×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الفلسطينيون المهجرون داخلياً ضمن نطاق الخط الأخضر

بقلم: أريج صباغ خوري*

تشتمل فئة "المهجرين داخلياً في اسرائيل" الفلسطينيين الذين تعرضوا للطرد من منازلهم على يد القوات اليهودية الصهيونية (الإسرائيلية لاحقاً) قبل تأسيس دولة إسرائيل، أو الذين طردوا أيضا من قِبل المؤسسات الخاضعة لسلطة دولة إسرائيل بعد أن تم إنشاؤها، ولكنهم لم يطردوا إلى خارج الحدود بل حافظوا على بقائهم ضمن ما بات يعرف حدود دولة إسرائيل، في الفترة الواقعة بين تشرين ثاني/ نوفمبر 1947 وتموز/ يوليو 1949، لكنهم ما زالوا مشردين إلى اليوم. وحتى يومنا هذا، فان اسرائيل مستمرة في منع هؤلاء المشردين داخلياً من العودة إلى ديارهم الأصلية.1

ويمكن التعاطي مع تحليل البنية الداخلية لهذه المجموعة وفقا للتعريفات التي أدخلها بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.حيث يعتمد المركز على حالة من الفرز القانوني ما بين المجموعتين اللتين تشكلان مجموع المهجرين داخلياً؛ فنجد أولئك الذين وقع تهجيرهم في عام 1948، وأولئك الذين تعرضوا للتهجير بعد عام 1948. المجموعة الأولى من الفلسطينيين المهجرين داخلياُ، أي التي هجرت خلال 1948، تشكل غالبية المشردين الذين بقوا داخل إسرائيل، وتتألف من أولئك الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم خلال نكبة عام 1948 بموجب القانون الإسرائيلي، ليتم تصنيفهم لاحقاً على أنهم "الغائبين الحاضرين".2

أما المجموعة الثانية، وهنا نقصد من هجروا بعيد عام 1948، فإن عددهم أقل من الذين هجروا قبل وأثناء العام نفسه، اذ شردوا قسراً خلال السنوات التي تلت قيام إسرائيل من خلال عمليات النقل الداخلي أو الطرد، بما فيها خارج حدود دولة إسرائيل. كما تشكل المجتمعات "البدوية الفلسطينية"3 جزءاً كبيراً من هذه الفئة، حيث يعيش بعضهم اليوم فيما بات يعرف باسم القرى "غير المعترف بها".

ووفقاً للتعريفات السابقة، فإن التهجير لم يحدث خلال النكبة فقط، بل استمر في أعقاب حرب عام 1948، وكذلك ما بعد اتفاقيات الهدنة عام 19494. بالإضافة إلى التشريد الداخلي، فقد قامت إسرائيل بطرد بعض السكان الفلسطينيين من عدة قرى وبلدات فلسطينية الى خراج حدودها. ومثال ذلك ما حدث مع من بقي من سكان بلدة مجدل/عسقلان (المعروفة اليوم باسم أشكلون)، الذين بلغ عددهم ما يقرب 2700 من أصل 10000 قبل عام 1948. ففي عام 1950، تلقى هؤلاء السكان أوامر طرد، وعلى إثرها نقلوا قسراً إلى حدود قطاع غزة خلال أسابيع قليلة، وذلك لأن قادة إسرائيل أرادوا منطقة المجدل وأراضيها بهدف استيعاب أعداد من المهاجرين اليهود الجدد.5

وخلال السنوات الأولى لقيام دولة اسرائيل، أخفت سلطات الاحتلال الإسرائيلية نيتها منع عودة المهجرين إلى مدنهم وقراهم،6 بل واستخدمت وسائل متعددة لمنع هؤلاء المهجرين من العودة. وكان من بين أهم هذه الوسائل؛ فرض "الحكم العسكري" على الفلسطينيين خلال الأعوام بين 1948 و 1966.ومن خلال هذا الاجراء، أي "الحكم العسكري"، أعلن القادة العسكريون المناطق العربية كمناطق عسكرية مغلقة وذلك وفقاً للمادة 125 من قانون الطوارئ لعام 1945 (البريطاني) وكان من الضروري أن يحصل السكان العرب على تصاريح من أجل الدخول والخروج من والى مناطقهم.7 كما اتخذت السلطات الإسرائيلية خطوات أخرى لمنع عودة المشردين داخلياً؛ كهدم المنازل في بعض المدن والقرى، وطرد السكان خارج الحدود التي أعلن عنها دولة إسرائيل، إضافة لاستيطان بعض المهاجرين اليهود في بيوت اللاجئين، وإقامة بلدات يهودية على أراضي المدن والقرى المدمرة.8

