×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الإطار القانوني لمعاملة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين لوائح مصلحة السجون في عين القانون الدولي

ملصق جداري، القدس ٢٠١٣ (تصوير: محفوظ أبو ترك) ملصق جداري، القدس ٢٠١٣ (تصوير: محفوظ أبو ترك)

بقلم: مراد جاد الله*

"لا ينتهي الشبه بين السجن الصغير والسجن الكبير فلسطينياً عند هذا الحدّ. بل هناك تشابه بالقراءة الخاطئة والمعالجات التقليدية العاجزة عن النهوض بالقضية الفلسطينية كما هو النهوض بقضية الأسرى" 

(وليد دقة - من دراسة صهر الوعي).

خلفية تاريخية

منذ العام 1967، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 750 ألف فلسطيني، وهو ما يشكل 20% من مجموع سكان الأرض الفلسطينية المحتلة، و40% من الذكور. وتشير الإحصائيات إلى أن اسرائيل تعتقل سنوياً ما بين 3000 و5000 فلسطيني، من بينهم 700 طفل، ولا تزال تواصل حتى اليوم، اعتقال 5000 فلسطيني في سجونها.

 

إن إقدام قوات الاحتلال على اعتقال آلاف الفلسطينيين من الأطفال والشيوخ والنساء والرجال على امتداد الأرض الفلسطينية المحتلة، لا يمكن تبريره بالدواعي الأمنية كما تزعم قوات الاحتلال، بل ما هي إلا أداة مكملة لما تمارسه قوات الاحتلال منذ العام 1948 بحق شعبنا، من "إبادة مجتمعية" تتجلى من خلال التطهير العرقي والمكاني للفلسطينيين من أرضهم التاريخية، خدمة لمشروعها الاستيطاني الكولونيالي الإحلالي، الذي يعتمد في تطبيقاته على ارتكاب أفظع الجرائم من قتل وسلب وتهجير، واستيطان واقتلاع للأشجار والمزروعات وتزوير للحقائق والتاريخ.

وما زالت سياسة الاعتقالات تشكل أحد أعمدة هذا المشروع المتواصل، وتهدف في حقيقتها إلى كي وعي أبناء الشعب الفلسطيني، وكسر أرادة مقاومة مجتمعنا، وقتل نموه وحيويته وديمومته. بل يروم الاحتلال حقيقة إلى كي وعي الشعب الفلسطيني، وعزل مقاومته، وتطويعه، وتركيعه، وإرغامه على التخلي عن حقوقه التاريخية، وقبول الأمر الواقع دون مقاومة.

وتتعمد قوات الاحتلال استخدام شتى صنوف التعذيب وغيرها من المعاملة القاسية والمهينة واللا إنسانية بحق الأسرى والمعتقلين على طوال مراحل الاعتقال، وليس فقط إبان فترات التحقيق، حيث يشكل التعذيب انتهاكاً جسيماً لمقررات القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وجريمة ترقى لاعتبارها من جرائم الحرب التي لا تسقط بالتقادم، والتي تستوجب المساءلة والمحاسبة القانونية.

أسس التعاطي مع المقاتلين الفلسطينيين في "السجون" الإسرائيلية

عقب قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي ببسط سيطرتها على ما تبقى من الأرض الفلسطينية في الخامس من حزيران من العام 1967، أصدر القائد العسكري التابع لقوات الاحتلال "حاييم هرتسوغ"، الأمر العسكري رقم (3).  وقد جاء في مادته 35 "أنه يترتب على المحكمة العسكرية تطبيق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة في 12 آب 1949 بخصوص حماية المدنيين أثناء الحرب والاحتلال، والتأكيد على أن تلتزم المحكمة العسكرية بتطبيق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة فيما يتعلق بالإجراءات القضائية، وإذا وجد تناقض بين هذا الأمر وبين الاتفاقية فتكون الأفضلية لأحكام اتفاقية جنيف".

غير أن القيادة العسكرية لقوات الاحتلال، سرعان ما تنصلت من التزامها بتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة، ومعاملة المدنيين الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال بموجب ما قررته تلك الاتفاقية من إجراءات قضائية، تضمن حق المحاكمة العادلة.

