×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
طباعة

الأسرى السياسيون الفلسطينيون: ما بين القانون الدولي والواقع السياسي

©Nakba.org ©Nakba.org

قلم: سحر فرنسيس*

إن الكيان الاستعماري الإسرائيلي ومنذ بداية احتلاله للأرض الفلسطينية عام 1967، اعتمد سياسة التكييف القانوني لرعاية مصالحه السياسية والأمنية، فقامت اسرائيل بسن الأوامر العسكرية لفرض السيطرة على حياة السكان الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال دون أدنى التزام بقواعد القانون الدولي الإنساني والتي كان من المفروض أن تشكل الإطار القانوني الأساسي الناظم لترتيب قواعد تعامل دولة الاحتلال مع السكان الفلسطينيين وواقع حياتهم تحت الاحتلال. وقد طالت هذه الأوامر العسكرية الصادرة عن قوات الاحتلال، والتي تجاوز عددها 1680 أمرا عسكريا في الضفة الغربية وأكثر من 900 أمر عسكري في قطاع غزة، كافة جوانب الحياة الفلسطينية المدنية والسياسية بشكل مخالف لما سمحت به قواعد القانون الدولي الإنساني وأجازته لدولة الاحتلال.أما مدينة القدس فأعلنت عن ضمها وإخضاعها للقانون المدني الإسرائيلي منذ العام 1970.

تعد قضية الاعتقال والأسر من أكثر القضايا التي يمكنها أن تعكس سياسة الاحتلال في توظيف القانون لأغراض سياسية، فبعد الاحتلال عام 1967 رفضت اسرائيل تطبيق اتفاقيات جنيف الأربع على الأرض المحتلة بحجة أنها لم تقم باحتلال هذه الأرض من دولة ذات سيادة، وإنما باشرت بإصدار أوامر عسكرية ترتب إجراءات الاعتقال والمحاكمة وتعريف المخالفات والجرائم وفقا للأوامر العسكرية، وكان ذلك بالأساس من خلال الأمر العسكري "الأمر بشأن تعليمات الأمن" رقم 378 للعام 1970. والأوامر الأخرى كأنظمة الدفاع، حالة الطوارئ 1945،  وغيرها العديد، التي عرفت كافة الأنشطة السياسية أعمالا محظورة وأعلنت عن كافة الفصائل والأحزاب الفلسطينية كخارجة على القانون، وكان هذا بهدف منع أي مظهر لأي حياة سياسية طبيعية  تستجيب للسياق الذي يعيشه السكان الفلسطينيون داخل الأرض المحتلة.

طبعا اعتقلت قوات الاحتلال خلال العقود الماضية مئات الآلاف من السكان الفلسطينيين من كافة شرائح المجتمع، واستخدمت سياسة الاعتقالات واسعة النطاق لإحكام السيطرة والتأثير وتفتيت هذا المجتمع. ولكن في هذه الورقة لن نتطرق لأعداد المعتقلين وما واجهوه من تعذيب وقتل وانتهاكات جسيمة لحقوقهم الأساسية، داخل مراكز التحقيق والمعسكرات والسجون، ولن نتطرق أيضا للخروقات التي ارتكبتها المحاكم العسكرية من جانب الصلاحية الموضوعية والجغرافية، أو عدم تطبيقها لمعايير المحاكمات العادلة والتي تتعارض مع التزامات دولة الاحتلال ومسؤولياتها بموجب القانون الدولي الإنساني ومعاهدات حقوق الإنسان الأخرى التي وقعت عليها، والتي نعتقد انها كفيلة بإثبات أن المحاكم العسكرية التي مثل أمامها مئات الآلاف من المعتقلين الفلسطينيين هي محاكمات سياسية غير نزيهة ومخالفة لقواعد القانون الدولي. بيد انناسنركز على استخدام سياسة الاعتقالات كوسيلة للتأثير في الحياة السياسية الفلسطينية، وكذلك استغلال قضية الأسرى كورقة ضغط سياسية وقضية علاقات عامة عبر سنوات طويلة من المفاوضات العبثية، هدفت كسب الوقت وممارسة الضغط على الطرف الفلسطيني لتقديم التنازلات السياسية في قضية الأسرى وقضايا أخرى.