المهجرون داخليا: بين العودة والاستيطان

كحال غيرهم من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء، تعامل المهجرون داخلياً مع وضعهم الجديد على انه مؤقت، وانتظروا العودة إلى قراهم. وكبقية اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، فقد تلقى المشردون داخلياً معونات إنسانية من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إلا أن هذه المعونات توقفت في وقت مبكر من عام 1950 لأن الحكومة الإسرائيلية اعتبرت قضية (المهجرين داخلياً) قضية إسرائيلية داخلية. وقد خصصت الحكومة الإسرائيلية لهم ميزانية تضمن حصولهم على فرص عمل في بعض المدن والقرى العربية التي حافظت على صمودها بعد إعلان قيام دولة إسرائيل.9

يصنف ماجد الحاجحياةالمشردين داخلياً على أنها مرت بثلاث مراحل خلال الفترة التي تلت عام 1948. الأولى، استمرت من عام 1948 وحتى عام 1951، وهي الفترة التي بحث فيها المهجرون داخلياً عن مكان آمن للجوء. وخلال هذه المرحلة، هاجرت الأُسر من قرية إلى أخرى بحثاً عن ملاذٍ آمن.كما استقر معظم المهجرين في المدن والقرى الواقعة بالقرب من قراهم الأصلية، والتي كانت في بعض الحالات، تجمعهم  بها  علاقات اجتماعية واقتصادية، وفي حالات أخرى استجابة لإرادتهم بأن يبقوا بالقرب من قراهم الأصلية لتسهيل عودتهم التي كانون يتطلعون إليها على أنها قريبة.

أما المرحلة الثانية والتي استمرت من 1952 حتى 1956، فكانت فترة الانتظار والتوقعات. حيث نظر فيها المهجرون داخلياً إلى وضعهم على اعتباره وضعاً مؤقتاً على أمل العودة إلى قراهم بمجرد استعادة "الهدوء".لكن بعض النازحين، وعلى الرغم من نجاحهم في إعادة إنشاء حياتهم في المدن والقرى التي كانوا قد لجأوا إليها، الا انهم اعتبروا، بل وما زالوا يعتبرون حياتهم في هذه البلدات والقرى مؤقتة. بمعنى أن العديد من المهجرين داخلياً يشتركون في هذا الشعور، حتى في حالة من هم من الجيلين الثاني والثالث الذين ولدوا في المدن والقرى التي لجأت عائلاتهم إليها، فهم لا يزالون بانتظار عودتهم إلى قراهم الأصلية.10 لذلك، فمن الصعب الحسمأنّ فترة الانتظار والتوقع قد بلغت نهايتها.لكن، من وجهة نظري، يمكن القول أن هناك بعض العوامل التي قادت هؤلاء المهجرين إلى اتخاذ خطوات عملية لتستقر حياتهم، وإن كان ذلك بصورة مؤقتة، في القرى التي لجأوا إليها. ماجد الحاج يحاول شرح بعض هذه العوامل، مشيرًا إلى ان حرب عام 1956 بين اسرائيل ومصر التي هُزمت مصر فيها، كواحدة من العوامل التي أنهت فترة الانتظار لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل، بما في ذلك المشردين داخليا، خلال تلك الفترة  تعامل الفلسطينيون مع إنشاء دولة إسرائيل من منظور العارض المؤقت الذي سينتهي لا محالة. بالإضافة إلى ذلك، فقد وضعت السلطات الإسرائيلية خلال الخمسينيات المهجرين داخلياً تحت الضغط للاستقرار في الأماكن التي لجأوا إليها وشكلت لجاناً مختلفة لتنفيذ خطط الاستيطان، ومن ضمنها لجنة إسكان اللاجئين ولجنة نقل السكان، التي عرضت شراء أو تبادل أملاك المشردين داخليا.11 يشير الحاج كذلك إلى أن عدم وجود منظمة وطنية جامعة وحاملة لقضايا وهموم هذه المجموعة قد تسبب بتدمير الآمال في العودة بالنسبة للمهجرين داخليًا، كما أدى ذلك إلى نهاية فترة التوقعات. بالاعتماد على الحاج، فان المرحلة الثالثة كانت مرحلة إعادة التوطين التي بدأت في عام 1957، حيث بدأ بعض المهجرين بشراء الأراضي وبناء مساكن للأسر في المدن والقرى التي لجأوا إليها.

