×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
طباعة

حقوق غير منقوصة، قيادة عصرية وثورية، مقاومة شعبية فعالة، وحركة تضامن دولية مؤثرة: عناصر الإستراتيجية الفلسطينية المطلوبة اليوم

طاقم الموظفين والعاملين في جامعة ميتشغن، امريكا 2012  BDScampaign.org© طاقم الموظفين والعاملين في جامعة ميتشغن، امريكا 2012 BDScampaign.org©

بقلم: عمر البرغوثي*

"عندما يكون لدي أسبوع واحد من أجل حل مشكلة تبدو مستحيلة، أقضي ستة أيام في تحديد المشكلة. ثم يصبح الحل واضحًا." (ألبرت أينشتاين)

"ما فائدة الركض إن لم تكن على الطريق الصحيح؟"  (مثل شعبي ألماني)

"الإدراك قوي والبصر ضعيف. في الإستراتيجية من المهم أن نرى الأشياء البعيدة كما لو كانت قريبة وأن نلقي نظرة أبعد على الأشياء القريبة. " مِياموتو موساشي (محارب أسطوري ياباني، 1584-1645)

إذا تبنينا تعريف الإستراتيجية السياسية، على أنها خطة العمل الضرورية للوصول إلى تحقيق الرؤية ضمن تحليل شمولي للسياق السياسي، المشاكل والحلول، القوى الحليفة وتلك المعادية، التكتيكات، الخطة الزمنية، والموارد، وإمكانات التغيير في السياق، فإن أي مقاربة لوضع ملامح إستراتيجية فلسطينية-عربية لمواجهة المرحلة الحالية المتقدمة للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، ودور هذا المشروع في كبح إمكانيات تحقيق وحدة عربية،[1]لا بد أن تنطلق لا من تحليل الأهداف والرؤية العربية، خاصة الفلسطينية، وحسب، بل أيضاً من دراسة الإستراتيجية المتبعة من جهة إسرائيل وحلفائها ومدى النجاح الذي حققوه في خضم التغيير الجذري الذي طرأ على موازين القوى وخارطة التحالفات السياسية خلال العقدين السابقين.

ولكن قبل كل شيء، وكون الإستراتيجية أداة للوصول إلى الهدف، لا بد من طرح أهداف النضال الوطني الفلسطيني، ونقاش ما إذا كان هناك إجماع عليها، أو ما يقاربه. لقد تغيرت هذه الأهداف، كما عبّرت عنها القيادة السياسية المتنفذة لمنظمة التحرير الفلسطينية، م.ت.ف، تدريجياً منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة على عدة مراحل. فمن تحرير كامل التراب الوطني، إلى دولة ديمقراطية علمانية على كامل التراب، إلى الحل "المرحلي" الذي يدعو إلى تأسيس سلطة فلسطينية على أي شبر يتحرر من أرض فلسطين، إلى إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الأراضي المحتلة عام 1967 والقدس الشرقية عاصمتها مع تأكيد حق العودة للاجئين، إلى دولتين لشعبين مع تبادل أراض لضمان احتفاظ إسرائيل بكل "الكتل الاستيطانيةومعظم القدس الشرقية معها، وأهم الأراضي الزراعية وموارد المياه، إلى التلميح بإمكانية التنازل عن حق العودة من خلال تبني صيغة "العودة إلى أي مكان في الوطن"، كما كشفت الأوراق السرية للـ"مفاوضات"، مما يؤشر للعودة إلى الضفة وغزة فقط، وصولاً إلى إبداء البعض استعداداً للاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، أي لنسف المشروع الوطني الفلسطيني برمته.

سيحاول هذا المقال المساهمة في التفكير النقدي لملامح هذه الاستراتيجية من خلال تركيز الضوء على بعض العناصر التي يجب أن تشكل الأرضية المشتركة لأهداف النضال الفلسطيني وتحليل بعض توجهات الإستراتيجية الإسرائيلية وبعض سبل التصدي لها. لا يدعي المقال طرح إستراتيجية بديلة متكاملة، إذ أن الأخيرة تتطلب جهودا جماعية نقدية جبارة ومثابرة.

