1882-1948 (مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1992)، ص 210 .
  2. نور مصالحة، طرد الفلسطينيين: مفهوم "الترانسفير" في الفكر السياسي الصهيوني، 1882-1948 (مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1992)، ص 10.
  3. نور مصالحة أرض بلا شعب: إسرائيل، الترانسفير والفلسطينيين 1949-(Faber and Farber Limited 1997)، ص 3
  4. أنظر H. Booysen, “Convention on the Crime of Apartheid”, South African Yearbook of International Law, vol. 2 (1976), p. 56; R.S. Clark, “The Crime of Apartheid” in International Criminal Law (ed. M.C. Bassiouni) vol. 1 (Crimes), Dobbs Ferry, N.Y. (Transnational Press 1986),)، ص. 299.