نعتقد أن مراجعة ما حصل في الماضي أمر في غاية الأهمية لمعالجة ما يحصل من تطورات على صعيد قضية الأسرى، خاصة في الآونة الأخيرة، وتداعيات الإضراب عن الطعام جماعياً كان أم فرديا. فلا بد من وضع إستراتيجية عمل تدمج بين الواقع القانوني والأفق السياسي، للنجاح في الوصول إلى حل عادل ودائم لقضية الأسرى السياسيين الفلسطينيين. فللأسف ما حصل في الماضي لا يتعدى كونه مفاوضات حول أعداد الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم، دون ترسيخ استراتيجية وطنية لمواجهة سياسات الاحتلال فيما يتعلق بتجريم العمل السياسي الفلسطيني كافة، من خلال محاكم عسكرية وأوامر عسكرية تعرف حتى المؤسسات الإنسانية والأعمال الخيرية كدعم للإرهاب.

إنها حقيقة تاريخية ثابتة؛ مفادها أن الأسرى يلعبون دائما دورا مميزا ورياديا في أي عملية مفاوضات لإنهاء الصراع بين الأطراف المتنازعة، والدراسات المقارنة للتجربة الأيرلندية والجنوب أفريقية تثبت أهمية ومركزية الإفراج عن الأسرى كمفتاح للوصول لسلام شامل وعادل. فعلى سبيل المثال في جنوب أفريقيا وبعد الإفراج عن نلسون مانديلا في العام 1990 شكلت لجنة حكومية برلمانية وطنية لتعريف ما يعتبر "مخالفة سياسية"، ولتقديم توصيات حول إطلاق سراح الأسرى. بالمقابل دولة الاحتلال الإسرائيلي ما زالت ترفض الاعتراف بالدوافع السياسية الفلسطينية وراء ما تسميه مخالفات "أمنية"، وهي مصرة على توصيف من يناضلون من أجل مستقبل عادل وحر بالإرهابيين وأصحاب الخطورة الأمنية. وبدلاً من تحديد صلاحيات الاعتقال بعد توقيع اتفاق أوسلو على سبيل المثال، قامت بإجراء تعديلات على الأوامر العسكرية لإعطاء الصلاحية للقائد العسكري باعتقال أي فلسطيني من مناطق Aالخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، إذا ما كان هناك شك أنه قام بارتكاب ما يهدد أمن دولة الاحتلال أو أمن المنطقة.[2]

سوف نورد في هذه الورقة المقتضبة بعضا من النماذج التي تعكس سياسة تعديل الأوامر العسكرية بل والقوانين المدنية الإسرائيلية أحيانا، لتساند المواقف والأغراض السياسية والعسكرية للاحتلال وتأثيرها في الحياة السياسية الفلسطينية، كذلك عمليات إطلاق سراح الأسرى والتبادل خاصة بعد اتفاق اوسلو وفي الوقت الراهن وما رافقها من شروط ومعايير تؤكد على إخفاق كافة الأطراف الفلسطينية في ضمان حقوق الأسرى الفلسطينيين وفقا للقانون الدولي الإنساني، عل هذا يكون درسا لنا في المستقبل للتعاطي مع قضية الأسرى بما يتناسب وحقوقهم الأساسية وحجم تضحياتهم.

اعتقال أعضاء المجلس التشريعي:

حاولت قوات الاحتلال التأثير على سير عملية الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية ونتائجها المتوقعة خلال أشهر قبل إجراء الانتخابات، إذ قامت باعتقال أكثر من 450 ناشط سياسي أو مرشح في أيلول من العام 2005، بعض منهم تم الإفراج عنه في يوم إجراء الانتخابات. لتقوم لاحقا باعتقال العشرات من أعضاء المجلس التشريعي خاصة ممن تم انتخابهم ضمن قائمة الإصلاح والتغيير، كرد فعل على أسر الجندي في قطاع غزة في حزيران 2006. بعض من البرلمانيين تم تحويله للاعتقال الإداري مباشرة والبعض تم تقديم لائحة اتهام بحقه تضمنت غالبا مخالفتين، أولها الانتماء لحركة حماس والثانية تقديم المساعدة لتنظيم معاد كون قوات الاحتلال اعتبرت العمل البرلماني تحت إطار حركة الاصلاح والتغيير هو تقديم مساعدة لتنظيم محظور في شرعها، أي لحركة حماس.

لن نتطرق للتفاصيل القانونية في هذه القضية المهمة، ولكن من الضروري التأكيد على بعض القرارات والإجراءات التي اتخذت بعد اعتقال أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني لتثبت أن القرار باعتقالهم ومحاكمتهم كان قرارا سياسيا أصلا وتم تعديل الأوامر العسكرية لتطابق هذا القرار.

