×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
طباعة

منهجة حقوق الإنسان فلسطينياً: النطاق الجغرافي، البعد السياسي، والاصطلاحات

جنود الاحتلال في طريقهم لهدم قرية العراقيب، ١٣ أيلول ٢٠١٢ (‪electronicintifada.com‬) جنود الاحتلال في طريقهم لهدم قرية العراقيب، ١٣ أيلول ٢٠١٢ (‪electronicintifada.com‬)

بقلم: أمجد قسيس*

بالنظر إلى واقع عمل منظمات حقوق الإنسان في فلسطين، يتضح أن العديد منها يعمل على حصر نطاق عمله وفقاً لما تمليه تقسيمات قوة الاحتلال لأرض فلسطين الانتدابية. والعديد من هذه المنظمات تقوم بالتكيف والخضوع لبيئة الوضع القائم؛ عوضاً عن تمحيص الرؤية في الأصول التاريخية للصراع. لقد دخل المستعمرون الصهاينة إلى هذه الأرض بهدف واحد وواضح، هو استعمارها بشكل دائم. وقد بزغت وانطلقت بعض الحركات لمقاومة هذا المشروع الاستعماري، لكنها بدأت ببطء تنفصل وتفقد الصلة ببعضها البعض، وصولاً لأن أصبح النضال الموحد المشترك عبارة عن مروحة متعددة الاذرع- البرامج النضالية. لذلك، وحتى اليوم، في العام 2013، وبالاستناد إلى الحقائق القائمة فعلاً على أرض الواقع، من جدار واستيطان استعماري، وقوانين تميزية داخل اسرائيل، وحصار مفروض على قطاع غزة، فان واقع تطور القوة الاستعمارية قد ألقى بظلاله على من يقاومون ويسعون لمقاومة هذا المشروع الاستعماري.

معظم المؤسسات التي تعمل في فلسطين اليوم، تحصر إطار عملها وتحدده إما في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 أو في اسرائيل فقط، الامر لاذي يعني عمليا القبول بالمنظور الإسرائيلي الساعي لعزل هاتين المنطقتين كلياً عن بعضهما البعض. كما أن هناك قطاع من المنظمات والمؤسسات التي تحدد نطاق عملها بشكل أكثر ضيقاً، إذ تحصر نطاقها في الضفة الغربية وحدها، أو في قطاع غزة، أو في مناطق (ج) أو حتى في القدس الشرقية دون غيرها.طبعا، التخصص مطلوب، ولكن التخصص ايا كان نوعه، لا يجب ان يشكل عمليا قبولا بتقسيمات الاستعمار.عند التعاطي مع إطار تحديد العمل، فإن المؤسسات القائمة على ذلك إنما تحصر جذور المشكلة وبدايتها في الأرض المحتلة عام 1967، وأيضا يتم التعاطي مع هذا العام وما حصل فيه كبداية لنشوء للصراع. كما أن هناك تجاوزا لهذه المقاربة المغلوطة أيضا لدى بعض من يحصرون عملهم إما في الضفة الغربية فقط أو في قطاع غزة فقط، بما فيه ضمناً الانطلاق من محددات اتفاقيات اوسلو الموقعة في العام 1993. لكن حقيقة تاريخ المنطقة تقول بأن الصراع الذي نشهده اليوم ومجمل المشكلات الناتجة عنه، إنما هي وليدة بدايات ظهور الحركة الصهيونية وبلورة فكرة استعمار أرض فلسطين الانتدابية، وليست نتاج العام 1967 أو 1993، فتلك هي نقطة البداية في القضية الفلسطينية وليس أية محطات لاحقة نتجت عنها، حيث لا يمكن التوصل إلى حالة من إيجاد حل حقيقي للصراع في ظل التعاطي مع العام 1967 كنقطة بداية لهذا الصراع.   