المهجرونداخلياً: البيانات الديموغرافية وأماكن اللجوء

إن عدد وخصائص المهجرين الديموغرافية لا تظهر في الملخص الإحصائي السنوي لإسرائيل. ففي الإحصاء السكاني الأول والثاني، التي قامت بهما دولة إسرائيل في الأعوام 1948 و1961، لم يصنف المهجرون كمجموعة منفصلة عن بقية الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد النكبة. وفقا "لكامين"، فإن حقيقة أن هذا التصنيف غير مرئي يرجع لسببين: أولاً، إن إهمال قضية المهجرين لها علاقة بالإهمال العام للفلسطينيين في إسرائيل بعد قيام دولة إسرائيل.وثانياً، الحقيقة التي تكمن في أن السلطات لم ترغب في لفت الانتباه إلى قضية من هذا النوع من خلال توفير وسائل وآليات تصنيف لهم، إذ أن تقديم هذه المعلومات، وفقاً لـ"كامين"، يمكن أن يكون بمثابة تذكير بأن مشكلة اللاجئين الناجمة عن النكبة، حاضرة أيضا داخل إسرائيل، وإن كان ذلك على نطاق أوسع وطبيعة مختلفة.12

أما واكيمواكيم وفي إشارته إلى التقديرات لأعداد السكان المشردين داخلياً، فيقول في هذا الإطار أن الأونروا في عام 1950 قدرت عددهم بما يقارب 46 ألف نسمة،13 أي 30٪ من المواطنين العرب الذين بقوا في إسرائيل خلال تلك الفترة البالغ تعدادهم أساساً 156 ألف نسمة. هذا التقدير يشير إلى أولئك الذين شردوا في عام 1948 ولا يشمل المواطنين الفلسطينيين الذين شردوا بعد عام 1948، والذين لم يندرجوا تحت إحصاءات الأونروا. بعض التقديرات قالتأن عدد الأشخاص الذين نزحوا في أعقاب قيام دولة إسرائيل بلغوا نحو 75 ألف فلسطيني فقط داخل حدود إسرائيل الناشئة.14

وقد نفذ أول مسح سكاني يتعرض لهذه القضية، أي عدد السكان الفلسطينيين المهجرين داخلياً، من قبل جمعية الجليل. الجمعية العربية القطرية للبحوث والخدمات الصحية، ومدى الكرمل/ المركز العربي للأبحاث الاجتماعية التطبيقية، وركاز/ بنك المعلومات للأقلية الفلسطينية في اسرائيل، وقد كان ذلك في أواخر عام 2004. وقد تعاطى المسح مع تعريف المهجرين داخلياً، على أنهم "الفلسطينيين الذين أجبروا على ترك منازلهم والانتقال إلى أماكن أخرى داخل اسرائيل للإقامة فيها نتيجة واحدة من الحروب المتتالية أو نتيجة لسياسيات الحكومة الإسرائيلية و/أو أحد أجهزتها". كما ينطبق هذا التعريف للتهجير الداخلي ولماهية المهجر داخلياً، على الأشخاص المهجرين داخلياً وأسرهم، والورثة، كما أن الأطفال يتبعون أبائهم في التهجير، فالأطفال من أب مهجر هم مهجرون أيضاً. لكن هذا التعريف لا يشتمل على الفلسطينيين الذين هجروا من قراهم وأماكن سكناهم الأصلية ومن ثم تمتعوا بالعودة إليها في وقت لاحق، على الرغم من كون قانون أملاك الغائبين لا زال يسري حتى اللحظة.15 ووفقاً لذات المسح فقد ظهر أن ما نسبته 15.1% من السكان الفلسطينيين في اسرائيل هم مهجرون داخلياً. 