وأصدر القائد العسكري لمنطقة قطاع غزة وشمال سيناء يوم الحادي عشر من تشرن أول 1967 الأمر العسكري (107)، وأصدر القائد العسكري للضفة الغربية في يوم الثالث والعشرين من الشهر عينه، الأمر العسكري رقم (144)، الذي نص على أن "أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لا تتمتع بالسمو والأفضلية على القانون الإسرائيلي وتعليمات القيادة العسكرية، وأن ما تضمنته المادة 35 من الأمر العسكري رقم (3) من إشارة إلى اتفاقية جنيف الرابعة قد جاء بطريق الخطأ".

ومنذ ذلك الوقت، ترفض دولة الاحتلال الاعتراف بانطباق اتفاقيات جنيف على الأرض الفلسطينية المحتلة، بحجة أنها لم تحتل من دولة ذات سيادة، على اعتبار أن المملكة الأردنية وجمهورية مصر العربية كانتا تقومان بإدارة الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم تكونا صاحبتي سيادة عليهما.

وترفض دولة الاحتلال معاملة المقاتلين الفلسطينيين بموجب اتفاقية جنيف الثالثة، على اعتبار أن صفة أسرى الحرب لا تنطبق إلا على أفراد القوات المسلحة، وأعضاء حركات المقاومة المنظمة لأحد أطراف النزاع.  وبما أن المقاومين الفلسطينيين لا ينتمون إلى أي دولة، فإنهم غير مؤهلين للحصول على مكانة أسرى الحرب.

وهذا الدفع يتجاهل ما نصت عليه أحكام المادة الرابعة من البروتوكول الإضافي الأول الملحق في اتفاقيات جنيف في العام 1977، التي نصت في فقرتها الرابعة على أن مكانة أسرى الحرب تمتد لتنطبق على "النزاعات المسلحة التي تناضل الشعوب فيها ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير، كما كرسه ميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقاً لميثاق الأمم المتحدة".

وفي محاولة لنزع الشرعية عن كفاح الشعب الفلسطيني من أجل تقرير مصيره، لا تعترف دولة الاحتلال بمن يشاركون في أعمال المقاومة ضد احتلالها الأرض الفلسطينية المحتلة، باعتبارهم مقاتلين من أجل الحرية، إذ أن هذا الاعتراف سيضفي المشروعية على القضية التي تحركهم، كما عبر المقرر الخاص السابق السيد جون دوغارد في ورقة قدمها أمام الأمم المتحدة حول الوضع القانوني للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في نيسان من العام 2012.1 وبدلاً من ذلك، فإن دولة الاحتلال تعاملهم على اعتبارهم سجناء لأسباب أمنية وإرهابيين لا حقوق لهم. وبعد انسحابها أحادي الجانب من قطاع غزة في العام 2005، بدأت دولة الاحتلال تصنف بعض معتقلي القطاع باعتبارهم "مقاتلين غير شرعيين"، كما في حالة المعتقل محمود السرسك (25 عاماً) الذي كان معتقلا منذ العام 2009.2

ولا تكتفي دولة الاحتلال بحرمان الأسرى الفلسطينيين من حقوقهم المكفولة لهم بموجب اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بأسرى الحرب، بل يمتد هذا الحرمان ليطال بقية المعتقلين الفلسطينيين المدنيين المحميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.

وعلى اعتبار أن صفة ومكانة أسير حرب قد لا تنطبق إلا على مئات المعتقلين الفلسطينيين، فإن السواد الأعظم منهم هم من المدنيين المحميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة؛ سواء من حملوا السلاح في وجه قوات الاحتلال على مدار سنوات احتلالها الأرض الفلسطينية المحتلة منذ حزيران 1967، أو المدنيين الذي شاركوا في الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة.

هذا وتقوم قوات الاحتلال باعتقال المئات من المدنيين المحميين سنوياً، وأحيانا الآلاف كما في ذروة الانتفاضات، بموجب أوامر اعتقال إداري صادرة عن القائد العسكري بشكل متعسف ومنافٍ لما نصت عليه المادتان (42) و(78) من اتفاقية جنيف الرابعة اللتان أجازتا الاعتقال الإداري في الحالات التي يقتضي فيها أمن الدولة بصورة مطلقة أو لأسباب أمنية قهرية ولفترة زمنية قصيرة وليس لعدة سنوات كما تفعل قوات الاحتلال.