أهداف النضال الوطني الفلسطيني

رغم غياب الاتفاق بين الأحزاب السياسية الفلسطينية الأساسية حول أهداف النضال الوطني الفلسطيني، إلا أن بعض الحقوق ربما تُعدّ القاسم المشترك الأدنى في أوساط الشعب الفلسطيني وأهمها: حق تقرير المصير، حق عودة اللاجئين إلى ديارهم التي شردوا منها خلال النكبة وبعدها، والحق في التحرر الوطني من الاحتلال العسكري، عادة يشار للأراضي المحتلة عام 1967 في هذا السياق، وكلها حقوق كفلها القانون الدولي. إن كان صحيحاً أن القانون الدولي قد صاغته الدول المهيمنة لتنظيم علاقاتها، وإنه لا يضمن بحد ذاته احترام حقوقنا أو إرجاعها، إلا أنه بالتأكيد أفضل من قانون الغاب، أخلاقياً وسياسياً. فالأخير يعطي الدول الأقوى حق التحكم في مصائرنا ونهب ثرواتنا، بينما يعطي الأول أرضية نظرية وأخلاقية على الأقل للدفاع عن حقوقنا، إن استطعنا تملّك عناصر القوة والإرادة لتطبيقه وإلزام الآخرين باحترامه.

أما الجزء من شعبنا الذي تمكن من الصمود في أرضه خلال النكبة والذي يحمل الجنسية الإسرائيلية، فلسطينيو أراضي 48، ويُعدّ اليوم ما نسبته 12% من مجموع الشعب الفلسطيني،[2]فقد أُسقطت حقوقه ودوره في تقرير المصير من برامج م.ت.ف وكل فصائل العمل الوطني والإسلامي تقريباً قبل حقبة أوسلو وخلالها، وكأن الصف القيادي الفلسطيني بات مدجناً لدرجة قبول سلخ فلسطينيي 48 عن نسيج الشعب الفلسطيني وترك حقوقهم بيد دولة إسرائيل وكأنها شأن داخلي لها. عدا عن الإجحاف التاريخي والتنازل السياسي الذي لا يغتفر في هذا السلخ، فإنه ينمّ عن قصر نظر كبير، إذ أن عدم إدراك الدور النضالي الحالي وعدم تقدير الإمكانيات النضالية الكامنة لشعبنا في أراضي 48 في معركة تقرير المصير وهزيمة المشروع الصهيوني يحرمان شعبنا من ذخر استراتيجي.

إذن، في الحد الأدنى لا بد من الإصرار على الحقوق الفردية والجماعية لشعبنا في أراضي 48، بما يتضمن الحق في التخلص من نظام الأبارتهايد الصهيوني هناك، أي في التخلص من البنى والقوانين والسياسات العنصرية التي يقوم عليها نظام الاضطهاد والعنصرية الإسرائيلي، كما سبق لشعب جنوب أفريقيا أن تخلص من نظام الأبارتهايد. وهذا أيضاً كفله القانون الدولي.

كثيرون يصرون على الأهداف المؤسِّسة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، أي تحرير كامل التراب الوطني، ويرون في تقسيم الحقوق حسب مواقع نضال شعبنا المجزّأ والمشرذم يضعف نضالنا المشترك ويعد تنازلاً للمشروع الصهيوني. كما يذهب البعض إلى ادعاء أن كل التوجه القائم على الحقوق والقانون الدولي، لا على التحرير الكامل من خلال شكل وحيد للكفاح، هو إصلاحي متهادن مع الصهيونية. ولكن ما المعنى العملي لـ"تحرير كامل التراب" اليوم في ظل إجماع القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية والغالبية الساحقة من دول العالم تقريباً على الرضوخ لإملاءات الغرب وإسرائيل والقبول بأقل من ربع الوطن الفلسطيني، مع إهمال حقوق فلسطينيي 48 بالكامل والاستعداد للتعاطي مع حلول ظالمة لقضية اللاجئين، وهي جوهر القضية الفلسطينية؟ وما هو دور كل الشعب، عدا عن النخبة النضالية القادرة على ممارسة الكفاح المسلح، في هذه المقاومة؟ وهل تقوم هذه المواقف على دراسة الواقع وفهم استراتيجي لكيف ننتقل من هنا إلى هناك، إلى حقوقنا غير المجتزأة؟ فمن السهل أن يرفع أي منا شعاراً عالياً، ولكن الأهم هو: كيف نحققه؟

إن العدمية السياسية، أي رفع شعار غير قابل للتحقيق وغير محفّز على النضال الفعّال على الأرض، هي الوجه الآخر لما يسمى بـ"الواقعية السياسية" المجردة من الرؤية والمبدئية، فهما يصبان في نفس خانة تكريس حالة اليأس والتقليل من الدور النضالي للشعوب العربية ودور حركة التضامن الدولي كركيزة رئيسية للنضال، بل والتخلي عن المقاومة الممكنة والمتطورة انتظاراً للفَرَج من السماء.. أو من واشنطن.