كذلك فإن التوزيع النسبيللمشردين داخليا حسب المنطقة، يشير إلى أن 12.8٪ من سكان شمال فلسطين هم مشردون بالكامل، كما هو الحال بالنسبة لـ 20.5٪ من سكان المنطقة الوسطى، و 22.7٪ من السكان الذين يعيشون في المنطقة الجنوبية، أي أن أكبر نسبة من المهجرين موجودة بين سكان  المنطقة الجنوبية.

التوزيع النسبيللمهجرين داخليا وفقا للنوع الاجتماعي يشير إلى أن 15.2٪ من الذكور مشردين، وهي نسبة تعادل إحصائيا نسبة الإناث المشردات بنسبة 15.1%. ووفقا للتعريف الذي اعتمد، فإن أولئك المهجرين هم من أبناء وبنات المهجرين من الآباء، وليس أبناء وبنات الأمهات المهجرات. وهنا تبرز إشكالية التعريف بسبب وجود جماعة غير مدرجة ضمن تعريفالمهجرين، والتي قد تعرضنفسها على أنهامشردةداخليا، وهم أبناء وبنات المهجرات. يمكن الاستدلال من البياناتأنه إذا تضمن التعريف أبناء وبنات الأمهات المهجرات فإن عدد النازحين بين السكان الفلسطينيين سيرتفع، وبالتالي فإن نسبة النازحين وفقا لتصنيفات مختلفة من شأنه أن يزيد.

الوضع القانونيللمهجرين وممتلكاتهم

منعتالسلطات الإسرائيلية المهجرين من العودة الى منازلهم، وفي الوقت عينه تم تخصيص أراضيهم وممتلكاتهم،16بموجب قوانين مختلفة أهمها أنظمة الطوارئ ( نظام أملاك الغائبين– 1948)، إضافة لقانون أملاك الغائبين 19  50.17لذلك يعتبر الفلسطينيون المهجرون داخلياً في إسرائيل من "الغائبين"، وذلك بموجب القانون الإسرائيلي، على الرغم منبقائهم في وطنهم، على أساس أنهم غادروا قراهم الأصلية، بغض النظر عن الأسباب التي دفعتهم للقيام بذلك. وعلى الرغم من منحهم الجنسية الإسرائيلية بموجب قانون الجنسية الإسرائيلي 1952، فقد منعوا بصورة منهجية من العودة إلى منازلهم وأراضيهم واستعادة ممتلكاتهم.18  ووفقا لأنظمة الطوارئ (نظام أملاك الغائبين 1948)؛  كل شيء مملوك من قبل النازحين يوضع بتصرف ما يسمى حارس  أملاك الغائبين. تعريف الغائبين في هذه اللائحة/النظام يشمل المهجرين الفلسطينيين. حيث تم منح حارس الأنظمة "الملكية" سلطة مؤقتة فقط على ممتلكات الغائبين.19 لذلك، تصرفت السلطة التنفيذية لختم "الجانب القانوني" للاستيلاء على ممتلكاتهم، وسن قانون أملاك الغائبين في عام 1950. القانون يخوِّل حارس أملاك الغائبين برعاية وإدارة أملاك الغائبين وطرد المقيمين عليها. وبالتالي، يعتبر الوصي على أملاك الغائبين بموجب هذا القانون صاحب هذه الخصائص إلا إذا كان بإمكان "الغائب" أن يثبت أنه/ها لم يكن موجوداً أو أنه/ها لا يعتبر غائبا في نظر للقانون.20 وهذه مهمة شبه مستحيلة، نظراً للسوابق القانونية القائمة في هذا الصدد. وبالتالي فإن القانون لا يمنح "الغائبين"، سواء كانوا لاجئين أو مشردين داخليا، الحق في استعادة ممتلكاتهم. وقد وضع هذا القانون خصيصاً ليشمل النازحين الذين هم مواطنون إسرائيليون، وذلك لمنعهم من العودة إلى قراهم ومنازلهم.

