مركــز "بديــل" فـي عامــه العاشــــر


أدى توقيع إتفاقية أوسلو في العام 1993 إلى تغييرات كثيرة على الساحة الفلسطينية انعكست وما زالت تنعكس سلبا على الشعب الفلسطيني عامة، وعلى اللاجئين الفلسطينيين خاصة. فقبول تلك الأتفاقية كان دفعا باتجاه التسوية المبنية على حل الدولتين الذي يحمل في طياته تناقضا بنيويا مع حق العودة. أدى ذلك إلى دفع الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني باتجاه الاعتقاد بأن القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني بدأت بالانسحاب تدريجيا من أحد الثوابت الفلسطينية الذي أُسست منظمة التحرير من أجله، وتمحورت حوله الثورة الفلسطينية والهوية الفلسطينية، ألا وهو حق العودة. وقد بدأت هذه النبوءة بالتحقق، خصوصا ونحن نرى الآن كيف أصبحت عبارة "حق العودة" كلمة "غير مريحة" في الحد الادنى لبعض الفرقاء الفلسطينيين، فتم اختزال المبدأ بالعبارة المبهمة، "حل عادل ومتفق عليه بين الطرفين لمشكلة اللاجئين".

في هذا السياق، وبفضل الوعي السياسي الذي يتمتع به شعبنا، فقد شهد النصف الثاني من التسعينيات إنشاء عدد من المراكز والجمعيات التي تعنى بشؤون اللاجئين الفلسطينيين. ولعل بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، هو أول ما يتبدر لذهن المرء (أو المرأة) عند ذكر تلك المؤسسات، أو حتى عند طرح موضوع اللاجئين أو حق العودة. إذ أنه رغم حداثة عهده (تم تأسيسه في العام 1998)، فقد ترك آثارا وإنجازات لا يستهان بها، بل تُعد منهجا يقتدى به العاملون في مجال حقوق الإنسان.

تُعد إعادة حق العودة إلى الأجندة الوطنية، والمساهمة الفعالة في إعادة بناء حركة حق العودة من أهم إنجازات مركز بديل. فقد كان المركز أحد أهم المؤسسين للإئتلاف الفلسطيني لحق العودة، وقد قام بقيادته وتنسيق أعماله منذ تأسسيه في العام 2001. ويعتمد المركز في إدارته على اللاجئين، إذ أن معظم اعضاء مجلس الإدارة وإعضاء الجمعية العامة هم من اللاجئين. لذلك، يمكن القول بأن المركز هو أكثر جسم قربا للاجئين. ويعكس هذا الاهتمام بالعمل الشعبي (grassroots) إيمان المركز بأهمية تفعيل دور اللاجئين انفسهم وأخذهم لزمام المبادرة في الشؤون التي تعنيهم بالدرجة الأولى.

ويمكن أيضا استشعار تأثير المركز في النقاش الدائر حول موضوع اللاجئين الفلسطينيين، إذ يمكن أن ننسب للمركز استدخال استراتيجية جديدة في المجال الدعوي لحقوق اللاجئين الفلسطينيين. فقد تبنى المركز مبدأ "الحل الدائم والشامل القائم على الحقوق" مدخلا للتعامل مع القضايا المطروحة، ومرجعا لتشكيل الوعي فلسطينيا، واستقطاب الرأي العام دوليا. يؤدي هذا المنحى الى تأطير النقاش عند تناول موضوع اللاجئين، ووضعه في أبعاده التاريخية والسياسية والقانونية، فتصبح حقوق الإنسان المعترف بها عالميا هي نقطة الإرتكاز بدل من التعامل مع الموضوع كعبء إنساني يتم حله بواسطة الدعم الإنساني المادي. وقد استطاع المركز تعزيز هذه الاستراتيجية عن طريق التركيز على القانون الدولي والبحث القانوني، فقد قام المركز باستقطاب العديد من الباحثين والباحثات من ذوي الخبرات العالية وضمهم إلى شبكة خبراءه وخبيراته. ويستفيد المركز من تلك الخبرات في شتى المجالات، وأهمها المجال القانوني، وهو بذلك يدعم رسالته المبنية على الحقوق القانونية، ويقرب الخبراء والخبيرات، وجُلهم من الأكاديميين/ات، من قضية الاجئين الفلسطينيين، ويشكل مصدرا هاما للأبحاث والخبرات. ولكي لا تبقى هذه الأوراق البحثية حكرا للخبراء فقط، ولتوعية الجمهور بالقضية وعدالتها، يقوم المركز بشكل دائم بنشر أبحاثة وتحليلاته، سواء كمنشورات تعنى بناحية معينة من قضية اللاجئين، أو على شكل دورية مثل دورية "حق العودة" الصادرة بالعربية، ودورية "المجدل" الصادرة بالإنجليزية.