خلاصة القول، إن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، يحرمون من صفتهم كأسرى حرب، ومقاتلين من أجل الحرية، وبهذا فهم يحرمون من الحماية المقررة لهم وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وبدل ذلك تجري معاملتهم وفق لوائح خاصة صادرة عن مصلحة السجون الإسرائيلية خاصة "بالسجناء الأمنيين"، ولا تكتفي لوائح مصلحة السجون الإسرائيلية بنزع الشرعية عن نضال الأسرى وقضيتهم العادلة، بل تذهب إلى حد هدر إنسانيتهم وكرامتهم.

فعند النظر في "لوائح مصلحة السجون الإسرائيلية الخاصة بالسجناء الأمنيين" وفي مقدمتها "قواعد عمل بخصوص السجناء الأمنيين 00/02/03، للعام 2008"، يتضح أن مفهوم "القانون" لدى السياسيين ومتخذي القرار في مختلف المؤسسات والدوائر الإسرائيلية يتسم بالأداتية (instrumental concept of law)، الأمر الذي يجعل من القانون أداة لتنفيذ أهداف معينة، لا معياراً أخلاقياً يعكس قيماً ومعايير اجتماعية، لكونه مجرد أداة يتم تغييره حين لا يلائم الأهداف الحالية.

من هذا المنظور، يجب النظر إلى لوائح مصلحة السجون الإسرائيلية الخاصة بالأسرى الفلسطينيين لتوضيح هذا الدور الأداتي، وهذا ما يفسر رفضها الاعتراف بانطباق اتفاقيات جنيف على الأرض الفلسطينية المحتلة وعلى الأسرى الفلسطينيين، ويجري استخدام تعبير امتيازات وليس حقوق لتسهيل عملية سحب هذه الحقوق باعتبارها امتيازات مردها حسن النية، وليس الاعتراف بـإنسانية الأسير وحقوقه.

الوضع القانوني للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين بموجب لوائح مصلحة السجون الإسرائيلية

يقسم السجناء في السجون الإسرائيلية إلى فئتين: السجناء "الجنائيون"، السجناء "الأمنيون"، ويندرج المعتقلون الإداريون والمعتقلون بموجب قانون المقاتل غير الشرعي ضمن فئة السجناء الأمنيين.

ولا تعرّف أوامر مصلحة السجون ولوائحها من هو" السجين الجنائي"، ولكنها تعرف "السجين الأمني" في الأمر بتعليمات رقم (00/02/03). والأغلبية الساحقة من السجناء الأمنيين هم من الفلسطينيين، إلا أنه يوجد سجناء يهود مصنفون باعتبارهم "سجناء أمنيين". وبموجب الصيغة الجديدة للوائح مصلحة السجون الإسرائيلية، تحل على كل واحدة منها لوائح خاصة تبين حقوقهم وواجباتهم والقواعد الانضباطية الخاصة بهم. وهم على النحو التالي:

1.      السجناء الجنائيون: يعامل السجناء الجنائيون بموجب لوائح خاصة تميز بينهم وبين بقية المعتقلين الأمنيين، وهذه الورقة لا تتطرق إلى هذه الفئة من السجناء إلا من باب المقارنة الكفيلة بتوضيح ظروف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين ومعاملتهم.

2.      السجناء الأمنيون: تطلق مصلحة السجون صفة السجين الأمني "على كل من أدين وحكم عليه جراء ارتكاب جنحة، أو أنه معتقل جراء الاشتباه بتنفيذه لجنحة، التي بناءً على ماهيتها أو ظروفها، صنفت على أنها جنحة أمنية ساطعة، أو أن الدافع لارتكبها كان على خلفية قومية".3 ويعامل الأسرى المعتقلون المصنفون تحت هذه التسمية بموجب الأمر بتعليمات رقم (00/02/03)، والمسمى "قواعد عمل بخصوص السجناء الأمنيين"،4 الذي نص في مادته الأولى (أ)، على أن تعليمات هذا الأمر بخصوص السجناء المحكومين والمعتقلين ضد أمن الدولة (تطغى) على أي أمر آخر صادر عن مصلحة السجون يتعارض معه.