يوم اعتقال أعضاء المجلس التشريعي لم تكن قائمة الإصلاح والتغيير معلنة كحزب أو حركة خارج إطار القانون وفقا للأوامر العسكرية، ولهذا ادعت النيابة العسكرية أن كل عضو في هذه القائمة هو تلقائيا عضو في حركة حماس، وهذا ما نفته المحكمة العسكرية في الدرجة الأولى في قضية كل من النائب وائل الحسيني وباسم الزعارير. وجرى الإعلان عن القائمة كتنظيم غير قانوني فقط في آذار من العام 2007، وقامت محكمة الاستئناف العسكرية بنقض قرار الدرجة الأولى وأدانت أعضاء المجلس التشريعي بالانتماء لحركة حماس فقط استنادا لحقيقة انتخابهم ضمن إطار قائمة الإصلاح والتغيير.

تجدر الإشارة أنه في مرحلة التوقيف صدر القرار الأول بإطلاق سراح أعضاء التشريعي لعدم قناعة القاضي بمدى الخطورة النابعة من حقيقة كونهم أعضاء برلمان باسم حركة الإصلاح والتغيير، بما يستوجب ضرورة احتجازهم حتى نهاية الإجراءات القانونية. ولكن محكمة الاستئناف العسكرية ألغت هذا القرار وأمرت بالاستمرار في احتجاز أعضاء المجلس التشريعي حتى نهاية الإجراءات القضائية بحقهم.[3]

العديد منهم تعرضوا للاعتقال الإداري أكثر من مرة بعد إنهاء مدة عقوبتهم، وبعضهم تعرض للإبعاد عن مدينة القدس، كل هذا على الرغم من موافقة دولة الاحتلال في حينه على إجراء الانتخابات الفلسطينية في كافة الأرض المحتلة بما فيها مدينة القدس حيث سمحت أيضا باستخدام فروع البريد الإسرائيلي كمقرات لإجراء الانتخابات، ومعرفتها المسبقة أن حركة حماس سوف تشارك في الانتخابات حتما.

هناك العشرات، بل المئات من القضايا القانونية وحالات الاعتقال التي يمكن أن تدلل على سهولة تعديل الأوامر العسكرية والإجراءات لتتماشى ومصالح الاحتلال السياسية والعسكرية، لا يتسع المجال هنا لذكر تفاصيل التعديلات التي جرت على الأوامر العسكرية الخاصة بالاعتقال الإداري؛ منها مثلا في مرحلة الانتفاضة الأولى لتسهيل عملية المراجعة القضائية وإتاحة الفرصة لاعتقال آلاف المعتقلين لفترات طويلة خلال وقت زمني محدود. وهذا ما حصل أيضا في فترة إجتياح المدن الفلسطينية خلال الانتفاضة الثانية في شهر آذار من العام 2002، ما أتاح لقوات الاحتلال اعتقال أكثر من 15,000 فلسطيني خلال شهر ونصف تقريبا.

وغني عن التأكيد كيف استخدمت قوات الاحتلال سياسة الاعتقال الإداري لاستهداف القيادات السياسية الفلسطينية والحركة الطلابية وغيرهم، حتى في مرحلة اتفاق أوسلو، خاصة بحق من عارضوا هذا الاتفاق، وتكفي الإشارة أن عدد المعتقلين الإداريين بلغ أكثر من 350 معتقل عام 1998، ومنهم من قضى أكثر من 5 سنوات رهن الاعتقال الإداري.

اتفاقات السلام، إطلاق سراح الأسرى والشروط السياسية:

ليس سرا أن اتفاق أوسلو (1) لم يتطرق أبدا لقضية الأسرى بشكل مباشر، ولكن الحكومة الإسرائيلية أعلنت في بيان صدر عنها أنها ستقوم بإطلاق سراح أسرى وحددت يوم 13.9.1993 كتاريخ فاصل لمن سيشمله القرار،[4] وأعلنت أنها لن تشمل من عارضوا اتفاق أسلو، واشترطت على السلطة الفلسطينية أن تمنح العفو للعملاء وغيرها من شروط.