إن أساس أي استراتيجية هو خطة العمل التي تنبع من الطموح والحلم والرؤية وتدرس الواقع بعمق، دون إسقاط التمنيات، ودون التسليم به كقدر، فتطرح آليات عمل للمقاومة، بمفهومها الأوسع، والتحالفات والتضامن الدولي لتغيير هذا الواقع وصولاً إلى تحقيق الطموح والحقوق الوطنية. إن إسقاط الأهداف الأساسية لنضالنا الوطني تحت شعار الواقعية هو خيانة لنضالنا ولتضحيات شعبنا وأمتنا لعقود طويلة، كما إن الإصرار على رفع شعارات لا يستطيع من يرفعها مجرد تخيّل كيفية وضع خطة عمل لتحقيقها هو بيع للأوهام وإجهاض للمقاومة الواقعية والطموحة على الأرض ولحركة التضامن الدولي، وحركة المقاطعة في صميمها، التي كانت من الركائز الأربعة التي أدت إلى إنهاء نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.

وكوننا في وضع مقاومة لنظام الاضطهاد الإسرائيلي المركّب، فلا بد من فحص التوجهات الإستراتيجية لهذا النظام لتطوير استراتيجيتنا في مواجهته.

الاستراتيجية الإسرائيلية وملامح مواجهتها

 

خلال عقدين منذ توقيع اتفاقية أوسلو بين قيادة م.ت.ف والحكومة الإسرائيلية، عملت إسرائيل بنجاح نسبي وأكثر من أي وقت مضى على تحقيق عدة اختراقات إستراتيجية كادت تجهض الصراع العربي-الصهيوني، أهمها:

 

‌أ.         عزل القضية الفلسطينية عن عمقها العربي؛

‌ب.     تحويل جزء من الطبقة السياسية الفلسطينية، من مختلف الفصائل ومن المستقلين، إلى "شريك" متواطئ - سواء أدرك ذلك أم لم يدركه- في "إدارة الأزمة" والتغطية على استمرار مخطط الاستعمار الاستيطاني والإحلالي الصهيوني للوطن الفلسطيني مقابل مصالح ضيقة؛

‌ج.      سلخ فلسطينيي 48 عن بقية الشعب الفلسطيني والتهميش المتصاعد لفلسطينيي الشتات في الأطر "القيادية" والتمثيلية للشعب، وفي التمثيل الفلسطيني الرسمي في الأمم المتحدة، وحتى في التعريف "المقبول" و"المعتدل" للشعب الفلسطيني؛

‌د.        كسر طوق المقاطعة العربية ومن قبل دول عدم الانحياز، وبدء مسيرة تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع دول الجنوب دخولاً من الباب الفلسطيني والعربي؛

‌ه.        استغلال هيمنة القطب الأوحد الأمريكي لبسط نفوذ غير مسبوق على السياسة الأوروبية ولتحويل الأمم المتحدة وأجهزتها إلى شاهد زور في أحسن الأحوال؛

‌و.       إضعاف كل أشكال التضامن الفعال مع حقوق الشعب الفلسطيني تحت شعار: "لا تكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم!".

إن استراتيجيتنا، إذن، لا بد أن تعيد الاعتبار لوحدة شعبنا، كل شعبنا، وضرورة تمثيله في الأطر التي تدعي تمثيل الشعب؛ وأن تؤكد على حقوقنا غير القابلة للتصرف؛ وأن تعيد اللّحمة مع عمقنا العربي وتفعيل دور الشعوب العربية في التصدي لإسرائيل ومخططاتها واحتلالاتها وعدوانها المتكرر؛ وأن تصعد المشاركة الشعبية الواسعة في المقاومة وتطوير حركة مقاطعة إسرائيل ومؤسساتها والشركات المتواطئة في جرائمها، محليا وعربيا ودولياً، بما يكفل كسب غالبية الرأي العام العالمي وكسر التواطؤ الفلسطيني والعربي والدولي في انتهاكات إسرائيل لحقوق شعبنا.