لقد بدأت هذه الممارسات التقسيمية جغرافياً وسياسياً للفلسطينيين في العام 1948، وقد كان ذلك حتى في المجتمعات التي بقيت قائمة في داخل دولة اسرائيل حديثة الولادة. وبشكل أكثر تخصيصاً، يمكن القول بأن الفلسطينيين داخل اسرائيل في كل من النقب والجليل يتم تقسيمهم بشكل حاد من قبل السلطات الإسرائيلية. ومن وجهة نظر إسرائيلية، فان الفلسطينيين البدو في النقب يعبرون عن فئة إدارية منفصلة عن الفلسطينيين. إضافة إلى ذلك، وبينما يتم التعاطي مع كل من المسلمين والمسيحيين كمجموعات منفصلة، فإن الدروز يتم التعاطي معهم كمجموعة منفصلة عن البقية وجنسية قائمة بحد ذاتها. كما انه يجدر الانتباه إلى أن المنظمات غير الحكومية الفلسطينية في داخل اسرائيل، وبالاعتماد على هذه التقسيمات، والتي تنتهج هذا الخط، قد وصلت درجة استجابتها الى حد قبولها التعامل مع "القرى الدرزية" او "البلديات الدرزية" مثلا مبعزل عن أي سياق آخر. وهذا ناجم عن السياسة الإسرائيلية في التعاطي مع القرى والتجمعات الدرزية بتمييزها عن غيرها فيما يتعلق بالإطار القانوني الناظم للعلاقة مع السلطات الإسرائيلية، وفي الميزانيات المقرة لهذه المناطق والتجمعات، وهذا ما دفع المنظمات العاملة لتبني مثل هذا المنهج التقسيمي.

ولكن وفي المقابل، فإن الوعي بحيثيات هذا المنهج ونتائجه بدأ يتطور بين الفلسطينيين المقيمين في اسرائيل منذ منتصف عقد الثمانينيات. وقد تعزز هذا الوعي السياسي مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، ومطلع التسعينيات من القرن المنصرم مع توقيع اتفاقيات أوسلو. أثناء هذه المرحلة، بدأ المواطنون الفلسطينيون في اسرائيل ادارك مدى إقصائهم وعزلهم من الخطاب السياسي الفلسطيني، وعدم التطرق لأي من قضاياهم خلال ما يعرف بعملية السلام والمباحثات الناتجة عنها. بالتالي، يمكن القول أن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر كانوا على الدوام عرضة للتهميش والاستثناء من الطرفين: اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت، أي المنظمة، الطرف الفلسطيني الأول الذي اعترف بالتقسيم الجغرافي السياسي الإسرائيلي لأرض فلسطين. ومما يمكن سوقه للتدليل على ذلك، هو ان م. ت. ف حصرت مجهودها التفاوضي حول القضايا المتعلقة بالأرض المحتلة عام 1967 دون غيرها. وهذا ما شكل دافعاً قوياً للفلسطينيين داخل الخط الأخضر لإعادة النظر في محددات خطابهم وشكل علاقتهم مع اسرائيل. وبذات المستوى من التعاطي مع إشكالية الإقصاء التي يواجهونها، فقد كان هناك إدراك وإجماع مفاهيمي يقول بوجوب بناء الخطاب على أسس جذر الصراع القائمة في أحداث نكبة عام 1948 وما نتج عنها، وليس الانطلاق من حرب حزيران 1967 والبناء عليها كجذر مرجعي لبداية الصراع.

وفيما يتعلق بالأرضية المؤسسة لمفاهيم النضال، يمكن الخروج بنتيجة أن كل فلسطيني سواء كان مؤسسة، فرد، مجموعة، بلدية أو حركة، يقوم بإتباع التقسيم الجغرافي السياسي والمفاهيمي الذي خلقته البنية الاستعمارية، إنما يحكم على جهوده بمقاومة هذا المشروع  بالفشل. وننطلق في هذا الجدل من حقيقة أن النضال الفلسطيني يشكل أو يفترض به أن يشكل كلية متكاملة واحدة ليس بسبب مجرد الميل لذلك، بل لأن طبيعة الصراع والحرب الوجودية القائمة ضد كل ما هو فلسطيني تفرض ذلك. منذ بداية الصراع، كان اهتمام وهدف الحركة الصهيونية، ينحصر في القيام بتفريغ الأرض من ساكنيها الأصليين لصالح استعمارها من قبل المستعمرين اليهود الوافدين إليها على جناحي المشروع الصهيوني. كما أن الأيديولوجيا الصهيونية المحركة للمشروع بمجمله ولدولة اسرائيل كذلك، تتنكر للاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني/ أي وجود للشعب الفلسطيني ضمن الأرض التي تقوم عليها. وعليه، حتى بافتراض قابلية الشعب الفلسطيني للتعاطي مع الامر كحقيقة واقعتة، فان هذه الفرضية غير مطلقة، اذ يمكن الانتفاض لاي سبب وفي أي وقت. ولقد ثبت هذا بشكل واضح في مواجهة العديد من القوانين والأوامر العسكرية الإسرائيلية، وكذلك القرارات الصادرة عن محكمة العدل العليا والمحاكم الأدنى في اسرائيل.