يبرز جليا في أدبيات ومنشورات وحملات المركز، الاتجاه نحو توحيد كافة قطاعات الشعب، والتشديد بـأن القضية هي قضية واحدة يعاني منها الفلسطينيون بأشكال مختلفة. فبالإضافة إلى التركيز على اللاجئين في المخيمات وخارجها، يشدد المركز على قضية المهجرين الداخليين داخل فلسطين 48. فسياسة التهجير الإسرائيلية، والتي إن اختلفت طرق تنفيذها، تنبع بالأصل من عقيدة وعقلية واحدة ألا وهي الصهيونية. وتأثير الصهيونية لا ينحصر فقط بالتهجير، فبسبب عنصريتها المتأصلة فيها، تتضمن الصهيونية سياسة التمييز العنصري الحاد كعنصر أساسي مكّون لها. وتتمثل هذه العنصرية بطرق مختلفة على محور الزمن، وهي نفسها تكّون السياق التاريخي الذي يتطور الصراع فيه، ولعل أبرز ما يميّز مركز بديل هو التركيز على هذه النقطة. فالتهجير والتطهير العرقي لم يأتيا من فراغ، ولكي يكون الإهتمام بشؤون اللاجئين وحقوقهم شاملا، لا بد من وضعه في سياق الصهيونية والعنصرية، وتأطير الصراع في هذا الإطار، مع التركيز على تحليل الوضع كنظام فصل عنصري "أبارتهايد"، يجب مقاومته ومقاطعته كما حصل لنظام الابارتهايد في جنوب إفريقيا. وقد كان المركز من الاوائل الذين دعوا إلى هذا التحليل لما فيه من إمكانيات لدعم القضية.

مع إنجازات كهذه في زمن قياسي، فقد اثبت المركز قدرته على حمل لواء حقوق اللاجئين، ولا شك في أنه قادر على ذلك في المستقبل أيضا. إلا أننا الآن، وبالرغم من الأهمية التاريخية لهذه الحقبة، نعاني من تجمد المواقف على المستوى السياسي الرسمي. فعندما تصبح "رؤيا الرئيس بوش لحل قائم على أساس الدولتين" مرجعية القيادة الفلسطينية الرسمية، لا يمكن أن نتوقع الكثير من الإنجازات على صعيد تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني. بل لا بد أن يتوقع، حتى المتفائلون والمتفائلات منا، إنسحابا وانحسارا على هذا الصعيد. لكن لا بد من فسحة للأمل، وهي اليوم تتمثل في الحملة الدولية الآخذة بالنمو، والتي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وانزال العقوبات عليها (BDS) على غرار الحملة التي ساهمت في تقويض نظام الابارتهايد في جنوب إفريقيا. ولانشغال القيادة الرسمية برؤيا الرئيس بوش، تكبُر الحاجة إلى قيام هيئة فلسطينية لتنسيق ومتابعة هذه الحملة. إذ أن مساعي التضامن العالمي ونشر حملة المقاطعة لا بد لها من مرجعية فلسطينية للتنسيق والتوجيه. تبنى المؤتمر الوطني الافريقي هذه الوظيفة في جنوب إفريقيا في حقبة الابارتهايد، لكن الساحة الفلسطينية اليوم تفتقر إلى من يقوم بهذه الوظيفة. هنا تكمن إمكانية كبيرة للمركز. فالمركز كان، مع عدد آخر من المؤسسات مثل الحملة الشعبية لمقاومة جدار الفصل العنصري والحملة الفلسطينية للمقاطعة الاكاديمية والثقافية لإسرائيل، من السباقين إلى تبني ودفع استراتيجية المقاطعة، وساعد كثيرا في بلورتها ونشرها. لكن متطلبات المرحلة تقضي ببذل جهد مركزي أكبر لتشجيع الحملة محليا وعالميا. طبعا، لا يتوقع أحد من المركز أن ينفرد في المجهود، بل أن يكون أحد اللاعبين المركزيين في مأسسة وتنسيق الحملة على كافة المستويات والتركيز على مسألة اللاجئين في إطار الحملة.

على صعيد آخر، يجب الانتباه إلى أن "رؤيا الرئيس بوش" تتضمن أيضا رسالة الضمانات التي بعث بها بوش إلتى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون في العام 2004، والتي تتضمن "ضمانا" أمريكيا بـأن حل مشكلة اللاجئين سوف يكون عن طريق توطينهم في الدولة الفلسطينية. ومع استمرار القيادة الرسمية في المضي قدما باتجاه تلك "الرؤيا"، لا بد من هيئة لمتابعة التطورات وتأثيرها على اللاجئين، وإعداد الخطط اللازمة للاعتراض وبقوة في حال تحقق تلك "الرؤيا" المجحفة بحقوق اللاجئين. ولخبرته وريادته في هذا المجال، فمن الطبيعي أن يقوم المركز بقيادة وتركيز هذا المجهود لمنع التفريط في حقوق اللاجئين.

في النهاية، أود أن أنوه أن المركز هو مصدر أمل في هذا الزمان. ومع إيماني بقدرة المركز على تحّمل المسؤولية، لا يسعني إلا أن أتمنى للمركز في عامه العاشر ان يستمر في عطاءه، وأن يكون كما عهدناه، سبّاقا ومثابرا ومبدعا لتحقيق الاهداف التي وضعها لنفسه، وهي الأهداف نفسها التي تعد خلاصة آمال الشعب الفلسطيني.

________________

مازن مصري هو حقوقي، ومرشح لنيل شهادة الدكتوراة في جامعة يورك في تورونتو، كندا.