إن استمرار تقيّد المسؤولين الفلسطينيين باتفاقية أوسلو وتوابعها، بالذات التنسيق الأمني واتفاقية باريس التي تكرس التبعية الاقتصادية، من طرف واحد، رغم كل انتهاكات إسرائيل المتتالية والجسيمة، واستمرار سياستهم المتناغمة مع عقلية أوسلو و"المفاوضات" الأزلية العقيمة والشراكة مع إسرائيل بدلاً من مواجهتها هي جوهر أزمتنا السياسية اليوم كشعب وأمة والتخلص منها هو مفتاح الحل.

فالموقف الرسمي الفلسطيني وتماهيه مع الإملاءات الإسرائيلية-الأمريكية-الأوروبية هو الذي يتيح المجال واسعاً للنظام الرسمي العربي للتنازل عن حقوقنا ومد جسور التطبيع الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي والأمني مع دولة الاحتلال. وهو الذي يسمح لتراخي المواقف الرسمية الأوروبية ويعزز تواطئها المشين في الإستراتيجية الإسرائيلية. وهو الذي يسمح بفتح دول الجنوب أمام اتفاقيات التجارة الحرة مع إسرائيل والتعاون الدولي معها في كافة المجالات، بالذات الأمنية والعسكرية. وهو الذي يضعف حركة التضامن الدولية والتي غالباً ما تصطدم، لا بلوبي صهيوني منظم وفعال فقط بل ببعثات دبلوماسية فلسطينية متفرجة، وكأنها الصليب الأحمر، أو حتى متواطئة في خفض سقف المطالب المرفوعة من قبل حركات التضامن.

وفي ظل غياب المحاسبة والمساءلة في الأطر السياسية الفلسطينية وشلل العملية الديمقراطية والتمثيلية في م.ت.ف، لا بديل عن إعادة تشكيل م.ت.ف من الأسفل إلى الأعلى، أي عبر إعادة بناء قاعدة شعبية في كافة القطاعات، في الوطن والشتات، مع ترسيخ تقاليد الديمقراطية والتعددية السياسية وآليات المحاسبة، وعلى قاعدة حقوق شعبنا الأساسية وأهمها حق العودة إلى الديار. بدون تشكيل قيادة فلسطينية عصرية تمثل كل الشعب وتجمع بين المبدئية والقدرات السياسية والدبلوماسية وتقود مقاومة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، لا يمكننا الانتقال من المقاومة السلبية إلى أخذ زمام المبادرة وبداية حصار المشروع الصهيوني بجوانبه المختلفة: الاستيطان الاستعماري، التطهير العرقي، الأبارتهايد ومنع اللاجئين من العودة.

الربيع العربي وفلسطين

مع كل ما يواجهها من ثورات مضادة وخيانات وفوضى وضياع البوصلة أحياناً، فإن الثورات الشعبية في عدة دول عربية تبشر بالخير في سيرورة تحرُّر الشعوب العربية من الأنظمة الدكتاتورية ومن نظام التبعية ومن الظلم الاجتماعي والاقتصادي وغياب التنمية ومن هيمنة القوى الظلامية التي تطمح في إعادة إنتاج الاستبداد "العلماني" مع إضافة القمع الاجتماعي والثقافي إليه. كما إنها بالضرورة تبشر بالخير في مسعى إعادة القضية الفلسطينية إلى سياقها العربي كأساس لاستكمال التحرر في كل الدول العربية.

فالشعوب العربية، وهي متعددة القوميات والأديان والثقافات، بغالبيتها الساحقة تقف بالسليقة مع حقوق الشعب الفلسطيني وتدرك خطر إسرائيل كدولة استعمارية عدوانية عليها وعلى مستقبلها، ولكن توظيف الأنظمة القمعية لقضية فلسطين كغطاء لطغيانها مع انتشار الإعلام الأصفر الممول من السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، وكلها تمثل المصالح الأمريكية في المنطقة، فاقم من شعور الكثيرين بأن تحررهم والعدالة الاجتماعية في بلدانهم تتعارض مع دعم نضال الشعب الفلسطيني. لا بد هنا، مع تغيير القيادة الفلسطينية لتصبح أكثر تمثيلاً ومبدئية وذكاء، التوجه إلى الشعوب العربية وحركاتها الواسعة لإعادة وصل نضالنا بنضالاتها، فنحن ضد كل اضطهاد، ونرى في الثورات الشعبية التي تجتاح منطقتنا العربية لا ربيعاً عربياً بالمفهوم الإثني أو القومي بل ربيعاً ضد كل ظلم وتمييز عنصري وقمع ومن أجل الحرية والكرامة والمساواة بين الجميع في هذه المنطقة، دون تمييز حسب اللون أو الجنس أو العرق أو الإثنية أو الدين. يجب أن يصاحب كل ارتفاع لمنسوب العدالة الاجتماعية والحريات في الدول العربية تطور في دعم الشعوب العربية للمقاومة الفلسطينية ولعزل إسرائيل دولياً. إن التحرك في هذين الخطين بشكل متزامن وعضويّ هو الذي يضمن انعتاق الشعوب العربية من الطغيان والتبعية ويبعث الأمل في تطور أمة عربية عصرية متقدمة تقوم على العدالة والحرية والديمقراطية بمفهومها الأشمل.