الدور الخدماتي للوائح مصلحة السجون الإسرائيلية الخاصة بهم، باعتبارها مخالفة لما نصت عليه المواثيق والاتفاقيات الدولية، يجعلها أداة طيعة في يد مختلف أجهزة مصلحة السجون في الاستمرار في التنكر لحقوق المعتقلين الفلسطينيين، وارتكاب الجرائم بحقهم، وقيامها بتوفير الغطاء القانوني الحاجب لأي عملية محاسبة قانونية ضمن النظام القضائي لدولة الاحتلال. إلا أن لوائح مصلحة السجون هذه، لا توضح الأسس القانونية والإجرائية الخاصة بنقل الأسرى والمعتقلين، وهو ما يشكل بحد ذاته، غطاءً لممارسات هذه الوحدات، وما تقترفه من جرائم بحق الأسرى المعتقلين الفلسطينيين، وحصانة لها من أي محاسبة قانونية ذات معنى.

3.      المعتقلون الإداريون: يعرّف الاعتقال الإداري استناداً إلى القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة تحديداً، بأنه حرمان شخص ما من حريته بناءً على أمر من السلطة التنفيذية، وليس القضائية،  دون توجيه تهم جنائية أو أمنية ضد المحتجز أو المعتقل إدارياً.

يعتقل مئات الفلسطينيين سنوياً بموجب أوامر اعتقال إداري صادرة عن القائد العسكري في الأرض الفلسطينية المحتلة بحق الأشخاص الذين تتوفر معلومات تفيد بأنهم يشكلون خطراً على أمن المنطقة وأمن دولة الاحتلال. وتراوحت أعداد المعتقلين الإداريين الفلسطينيين في سجون الاحتلال خلال العام 2011 والعام 2012، ما بين 250 إلى 300 معتقل يعاملون بموجب الأمر بتعليمات رقم (00/02/04) المسمى "شروط الاحتجاز في الاعتقال الإداري".

4.      المقاتلون غير الشرعيين: تعرّف لوائح مصلحة السجون "المقاتل غير الشرعي" بأنه "كل إنسان محتجز في السجن بقوة أمر اعتقال موقع من قبل رئيس الأركان، ولا يستحق مكانة أسير حرب".5  وقد اعتقل عشرات الفلسطينيين من قطاع غزة المحتل بموجب هذا القانون، وبخاصة أثناء العدوان الحربي في كانون الأول/ديسمبر 2008 وكانون الثاني/يناير 2009.

تتعامل أوامر مصلحة السجون مع "السجناء الأمنيين" وفق منطق جمعي دون اعتبار للاختلافات العمرية، أو الظروف الصحية، ودرجة خطورة "السجين".  ويوضح البند 1 (ب) من أمر مصلحة السجون (03/02/2000)، منطق مصلحة السجون الذي يقف وراء هذا التصنيف الجمعي للسجناء الأمنيين بالقول: "توجد في أوساط السجناء المحكوم عليهم جراء جنح ضد أمن الدولة، عادة، احتمالات كامنة حقيقية لتشكيل الخطر على أمن الدولة، عموماً، وعلى النظام والطاعة في السجون، خصوصاً، وذلك في ضوء نوع الجنحة التي ارتكبوها وماضيهم ودوافعهم وضلوعهم في عمليات ضد أمن الدولة. حتى إن غالبية هؤلاء السجناء مرتبطون بتنظيمات إرهابية وهذا الرابط يخفي في ثناياه أخطاراً خاصة على النظام والطاعة في السجن، وعلى أمن الدولة، ويلزم الخطر الأمني من جهة السجناء "الأمنيين" حبسهم منفصلين عن السجناء الجنائيين، كما يلزم فرض تقييدات خاصة عليهم في كل ما يخص علاقتهم مع الخارج، ومن بين هذه المسائل الإجازات، والزيارات، والمكالمات الهاتفية، وزيارات الاختلاء".

وإذا ما علمنا أن البند (ج/3) من أمر مصلحة السجون الإسرائيلية رقم (03/02/2000)، الذي يعدد التنظيمات العدائية (الإرهابية)، لا يتضمن أي تنظيم يهودي، فإنه يمكننا القول إن الاستثناءين اللذين يمكنان من منع فرض التقييدات على سجين مصنف على أنه "أمني" هو أن هذا السجين لم يكن عضواً في تنظيم معادٍ، ولم يمد يد العون لتنظيم معاد، وقدمت مذكرة من "الشاباكّ" بأنه لا يستشرف خطراً قد يمس أمن الدولة من عدم فرض التقييدات الخاصة عليه.