لاحقا تداركت السلطة الفلسطينية هذا الموضوع وخاصة بعد الاحتجاج المباشر من الأسرى لعدم طرح قضيتهم في اتفاق إعلان المبادئ، وتم إدراج قضية الأسرى في كل من اتفاق غزة أريحا 1994، وأوسلو (2) أو إتفاق طابا، اتفاق واي ريفر عام 1998، اتفاق شرم الشيخ 1999، ولكن للأسف في هذه الاتفاقات حددت اسرائيل المعايير والشروط لعمليات إطلاق السراح،[5] وفرضت التوقيع على التعهد لدعم عملية السلام وهناك البعض ممن وقع ولم يتم إطلاق سراحه. وقامت بتقسيم الأسرى لفئات مختلفة جغرافية وموضوعية، أسرى القدس، مواطني ال 48، كبار السن، النساء، المرضى، الأطفال، ومن لهم علاقة بالقتل أو الجرح لإسرائيلي أو عربي ليصبح لاحقا المصطلح الشائع من "لطخت أيديهم بالدماء". وطبعا حددت شروط لكل فئة وفئة، ولم تلتزم دولة الاحتلال أحيانا بالعدد المتفق عليه للأسرى أو تم إلغاء الإفراج تماما كما حدث للمرحلة الثالثة في اتفاق اوسلو 2.

ارتفعت وتيرة الاعتقالات بشكل ملحوظ بعد فشل اجتماع كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة الثانية، ولاحقا لم تشمل اتفاقية خارطة الطريق أي حديث عن الأسرى، وإنما قامت اسرائيل بالإعلان عن إطلاق سراح 540 أسير وقامت فعليا بإطلاق سراح 331 فقط، من بينهم أسرى جنائيون. كذلك فإن مؤتمر أنابوليس لم يتطرق لقضية الأسرى.

خلال هذه السنوات جرت عدة عمليات إطلاق سراح كانت تسميها دولة الاحتلال مبادرات حسن نيه إلا أنها جميعا كانت تشمل أسرى قد أنهوا تقريبا مدة حكمهم، وأحيانا أسرى جنائيين، واستثنت دائما أسرى مدينة القدس ومناطق ال 48، وعادة ما كان يتم اعتقال العشرات بل المئات خلال فترات قصيرة جدا من عمليات إطلاق السراح، وهذا ما أطلق عليه سياسة الباب الدوار!

إن كافة هذه الاتفاقات لم تستند للأسف لاشتراطات القانون الدولي الإنساني خاصة اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، فالمادة 77 من الاتفاقية تنص أن بانسحاب المحتل عليه أن يقوم بتسليم كافة من اعتقل وأدين من الأشخاص المحميين لسلطات الإقليم المحرر،[6] وطبعا دولة الاحتلال لم تعترف بهذا الشرط لا في اتفاق أوسلو ولا عندما انسحبت بشكل أحادي من قطاع غزة، رغم ادعائها على الأقل أن قطاع غزة أصبح محررا منذ العام 2005 ولكنها احتفظت بأكثر من 750معتقل من القطاع داخل سجونها في حينه.

صفقة التبادل 2011 والإضرابات المستمرة عن الطعام:

تاريخ الحركة الأسيرة مليء بالنضالات والإضرابات عن الطعام، منها من كان نصراً وحقق الانجازات ومنها من فشل، ولكن سنتطرق هنا فقط لما حصل في العامين المنصرمين. أعلن بعض من الأسرى الفلسطينيين إضرابا مفتوحا عن الطعام يوم 27.9.2011، احتجاجا على سياسة العزل وحرمان معتقلي قطاع غزة من زيارات الأهل لأكثر من 4 سنوات. ولكن توقف هذا الإضراب بعد 17 يوما دون تحقيق أي مطلب بسبب الإعلان عن صفقة التبادل.

يجب التأكيد أن المفاوضات بشأن عقد هذه الصفقة استمرت عدة سنوات ومنذ البدء أعلنت حركة حماس أنها ستغير من الشروط التي فرضتها دولة الاحتلال في الافراجات السابقة تحديدا خلال فترة اتفاق اوسلو، وخاصة في موضوع من شارك في عمليات عسكرية، أسرى القدس وال 48. هذا الواقع يصبح مهما جدا حين ندرك أن دولة الاحتلال كانت تجري المفاوضات وتماطل وتخطط كيف لها أن تلتف مستقبلا على مثل هذه المعايير، وهذا ما يعكسه إجراء تعديل جوهري على الأمر العسكري ذات العلاقة بإعادة اعتقال من تم إطلاق سراحهم من خلال صفقة سياسية في مثل هذا الوقت تحديدا، ويطرح السؤال لماذا لم يتم هذا التعديل مثلا خلال أكثر من 18 عاما جرت بها العديد من عمليات إطلاق السراح؟