إعادة الاعتبار لحقوق الشعب الفلسطيني بكل أجزائه: حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها كمثال

لقد هيأ نداء مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، الصادر عن الغالبية الساحقة من المجتمع الفلسطيني في 2005، الأرضية لتجاوز السياسة الفلسطينية الرسمية التي فشلت في حماية الأرض الفلسطينية من النهب المستمر وفي حماية الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 67 من جرائم الاحتلال والمستعمرين، بل والتي اختزلت حقوق الشعب الفلسطيني في تحصيل بانتوستانات خاضعة للسيطرة الإسرائيلية العامة في بعض الأراضي المحتلة.

إن جذور حركة المقاطعة ضاربة في عقود من الكفاح الشعبي الفلسطيني منذ بداية الاستعمار الاستيطاني لفلسطين، مروراً بثورة 1936 ونضال شعبنا في 48 ضد الأسرلة وسرقة الأرض والانتفاضة الأولى وغيرها. كما إنها تستحضر المبادئ العالمية للحرية والعدالة والمساواة في الحقوق التي رفعتها حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة وغيرهما الكثير.

يحدد نداء المقاطعة الحقوق الأساسية الخاصة بالأجزاء الرئيسية الثلاثة المكونة للشعب الأصلاني في فلسطين.وعلى أساس القانون الدولي والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان، يحث النداء على إتباع أشكال مختلفة من مقاطعة إسرائيل حتى تمتثل امتثالاً كاملاً لالتزاماتها بموجب القانون الدولي عن طريق:

1-     إنهاء احتلالها واستعمارها لكل الأراضي العربية [المحتلة عام 1967] وتفكيك الجدار،

2-     الاعتراف بالحق الأساسي بالمساواة الكاملة لمواطنيها العرب الفلسطينيين،

3-     احترام وحماية ودعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم، كما هو منصوص عليه في قرار الأمم المتحدة رقم 194.

يُعبِّر نداء المقاطعة، والذي يحمل توقيع أكثر من 170 منظمة وحزب سياسي واتحاد نقابي وحركة جماهيرية فلسطينية في الوطن والشتات، عن التطلعات الجماعية للشعب الفلسطيني من خلال التأكيد على أن تحقيق المطالب الأساسية الثلاثة التي يدعو لها النداء يشكّل الحد الأدنى من متطلبات الشعب الفلسطيني ليتمكن من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

يتجنب نداء المقاطعة تبني أي صيغة سياسية معينة، وإنما يُصِرّ على ضرورة أن يشتمل أي حل عادل وقانوني على الحقوق الأساسية الثلاثة غير القابلة للاختزال الواردة أعلاه.وهذا النداء هو بمثابة منبر يوحد الفلسطينيين في كل مكان في مواجهة التفتيت المتسارع ويناشد أصحاب الضمائر الحية حول العالم لتحمل المسؤولية الأخلاقية في وقف تواطؤ دولهم ومؤسساتهم وشركاتهم في الاضطهاد الإسرائيلي المركّب لشعبنا.

وبهذا تجرَّ حركة المقاطعة إسرائيل وجماعات الضغط التابعة لها، ذات القدرات المالية والإعلامية الهائلة، إلى ساحة قتال، إن صح التعبير، تُحيّد فيها قوة إسرائيل العسكرية والنووية وقدراتها المالية بالقوة الأخلاقية الذي يتسم به النضال الفلسطيني وبالتحالفات العريضة، مما يسهم في تعزيز احتمالات الانتصار بشكل حقيقيّ.