وفي هذا تقول المحامية عبير بكر، من خلال قراءة الاستثناء أعلاه (صلة السجين بتنظيم معاد)، إنه يمكن أن يثار الانطباع بأن الحديث يدور عن بند يعبر عن توجه فرداني للسجين، يستند إلى تقييم مستوى خطورته الفردية على الرغم من كونه مصنفاً "أمنياً". إلا أن هذا التوجه الفرداني يتجاوز الغالبية الساحقة من السجناء الفلسطينيين المصنفين "أمنياً"، ويأتي لخدمة السجناء اليهود المصنفين أمنيين في أساسه.6  ويلتقي تحليل المحامية بكر مع ما قاله وليد دقة الذي يؤكد أن "تعريف "سجناء أمنيون" وضعته أجهزة الأمن وأولها مصلحة السجون. وقد تطور من تعريف فارغ إلى "حاجات إدارية" وفقاً لأمر أصدرته سلطة السجون، ثم حظي بمكانة قانونية جديدة لدى الأجهزة المختلفة.  هذه المكانة تشرعن اليوم إساءة ظروف سجن السجناء الأمنيين قياساً بظروف السجناء الذين يجري تعريفهم بـ"الجنائيين".7

واقع المساعدات القانونية

إن المساعدة القانونية لقضايا الأسرى والمعتقلين قد شهدت تطوراً مهماً على أصعدة عدة، لعل من أهمها وأبرزها تطور مفهوم المساعدة القانونية نفسه، الذي لم يتوقف عند تقديم خدمات المرافعة القانونية ومجانيتها وتوثيق انتهاكات حقوق الأسرى والمعتقلين. فخلال العقدين الماضيين، تطور أداء هذه المؤسسات القانوني والتوثيقي والدعائي، "مخاطبة الرأي العام العالمي"، والتعريف بقضية الأسرى والمعتقلين وحماية حقوقهم.

واليوم يمكننا القول إن مفهوم المساعدة القانونية قد اكتسب قوة جديدة بتفعيل المساءلة الدولية لانتهاكات الاحتلال، من خلال الآليات التي توفرها الاتفاقيات الدولية الحقوقية، ومخاطبة لجان الشكاوى الدولية، ورفد مختلف أجهزة الأمم المتحدة بالتقارير المفصلة والمهمة حول انتهاكات "إسرائيل" لالتزاماتها؛ سواء باعتبارها قوة الاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة، أو بموجب عضويتها في الأمم المتحدة، الأمر وإن لم ينهِ تصرف دولة الاحتلال باعتبارها دولةً فوق القانون الدولي والمحاسبة الدولية، فإنه أسهم ويسهم في تفعيل قضية الأسرى والمعتقلين على المستوى الدولي، ووضع دولة الاحتلال في موقع الدفاع والتبرير عن ديمقراطيتها الزائفة، ويؤسس لمحاسبتها مستقبلاً.

غير أن تعاظم دور المؤسسات الحقوقي والسياسي، إن جاز لنا التعبير، يرتبط بتراجع دور القوى الوطنية في دعم وإسناد الأسرى والمعتقلين، وازدياد اتّكالها على المؤسسات الحقوقية في الاهتمام بهم وبقضيتهم. ومع تفكك وترهل بناها التنظيمية، لم تعد تلك القوى والفصائل تقوم بدورها على صعيد تحصين المناضلين قبل الاعتقال، جراء غياب البرامج التربوية والتثقيفية، ولم تعد هي الجهة التي تتولى تأمين صمود ذويهم، ما أضاف أعباء جديدة على مؤسسات المساعدة القانونية، وأخذت لدى الكثير من المؤسسات منحىً خدماتياً.

كما أن الاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال أفقدت المؤسسة السياسية الرسمية وبعض مكوناتها، القدرة والحيوية على الدعوة إلى مقاطعة دولة الاحتلال، وفرض العقوبات عليها، والشروع الجدي في محاسبتها على جرائمها.

غير أن عمل المؤسسات التي تقدم المساعدة القانونية، وعلى الرغم من ارتقائه وتطوره في العقدين الماضيين، فإنه ظل محدود الإنجازات، وعاجزاً عن إحداث نقلة نوعية في أحكام القضاء العسكري والإسرائيلي، بما يوفر ضمانات المحاكمة العادلة للمعتقلين، ويصون كرامتهم وحقوقهم، باعتبارهم أسرى حرب ومقاتلين/مناضلين من أجل الحرية.