قامت قوات الاحتلال بتضمين الأمر العسكري 1651 والذي أصبح أمرا جامعا لمعظم إجراءات الاعتقال وأصول المحاكمات، المادة 186 والتي أقرت تشكيل لجنة عسكرية خاصة لها صلاحية أن تقرر إعادة اعتقال أي شخص تم إطلاق سراحه قبل إنهاء مدة حكمه، استنادا لمعلومات سرية بها ما يشير أن هذا الشخص أخل بأحد شروط إطلاق سراحه، دون الحاجة لإثبات هذا الأمر بموجب أصول البينات عادة في المحاكم العسكرية او المدنية، ودون الحاجة لإثبات أن الشخص ارتكب أي مخالفة جديدة. ومن صلاحية هذه اللجنة احتجاز الشخص حتى إصدار قرار بحقه دون إعطائه أي إمكانية للطعن في قرار الاحتجاز، ولها صلاحية أن تقر إعادة الحكم السابق المتبقي بحق المعتقل قبل الإفراج المبكر عنه، وهذا ما واجهه ما يقارب 14 أسيرا ممن أعيد اعتقالهم بعد صفقة التبادل كابراهيم ابو حجلة، ايمن شراونة وسامر العيساوي وغيرهم.

للأسف لم تكن هذه هي الثغرة الوحيدة في هذه الصفقة، أي عدم معرفة الطرف المفاوض بهذا التعديل على الأمر العسكري لمحاولة ضمان حقوق الأسرى بصورة أخرى، ولكن أيضا حقيقة فرض الشروط القاسية المنافية أصلا للقانون الدولي الإنساني كالإبعاد القسري، وهذا ليس بالأمر الجديد وكلنا يذكر اتفاق الإبعاد لمحاصري كنيسة المهد خلال الانتفاضة الثانية. وهذا ما يثبت أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تقوم وبشكل ممنهج دائما بخرق معايير القانون الدولي الإنساني لأغراض سياسية بحته.

قام الأسير خضر عدنان بإعلان إضرابه عن الطعام مع نهاية العام 2011 احتجاجا على سياسة الاعتقال الإداري وتبعه العديد من الأسرى الإداريين كهناء شلبي، ثائر حلاحلة بلال ذياب وغيرهم، ليدخل الأسرى الفلسطينيون إضرابا مفتوحا عن الطعام في 17 نيسان 2012 استمر حتى 14.5.2012، حققوا من خلاله ضمان إخراج معظم الأسرى المعزولين لسنوات عديدة من أقسام العزل، وعودة زيارات الأهل للأسرى من قطاع غزة. ولاحقا استمر بعض من الأسرى في إضرابات فردية كان أطولها إضراب الأسير أيمن شراونة وسامر العيساوي.

خلال هذه المرحلة حاولت قوات الاحتلال فرض سياسة الإبعاد لقطاع غزة أو إلى خارج الأرض المحتلة بشكل منهجي وقاطع، وهذا ما حصل في العديد من القضايا، دون التطرق لكل قضية بمعزل عن الأخريات وتداعياتها المختلفة، نعتقد أن مبادرات الأسرى الفردية للخوض في إضرابات مفتوحة عن الطعام تعرض حياتهم بشكل مباشر لخطر الموت، ما هي إلا انعكاس لإحباط جماعي داخل الحركة الأسيرة من قدرة القيادة السياسية الفلسطينية على فرض حل شامل، عادل ودائم لقضية الأسرى يشمل كافة الأسرى السياسيين الفلسطينيين دون قيود أو شروط، مما دعا كلا منهم لاتخاذ قرار فردي بإدارة معركته الخاصة لتحقيق حريته.

خاتمة وتوصيات:

تعكس قضية الأسرى السياسيين الفلسطينيين واستغلال دولة الاحتلال لهذه القضية خلال عمليات المفاوضات وصفقات التبادل، إشكالية التنازل عن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان كإطار شامل لأي مفاوضات سياسية. فتغييب هذا الإطار سمح لدولة الاحتلال بترسيخ سياسة فرض الأمر الواقع وارتكاب المخالفات الجسيمة على كافة الأصعدة دون مساءلة أو محاسبة، إن على مستوى الاستيطان، مصادرة الأرض، هدم المنازل، التهجير الداخلي القسري، السيطرة على الموارد الطبيعية، وغيرها الكثير الكثير.