المطالبة بالعودة وجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين داخلياً في إسرائيل

بدأت مطالبات المهجرين بالعودة إلى قراهم وأمكنتهم الأصلية التي هجروا منها منذ لحظات التهجير الأولى. ولاحقاً، تم تشكيل عدد من لجان العودة، والتي طالبت بشكل جوهري بعودة المهجرين إلى مدنهم وقراهم. ومن الأمثلة التي يمكن سوقها في هذا الصدد كل من لجان مهجري إقرث وكفر برعم والغابسية وصفورية وغيرها الكثير من القرى والتجمعات التي هجر أهلها عنها. ولكن، في المراحل المبكرة لم يعمم طلب العودة كجزء من حراك عام يضفي بظلاله على البلاد، بل كانت المطالبات تتخذ منحى محليا يتبع السير عبر القنوات القضائية، كما كان الحال مع كل من قرى كفر برعم وإقرث والغابسية، أو من خلال محاولات بعض المهجرين العودة الى قراهم عبر التدخل والسعي للتأثير من خلال مختلف الوزارات والأجهزة القائمة. ومن الأمثلة على ذلك مجريات المطالبة في الدامون والطيرة وطبريا وقيسارية.21 لكن، في ظل غياب أي منظمة وطنية جامعة، وحقيقية أن بلورة آفاق العمل الجديدة لم تبدأ إلا في وقت مبكر من سبعينيات القرن المنصرم، فإن ذلك يعزى إلى عدة عوامل منها:

 أولا، النظام العسكري الإسرائيلي: حيث حظر "الحكم العسكري" حركة الفلسطينيين من قرية إلى أخرى دون تصريح، الأمر الذي تسبب في إضعاف إمكانيات خلق تنظيم سياسي بين الفلسطينيين في إسرائيل بشكل عام. في هذه الحالة، فان المنظومة الاستعمارية منعت المهجرين من تنظيم انفسهم على المستوى المحلي.

ثانيا، العامل الثاني فكان الوضع الجغرافي للسكان في هذه القرى: فمعظم المهجرين من القرى التي دمرت وجدوا ملجأً لهم في المدينة نفسها، الأمر الذي شجعهم على تأطير المسألة عبر مضامين اللجان المحلية.

ثالثا، قوة الذاكرة الجماعية ولكن المحلية: العامل الثالث، والذي يمكن اعتباره عامل مغذي هام ومركزي، لكنه محصور في  المستوى المحلي وليس المستوى السياسي والوطني فهو قوة الذاكرة الجماعية المحلية، وهو ما انعكس في شكل وبنية المؤسسة السياسية المحلية. على سبيل المثال، فان المهجرين الذين طردوا من "معلول" قد توحدوا بذاكرة جمعية حول قريتهم "معلول" التي عاشوا فيها وراكموا خبرات بناء تجربتهم الاجتماعية والسياسية، وكانوا متصلين بعلاقات القرابة والجوار، واجتمعوا مع بعضهم ونظموا أنفسهم للعودة إلى القرية عندما أصبح ذلك ممكنا. فكانت الذاكرة الجماعية لفلسطين كوطن أقل مفصلية من الذاكرة المحلية للقرية.

بدأت تظهر منذ أوائل التسعينيات مبادرات شعبية أكثر انتظاماً وأوسع انتشاراً، كان هدفها ضمان عودة المشردين داخلياً إلى قراهم وإعادة احياء الذاكرة الجماعية. وقد صنّفت الكثير من اللجان المحلية المهجرين داخليًا ضمن هيكل (جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين داخليًا في إسرائيل ADRID) عام 1995. وتجدر الإشارة إلى أن كل من لجنتي قريتي إقرث وكفر برعم لم تنتسبا إلى "جمعة المهجرين" لأن أعضاء اللجنتين يعتبرون حالتهم فريدة؛ فقد أصدرت المحكمة العليا قرارات متعددة نصت على عودتهم،22 كان أولها عام 1951، اذ طالبوا بالعودة إلى قراهم من خلال الإجراء القضائي، وهو الطريق  الذي لم تتبعه "جمعية المهجرين".إن فكرة إنشاء جمعية للمهجرين داخلياً ولدت بعد مؤتمر مدريد عام 1992 وما رافقه من محادثات إسرائيلية- فلسطينية، حين تلمس المهجرون داخلياً أنّ حالتهم لم تكن تتمتع بأدنى أهمية ضمن  المفاوضات بين القيادة الصهيونية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