لقد قطعت هذه الحركة العالمية ذات القيادة الفلسطينية، والمنبثقة استجابةً للنداء الفلسطيني الداعي للمقاطعة أشواطاً كبيرة على مدى السنوات القليلة الماضية على صعيد الوصول إلى التيار العام (mainstream) في المجتمع الغربي، وليس فقط في مجتمعات الجنوب الأكثر تأييداً لحقوقنا بطبيعة الحال. ومن خلال خطابها القائم على حقوق شعبنا بأجزائه، تفضح الحركة بشكل فعال ازدواجية المعايير والمعاملة الاستثنائية التي ما فتئت الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية تتبعها، بدرجات متفاوتة، في تعاملها مع إسرائيل منذ إقامتها من خلال حملة الطرد والتشريد القسري التي خُططت بعناية ونُفذت بطريقة منهجية ضد الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني إبان النكبة في عام 1948.[3]

المرجعية الفلسطينية الجماعية والمسؤولية الدولية

أوجد قيام اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها في عام 2008 مرجعيةً فلسطينيةً موحدة وقوة موجِّهة للحركة العالمية للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.وتضم اللجنة الوطنية للمقاطعة ائتلافاً واسعاً من الأحزاب السياسية والنقابات والتحالفات والشبكات الفلسطينية القيادية التي تمثل الشرائح الأساسية الثلاث المكونة للشعب الفلسطيني وهي شريحة اللاجئين الفلسطينيين؛ وشريحة الفلسطينيين القاطنين في الضفة الغربية المحتلة (بما فيها القدس) وقطاع غزة؛ وشريحة فلسطينيي أراضي 48.[4]

وكما هي الحال في النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، فإن حركات التضامن الحقيقية تعترف وتسترشد بقيادة المُضطَهَد[5]من أجل إنهاء الاضطهاد، فهو ليس بكائن خامد وإنما فاعل راشد يؤكد على تطلعاته وحقوقه واستراتيجيته في سبيل بلوغ تلك التطلعات والحقوق.

يقوم نداء المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على ما أنجزته مبادرات فلسطينية ودولية عديدة تدعو إلى مقاطعة إسرائيل و/أو سحب الاستثمارات منها، ولا سيما تلك المبادرات المنبثقة بعد انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة لمناهضة العنصرية في ديربان بجنوب أفريقيا في عام 2001. وفي حين أن الاتّساق الأخلاقي والالتزام بحقوق الإنسان العالمية هما الأساسان الجوهريان للحركة العالمية الرامية لمقاطعة إسرائيل، فإن جهود المقاطعة تقوم من الناحية العملية على ثلاثة مبادئ أساسية هي: مراعاة الحساسية للسياق، والتدرج، والاستدامة.فالحركة تدرك بأن أصحاب الضمائر الحية من الأكاديميين/ات والمفكرين/ات والناشطين/ات في مجال حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في أي بلد هم الأعلم بكيفية تطبيق مبادرات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات بصورة أكثر فعالية في ظل الظروف الخاصة بهم، مع النظر بعين الاعتبار إلى واقعهم السياسي والقيود المفروضة عليهم والقدرات التي يمتلكونها.

يتحمل المجتمع المدني الغربي مسؤولية استثنائية من أجل محاسبة إسرائيل وفقاً للقانون الدولي نظراً لمستوى التواطؤ منقطع النظير الذي تمارسه الحكومات الغربية في إدامة نظام القهر الاستعماري والعنصري الإسرائيلي من خلال مقدار الدعم الدبلوماسي والاقتصادي والأكاديمي والثقافي والسياسي الهائل الذي تقدمه باسم المواطنين الغربيين وباستخدام الأموال المتأتية مما يدفعونه من ضرائب. فالتواطؤ الكبير يقتضي مسؤولية أخلاقية كبيرة.وفي حين أن العديد من الأنظمة العربية – بما فيها شرائح في السلطة الفلسطينية – تتواطأ أيضاً في تنفيذ الأجندة الإسرائيلية الأمريكية في المنطقة، فإن تأثيرها، رغم أنها تفتح الباب للتواطؤ الأكبر، يقل أهمية إلى حد بعيد عن تأثير الدول الغربية في إدامة نظام القمع الإسرائيلي ذي الأبعاد الثلاثة.[6]