كذلك، فإن الأرضية المفاهيمية تشكل باباً هاماً لاقتحام المنظور الاستعماري على مستوى الممارسة القائم على قاعدة "فرق تسد"، والسعي لبناء حالة من الشرذمة السياسية القائمة على التجزئة الجغرافية. فقد كانت اسرائيل  بحاجة ضرورية لقطع الصلات والروابط ما بين الفلسطينيين، أو يمكن القول تدمير العلاقات والروابط التي يرتكز عليها وجود المجتمع الفلسطيني، وهذا ما فعلته عبر النكبة، التي شكلت رأس الحربة في تمزيق النسيج الاجتماعي الفلسطيني. ويتوجب دوما أن نتذكر أن الفلسطينيين الذين نجوا من تبعات التهجير وبقوا في قراهم وأماكنهم الأصلية، لدى كل منهم اليوم جيران وأقرباء ممن هجروا قسرياً، وفقدوا ممتلكاتهم أو أرضهم أو منازلهم التي سكنوها قبل النكبة. ويمكن القول أن كل عائلة فلسطينية قد تأثرت بدرجة أو بأخرى من النكبة. وبعد حالة القطع القسري في العلاقات ما بين الفلسطينيين، قامت اسرائيل بإدامة وتعزيز التقسيم والعزل الجغرافي عبر منعها لاستمرارية العلاقات الاجتماعية أو إعادة استئنافها مع أقربائهم وأفراد عائلاتهم وأصدقائهم الذين هجروا إلى إحدى الدول المحيطة، والتي صنفت من قبل اسرائيل كدول عدوة لها. هكذا وببطء غير معهود، تم تفتير العلاقات والروابط الاجتماعية عبر العقود التي مرت على هذه الحالة. وهذا كان من شأنه تسهيل وتمهيد الدرب أمام خلق التقسيمات والانقسامات السياسية اللاحقة

وفي إطار الرد على التقسيمات القائمة والمحاولات الاستعمارية الحثيثة على إدامتها وتعظيم أثرها، فاننا ننظر إلى منظومة حقوق الإنسان على أنها لا يجب أن تخضع للحدود الجغرافية أو التقسيمات السياسية والمفاهيمة المفروضة بحكم الواقع؛ بل علينا واجب مواجهة هذه الإدخالات والتعامل معها على أنها عابرة في طبيعتها. وعليه، فإن قضية التهجير القسري الداخلي ضمن حدود اسرائيل يستوجب النظر إليها كجزء من كل، أي بمعنى عدم انفصالها عن المظلة الاستعمارية الأوسع بما تشتمل من سياسات إسرائيلية لتهجير الفلسطينيين من مختلف أنحاء فلسطين الانتدابية ومنع عودتهم إليها.

وهذا الفهم بات أكثر ضرورة في إطار عملنا في التعاطي مع السعي الفلسطيني للحرية ونيل الحقوق المستحقة. ونقول ذلك لان مثل هذا الشكل من الفهم إنما يفرض ذاته كمحرك/موجه للغة الخطاب والمصطلحات والتحليل المستخدم في التعاطي مع الصراع والنضال الحقوقي. وكمنظمات وناشطين في مجال حقوق الإنسان، نحن مطالبون بتوخي أقصى مستويات الحذر فيما يتعلق بالأرضية المفاهيمية التي نرتضيها قاعدة لعملنا وفهمنا.