وبإلقاء نظرة أكثر عمقاً على طابع خطاب ورسالة جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين، نجد انها تطالب دولة إسرائيل بإلغاء القوانين التي تعتبر المهجرين داخليًا "غائبين"، بالإضافة إلى رفع مطلب تحقيق عودتهم إلى بلداتهم وقراهم وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194، الذي ينص على عودة اللاجئين وتعويضهم. كذلك تحيي الجمعية ذاكرة القرى من خلال تنظيم مسيرات إلى القرى في الذكرى السنوية للنكبة الفلسطينية، الذي يعرف بـ"يوم الاستقلال الإسرائيلي"، وهو يوم إعلان قيام دولة إسرائيل، حيث تهدف الجمعية من مثل هذه الخطوة الثابتة والمستمرة ان  تسلّط الضوء على نكبة الشعب الفلسطيني ومجرياتها المستمرة.تجدر الإشارة إلى أنّ أنشطة المهجرين داخلياً وحديثهم السياسي قد ساهم بشكل رئيسي في مناقشة النكبة وإبراز قضية المهجرين داخلياً بين الفلسطينيين في إسرائيل، وهو موضوع لم يتناوله الساسة في إسرائيل لفترة طويلة.

كما تقوم جمعية المهجرين بعقد ندوات في المدارس والجمعيات المختلفة، وتعمل للحفاظ على المواقع المقدسة في القرى المدمرة، كما تدرب الإدلاء السياحيين من خلال عقد جولات في هذه البلدات والقرى المدمرة، حتى يتزايد الوعي السياسي بالنكبة وقضية اللاجئين. تعالج هذه البرامج الأوجه التاريخية والجغرافية والسياسية لتلك القرى واللاجئين وخاصةً الأشخاص المشردين داخلياً، وهي تعرّف جيل الشباب (الجيل الثالث منذ النكبة) على قضايا التطهير العرقي واللاجئين والمهجرين داخلياً، خاصة أنّ التأسيس الإسرائيلي لا يُلين الجهود لحذف الذاكرة الجماعية الفلسطينية.

إن وجود جمعية المهجرين سهل تحديد قضية المشردين داخلياً في المحيط الفلسطيني داخل وخارج دولة إسرائيل. كما متن الاتصال بين الفلسطينيين داخل إسرائيل والفلسطينيين في المنفى من خلال ربط قضيتهم بقضية اللاجئين بشكل عام، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ إسرائيل تعامل اللاجئين داخل حدودها بمعزل عن القضايا الأخرى وتعتبر قضيتهم "شأن داخلي إسرائيلي".

-----------------------

*أريج صباغ خوري: مرشحة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة تل ابيب فرع الانثروبولجيا الإجتماعية.


  1. Other names have been used to describe this segment within the Palestinian academic and political discourses in Israel, such as “refugees in their homeland,” “internal refugees,” “refugees in Israel,” and “1948 refugees.” In this paper, I will use the designation “the internally displaced in Israel,” which is how the IDPs have referred to themselves when naming the “Association for the Defense of the Rights of the Internally Displaced in Israel”.

  2. Internally displaced Palestinians, international protection and durable solutions,  BADIL Resource Center for Palestinian Residency and Refugees’ Rights, Bethlehem, 2003.

  3. Ibid.

  4. SeeJiryis, S. The Arabs in Israel. Jerusalem: The League of Arab States in Jerusalem (1967); Kamen, C. After the catastrophe II: The Arabs in Israel, 1948-1951. Middle Eastern Studies, 24(1), 68-109 (1988). Masalha, N. More land, fewer Arabs: The implementation of the Israeli policy of “transfer”, 1949-1996. Beirut: Institute for Palestinian Studies (1997); and Masalha, N. Israel and the politics of denial: Zionism and the Palestinian refugees. Ramallah: Madar–The Palestinian Center for Israeli Studies (2003).