وإذا ما وضعنا التواطؤ والواجب الأخلاقي جانباً، فإن مسؤولية تقديم الدعم لحملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها والترويج لهذه الحملة تنبع أيضاً من المصلحة المشتركة.ففي حين تموِّل الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية حروب إسرائيل التي لا تنتهي ونظامها القائم على الفصل العنصري بمليارات الدولارات كل عام، لا يزال ملايين الأطفال في الغرب يقطنون مساكن غير لائقة ويتلقون رعاية صحية غير كافية أو معدومة وتعليم هزيل في ظل مؤسسة رسمية تحرمهم فعلياً إذا ما كبروا من المشاركة الفاعلة في العملية السياسية الديمقراطية.إن التحول التقدمي في أولويات الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي من توجيه هذه الموارد البشرية والمادية الوطنية الهائلة الموظفة حالياً لخدمة الحروب والهيمنة الإمبريالية على الساحة الدولية إلى الاستثمار في الرعاية الصحية الشاملة، ومشاريع السكن الكريم، وإرساء نظام تعليميّ يفضي إلى التطور والتعلم السياقيّ الناقد، وخلق وظائف لائقة، وعكس آثار الضرر المدمر الذي لحق بالبيئة، ليس بحد ذاته أمراً حسناً بالنسبة لشعوب الغرب وحسب وإنما بالنسبة للعالم أيضاً – للعراق وأفغانستان وباكستان وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وبالتأكيد لفلسطين.

إن المقاطعة تشكل أحد أشكال النضال الفلسطيني والتضامن العالمي التي تتكامل لتخلق واقعاً جديداً يميل فيه ميزان القوى لصالح حقوقنا.

----------------------------------------------

* عمر البرغوثي: محلل سياسي مستقل وعضو مؤسس في الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، وحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS). يعبر هذا المقال عن آرائه الخاصة، لا عن آراء ومواقف حركة مقاطعة إسرائيل. وهو من دعاة إقامة دولة ديمقراطية علمانية موحدة على أرض فلسطين التاريخية. نُشرت آراؤه في: الآداب، السفير، الأخبار، الأهرام بالإضافة إلى

 CNN, BBC, New York Daily News


[1]"عربية" هنا بالمعنى العصري الأوسع الذي يضمن مواطنة متساوية وعدم التمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء، و الوحدة الشعبية المقصودة تأخذ أشكالاً اقتصادية وثقافية وعلمية، ثم سياسية،.

[3]لمعرفة المزيد عن التشريد القسري الممنهج للفلسطينيين، انظر: إيلان بابيه، التطهير العرقي لفلسطين، ون ورلد (أكسفورد: 2007).

[4]تضم اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها: تحالف القوى الوطنية والإسلامية، الاتحاد العام لعمال فلسطين، الاتحاد العام لنقابات العمال الفلسطينيين، شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، الهيئة الوطنية للمؤسسات الأهلية، اتحاد النقابات المستقلة، اتحاد الجمعيات الخيرية، ائتلاف حق العودة، مبادرة الدفاع عن فلسطين وهضبة الجولان المحتلتين، الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، اتحاد المزارعين، الحملة الشعبية لمقاومة جدار الفصل العنصري، ، اللجنة الوطنية للمقاومة الشعبية، الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، اللجنة الوطنية العليا لاحياء ذكرى النكبة، الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس، الائتلاف من اجل القدس، اتحاد الجمعيات الخيرية الفلسطينية، الراصد الاقتصادي، اتحاد مراكز الشباب في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.

[5]يقدم إعلان القاهرة، الذي أعده وتبناه ممثلون عن جماعات تضامن من أكثر من 40 بلد شاركوا في احتجاجات في القاهرة ضمن مسيرة الحرية لغزة، مثالاً بارزاً على التضامن القائم على المبادئ: http://cairodeclaration.org/

[6]تلعب السلطة الفلسطينية ككيان دوراً لا غنى عنه في إضفاء الشرعية على ادعاءات إسرائيل وتبييض صفحتها مما ترتبكه من انتهاكات للقانون الدولي وما تقترفه من جرائم حرب. إن من شأن حل السلطة الوطنية تدريجياً وتولي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالسبل الديمقراطية وبالانطلاق من القاعدة وإعادة هيكلتها بغية إعادة تنصيبها بوصفها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني أينما كان ومن ضمنه كافة الأحزاب السياسية الرئيسية الوطنية والإسلامية أن يحرم إسرائيل أثمن مصادر قوتها وأن يساعد في تقويض نظامها المُضطَهد للشعب الفلسطيني.