وبشكل عفوي، ومع الوقت، وجدنا أنفسنا قد وقعنا في فخ استخدام المفاهيم الإسرائيلية، ببساطة لان الخطاب الدارج مسيطر عليه إسرائيليا. فعلى سبيل المثال، التصنيف المفاهيمي "للبدو" الذي توظفه اسرائيل لوصف السكان الفلسطينيين في صحراء النقب، كان قد انشئ ووظف بهدف فصلهم وعزلهم عن بقية الفلسطينيين وتمييزهم عنهم. وللأسف نجد أن بعض الفلسطينيين أنفسهم يستخدمون هذه التسمية، أي البدو بدون ربطهم بهويتهم الفلسطينية، وبدون التعامل مع تهجير البدو الفلسطينيين في النقب كجزء من إجمالي عملية التهجير التي يواجهها الفلسطينيون منذ سبعة عقود داخل حدود فلسطين الانتدابية وخارجها. وهذ الوصف يشتمل على ملايين الفلسطينيين المهجرين إلى الشتات والذين يعانون من منعهم من العودة إلى أماكنهم الأصلية حتى الآن

وإذا كان هدف المجتمع المدني ومنظماته يتمثل في النضال ضد عملية التهجير القسري الاستعمارية للفلسطينيين، فهذا يتطلب كنقطة بداية استخدام لغة ومفاهيم مشتركة ومنسجمة، كجزء من النضال المشترك والموحد ضد المنظومة الاستعمارية، التي تسعى لإنهاء كل ما هو وجود فلسطيني في أنحاء فلسطين الانتدابية. لا ينبغي علينا، حتى ولو بشكل غير مباشر او غير مقصود، دعم مساعي المشروع الاستعماري عبر استنساخ أو استقبال بعض من مفاهيمة واصطلاحاته الخطابية. بعض الناس يعتقدون أن اللجوء لمثل هذه الاقتباسات والاصطلاحات "المخففة/الملطفةيسهم في تسهيل إقناع ومحاكاة نظرائهم/مموليهم، الامر الذي يظهرهم غير جذريين أو متناقضين نظراً لأن الآخرين لديهم متطلبات محددة في شكل ونوع المفاهيم المستخدمة في العمل المشترك. ولكن عند التكيف مع لغة الآخرين، فإن الناس تفقد القدرة على التأثير في الآخرين، لأنهم  قد تبنوا أفكار الآخرين عبر الاندراج ضمن إطار مصطلحاتهم.

إذن يتوجب على منظمات حقوق الإنسان أن تنظر بحذر وتمعن للأبعاد المتعلقة بالزمان والمكان. ونقصد بالزمان هنا، نقطة التأصيل لبداية الصراع في فلسطين على أنها النكبة عام 1948، وليس أي حدث مؤسس عليها ولاحق لها، أما المكان فنقصد به ضرورة النظر الموحد لكل فلسطين، واعتبار أن ما يجري اليوم في بيت لحم أو حيفا أو غزة أو النقب...الخ، مرتبط ببعضه البعض ضمن وحدة جغرافية واحدة هي فلسطين.

وعلينا كذلك الإمساك بخيوط خطاب"نا"، وهذا يتطلب التأسيس المتكامل للغة والاصطلاحات المستخدمة. ففي المحصلة الأخيرة يتضح أن كافة العناصر مرتبطة بالأرضية المفاهيمية وما ينبت عنها من اصطلاحات وتسميات، وهذا بسبب الهيمنة الصهيونية على الخطاب محلياً ودولياً، إذ نجد أن غالبية المؤسسات والمنظمات الدولية وكبرياتها تعتمد السردية الإسرائيلية. ومن هنا تجدر الدعوة لحركة سردية مضادة للهيمنة السردية والاصطلاحية الصهيونية، بحيث تسعى لإيضاح الحقائق كما هي فعلا على أرض الواقع، وليس ما يتم تصويره من قبل الأدلة الدعائية الاستعمارية او وفق ما هو مقبول غربيا.

-----------------------------    

*أمجد القسيس: منسق المناصرة القانونية في مركز بديل.