يعود هذا العجز لجملة أسباب مركبة ومتداخلة، لعل من أهمها استناد أحكام القضاء الاحتلالي إلى أزيد من 1700 أمر عسكري احتلالي تجرم ممارسة الفلسطيني لحقوقه المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

كما تحرم هذه الأوامر العسكرية الفلسطيني من ضمانات المحاكمة العادلة، بل إن المحاكم العسكرية التي أقامتها قوات الاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة، تمثل تعدياً سافراً على القانون الدولي الإنساني من حيث نشأتها، وهياكلها، وقوانينها، وبخاصة اتفاقية جنيف الرابعة في مادتيها (64) و(66)، اللتين اشترطتا أن يتم تقديم المتهمين من سكان الأرض المحتلة أمام المحاكم العسكرية، وبأن تكون مشكلة تشكيلاً قانونياً، وشريطة أن تعقد هذه المحاكم في البلد الواقع تحت الاحتلال.

وفي دراسة بحثية قامت بها مؤسسة الضمير في تشرين الثاني/نوفمبر 2009، بغرض الوقوف على واقع المحاكم العسكرية الاحتلالية، ومدى توفيرها لضمانات المحاكمة العادلة للمعتقلين، كشفت الدراسة من خلال الأمثلة الموثقة عن وقوع انتهاكات خطيرة، ومنها:

-        الحق في المطالبة بلائحة اتهام.

-        الحق في إعداد دفاع فعال.

-        الحق في المحاكمة دون تأخير لا مبرر له.8

-        الحق في الترجمة الفورية الشفوية.

-        الحق في الامتناع عن تجريم الذات.

-        الحق في افتراض البراءة.

-        الحق في استدعاء الشهود واستجوابهم.

-        الحق في الحصول على محاكمة قضائية نزيهة ومستقلة.

ما خلصت إليه دراسة الضمير أعلاه من استنتاجات تتفق عليها كافة المؤسسات الحقوقية الفلسطينية العاملة في مجال تقديم المساعدة القانونية للأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال، يرفع الصوت عالياً لوقفة تقييمية جادة حول جدوى استمرار الترافع أمام هذه المحاكم.

فمن الواضح جداً، أن استمرار التعامل والترافع أمام المحاكم العسكرية، يسهم في صبغ الشرعية على المحاكم العسكرية والأوامر العسكرية المعمول بها في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبالتالي أحكام تلك المحاكم.

تدفع أحكام المحاكم العسكرية المحامين الفلسطينيين إلى تفضيل عقد الصفقات مع النيابة العسكرية، وبالتالي صرف النظر عن استنفاذ الإجراءات القضائية تجنباً للأحكام الانتقامية من المعتقل ومحاميه على حد سواء.

وتهدف المحاكم العسكرية والنيابة العسكرية من وراء ذلك أولاً، إلى تخفيف العبء عن نفسهابإغلاق أكبر عدد ممكن من الملفات،وهو الأمر الذي يسهل مهمة قوات الاحتلال في الاستمرار في اعتقال الفلسطينيين، وثانياً تنجح النيابة العسكرية وأحكام القضاء في تجريم وإدانة ممارسة الفلسطينيين لحقوقهم، ما ينزع الشرعية عن نضالهم ومقاومتهم، ذلك أن الصفقات تثبت الإدانة.

وهذا ما يثبته تقرير المحاكم العسكرية للعام 2010، الذي أشار إلى أن المحاكم العسكرية (عوفر، وسالم) نظرت خلال العام 2010 في 9542 ملفاً، منها 2016 ملفاً على خلفية "القيام بعمل تخريبي معادٍ"، و763 ملفاً بتهمة "الإخلال بالنظام العام"، وهو ما يعني ارتفاعاً نسبته 3% في عدد الملفات التي أغلقت قياساً بنتائج العام 2009، حيث أنهت المحاكم العسكرية النظر في 9231 ملفاً، منها 2659 ملفاً بتهمة القيام بعمل تخريبي معادٍ، و738 ملفاً بتهمة الإخلال بالنظام العام.