  5. This example and others (see Sabbagh-Khoury, A, (2011). “The Internally Displaced Palestinians in Israel,” in Rouhana, N. and Sabbagh-Khoury, A, The Palestinians in Israel: Readings in history, politics and society, Mada al-Carmel: The Arab Center for Applied Social Research, and Masalha, 1997, p.27) provide support for the argument that the expulsion and displacement operations did not take place only in the context of the war between the Palestinians and the Jews in Palestine, but were also linked to the Zionist ideology itself, which sought to gain control over the largest possible area of land in Palestine, leaving the least number of Arabs on it.

  6. Kamen, C. After the catastrophe I: The Arabs in Israel, 1948-1951. Middle Eastern Studies, 23(1), 453-493, (1987).

  7. The declared aims of the military regime were to enforce the law and the military administration over Palestine for security purposes. In addition, the military regime had undeclared aims, many of which were related to preventing the return of the refugees and the IDPs to their towns and villages of origin. According to Nur Masalha, these aims were as follows: firstly, to prevent the Palestinian refugees from returning to their towns and villages in Israel; secondly, to displace and evacuate the displaced persons from semi-abandoned Arab towns and villages and expel them to other areas in the country; thirdly, to reduce the number of IDPs who remained in Israel by expelling them to beyond the borders of the state; and fourthly, to impose surveillance on the Palestinian citizens and isolate them from the Jewish population (Masalha, 1997, 2003; Segev, T, 1949 – The First Israelis, The Free Press (New York), 1986.).

  8. Kamen, 1987.

  9. See Al-Haj, M. The Arab internal refugees in Israel: The emergence of a minority within the minority. Immigrants and Minorities, 2, 149-16(1988); and Kamen 1987.

  10. See, for example, Kabha, M., & Barzilai, R. Refugees in their land: The internal refugees in Israel 1948-1996. Givat Haviva: Institute for Peace Studies, 1996.

  11. Wakim, W. “Refugees in their homeland: The present-absentees in Israel,” Journal of Palestine Studies, 45/46, 90-104, and Kabha and Barzilai (1996) state that a small percentage of IDPs accepted the offer made by the Israeli authorities, which, for many of them, can perhaps be attributed to their difficult circumstances following the Nakba.

  12. Al-Haj (1986) states that estimates of the number of post-1948 IDPs range between 31,000 and 50,000 persons (p. 654).

  13. BADIL, 2003.

  14. The Galilee Society, Mada al-Carmel & Rikaz, The Palestinians in Israel: Socio-economic Survey, (2005), p. 36.

  15. The property of the IDPs in Israel is estimated at 300,000 dunams of land, which Israel has declared to be “absentee property” (Masalha, 2003, p. 159).

  16. [The State of Israel has enacted approximately 30 laws in accordance with which private land (for the most part Arab-owned) has been transferred to state ownership, in practice, for the benefit and use of the “Jewish people,” thereby excluding Palestinian citizens from the ownership and use of this land. Under the enacted laws – in particular the Basic Law – Israel Lands, and the Development Authority Law – almost all of this land (close to 93%) became state property (Masalha, 2003; Yiftachel, 2001).

  17. Masalha, 2003.

  18. Jiryis, 1967,

  19. See Cohen, H. “The present-absentees:” Palestinian refugees in Israel since 1948. Jerusalem: Center for the Study of Arab Society in Israel, 2002; Jiryis, 1967; and Masalha, 2003.

  20. Cohen, 2000, p. 491-492; and Kamen, 1987..

  21. Cohen, 2000.

  22. See, for example, “Statement by the Preparatory Committee for the Return and Just Peace Conference” – (the conference  was held in cooperation with organizations Ittijah, Zochrot and the Emile Touma Institute, for the third consecutive year): “Another year has passed since the Nakba of the Palestinian people, the repercussions of which have continued day after day since 1948. For us, the Nakba is not a passing event or occasion, but a reality that is based on the tragedy and historical injustices that continue to be the founding event in the modern history of the Palestinian people.” Retrieved July 10, 2008 from http://www.ror194.org/index.php?id=293 (in Arabic).