أما الآن ومع حصول فلسطين على صفة عضو مراقب في هيئة الأمم المتحدة، على منظمة التحرير الفلسطينية اعتماد إستراتيجية جديدة للمضي قدما في أي عملية سلام تكفل حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. هذه الإستراتيجية يجب أن تعتمد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان كإطار أساسي تنطلق منه أي مفاوضات واتفاقات، لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي والتنازل عن حقوق أساسية يكفلها القانون الدولي.

وعليه توصي مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان منظمة التحرير الفلسطينية وكافة القوى السياسية الفلسطينية للعمل على:

1. اعتبار قضية الإفراج عن الأسرى السياسيين الفلسطينيين التزام قانوني غير قابل للمساومة السياسية من قبل سلطات الاحتلال وفقا للقانون الدولي.

2. إطلاق سراح كافة الأسرى المعتقلين قبل عام 1994 بشكل فوري ومباشر.

3. إطلاق سراح كافة الأسرى الفلسطينيين والعرب المعتقلين على خلفية مقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي، وإلغاء كافة الشروط والقيود والمعايير التي فرضت سابقا عبر مختلف الاتفاقات والتفاهمات.

4. وضع حد لكافة أشكال الاعتقال مستقبلا بحق الفلسطينيين في كافة الأرض المحتلة، ونقلهم قسرا لداخل دولة الاحتلال، خاصة استهداف الأطفال والمدافعين عن حقوق الإنسان.

5. التوقيع الفوري على اتفاقيات جنيف الأربع- 1949 وكافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ذات العلاقة.

الضمير تعتقد أن المجتمع الدولي يتحمل كامل المسؤولية عن تقاعسه وعدم ضمانه التزام دولة الاحتلال بمسؤولياتها وفق القانون الدولي والاتفاقيات الدولية، وخاصة الدول الأطراف لمعاهدات جنيف الأربع.

ومن هنا على المؤسسات الحقوقية الفلسطينية العمل بكافة السبل لإلزام الأطراف السامية الموقعة لاتفاقيات جنيف باحترام وتطبيق التزاماتها.

----------------------------

*سحر فرنسيس: محامية وناشطة حقوقية فلسطينية، مديرة مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان


[1] الضمير تعرف " الاسرى السياسيون" الاسرى الذين اعتقلوا على خلفية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، مقابل من تم اعتقالهم ومحاكمتهم لارتكاب مخالفات لا ترتبط مباشرة بالاحتلال، وكما تم اعتماد هذا التعريف في تقرير لجنة تقصي الحقائق حول النزاع في غزة، في ايلول 2009 الفقرة 1434، يمكن الوصول اليه على الرابط

http://www2.ohchr.org/english/bodies/hrcouncil/specialsession/9/docs/UNFFMGC_Report.pdf.

[2] وطبعا المنطقة هنا تعني الارض المحتلة دون التمييز بين منطقة أ، ب وج. وطبعا احتفظت دولة الاحتلال بالصلاحيات الامنية على كافة الارض الفلسطينية المحتلة بموجب الاتفاقات مع السلطة الفلسطينية، انظر المنشور العسكري " منشور بشأن تطبيق حل الوسط ( يهودا والسامرة) ( رقم 7) 5756-1995.

[3] لمراجعة تفاصيل القضية راجع تقرير الانتهاكات 2008 من اصدارات مؤسسة الضمير لرعاية الاسير وحقوق الانسان  www.addameer.org

[4] لاحقا في اتفاقية شرم الشيخ تم تمديد الفترة الى 4.5.1994

[5][5] لمزيد من التفاصيل حول كافة هذه الاتفاقات الرجاء مراجعة الورقة التي صدرت عن مؤسسة الضمير عام 2009 بعنوان:

Reaching the "No Peace" Agreement : The Role of Palestinian Prisoner Releases in Permanent Status Negotiations

[6] وفقا لشروحات الصليب الأحمر حول المادة 77 إن الالزام بها مطلق ولا يجوز التنصل تحت أي ذريعة خاصة أن غياب مثل هذا الشرط سيسمح لسلطات الاحتلال بنقل الأسرى معها الى أراضي دولة الاحتلال بشكل مخالف لشروط المادتين 49 و76 من اتفاقية جنيف الرابعة، وهذا فعلا ما قامت به سلطات الاحتلال منذ العام 1995. هذه الشروحات متوفرة على الرابط:

http://www.icrc.org/ihl/nsf/COM/380-600084?OpenDocument