وأظهر التقرير حقيقة فاجعة للحريصين على نوعية المساعدة القانونية، حيث بيّن أن عدد الملفات التي تم فيها استنفاذ الإجراءات القانونية كافة خلال العام 2010، لم يزد على 82 ملفاً، من أصل 9542 ملفاً، الأمر الذي أظهر انخفاضاً نسبته 3% عما كانت عليه في العام 2009 في عدد الملفات التي تم فيها استنفاذ الإجراءات القانونية كافة وحسم الإدانة، ما يعني أن بقية الملفات حسمت بموجب "صفقات" تعقد بين محامي الدفاع والنيابة العسكرية.

وكما أظهر التقرير انخفاض عدد الحالات التي تمت فيها تبرئة المتهمين، الذين استنفذوا الإجراءات القانونية كافة، تبرئة كاملة من كافة بنود لائحة الاتهام، إذ بلغت 25 ملفاً من أصل 82 ملفاً.

وبين التقرير أنه تم شطب بند واحد فقط من لائحة الاتهام في 40% من الملفات، التي غالباً ما تتكون من بنود عدة، والتي نظرت فيها المحاكم العسكرية خلال العام 2010.

وهنا لا يفوتنا التأكيد على أن  الكثير من لوائح الاتهام ترتكز على إفادات منتزعة من المعتقل تحت التعذيب الجسدي والنفسي.

وتؤكد تقارير المؤسسات الحقوقية أن النظام القانوني الإسرائيلي بشقيه المدني والعسكري، يسمح باستمرار التعذيب، ويحول دون تحقيق المساءلة القانونية، حيث أنه على الرغم من تقديم أكثر من 700 شكوى ضد التعذيب خلال العقد الماضي، لم يفتح تحقيق جنائي في أيٍّ من هذه الشكاوى، وبالتالي لم توجه لوائح اتّهام، ولم تتم مقاضاة أو إدانة أيٍّ من محققي جهاز الأمن العام الإسرائيلي.

ففي الوقت الذي لم تفلح فيه المساعدة القانونية أمام المحاكم العسكرية في تحقيق العدالة للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، فإنها استمرت في صبغ الشرعية على النظام القانوني والقضائي لقوة الاحتلال، ولا شك أن مرد ذلك يعود إلى غياب الإستراتيجية الفلسطينية القانونية.

إضافة إلى كل ذلك، بات اعتقال الفلسطينيين من قبل قوات الاحتلال مصدر دخل لا يجوز الاستخفاف به، حيث تشير تقارير المحاكم العسكرية نفسها إلى أن مجموع الغرامات المالية التي فرضت على المعتقلين الفلسطينيين خلال العام 2010، بلغت 15.940.910 شواقل جديدة.

كما تقوم قوات مصلحة السجون بفرض الغرامات المالية الباهظة والمتعسفة والانتقامية على الأسرى والمعتقلين في أقسامهم، بحجة مخالفتهم لما يعرف بلوائح مصلحة السجون الخاصة لمن تسميهم "السجناء الأمنيين".

وتقوم وزارة الأسرى بتسديد جزء كبير من هذه الغرامات التي تصل إلى ملايين الشواقل سنوياً، فيما تقوم مصلحة السجون باقتطاع مبلغ الغرامات من حسابات الكانتين الخاصة بالأسرى والمعتقلين.

جدير بالقول إن مصلحة السجون لا تقوم بترجمة تلك اللوائح ولا نشرها في الأقسام، وبذلك فإن الأسرى والمعتقلين يعاقبون بموجب "قواعد انضباطية" لم يطلعوا عليها، وبذلك فهم لا يعرفون ما هو مسموح، وما هو محظور بموجبها.

وعلى صعيد آخر، تفيد تقديرات مؤسسة الضمير برفض أكثر من 90% من الالتماسات المقدمة لتحسين ظروف المعتقلين والأسرى في سجون الاحتلال، أو للتظلم على بعض ممارسات وسياسات قوات مصلحة السجون، التي تنظر فيها المحاكم المركزية والمحكمة العليا الإسرائيلية.

---------------------------------

*مراد جاد الله: ناشط في الحراك الشعبي الداعم لنضال الحركة الأسيرة، مختص قانوني في مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان-رام الله.

 


[1]جون دوغارد أستاذ القانون الدولي في جامعة ليدن/أمستردام – هولندا، والمقرر الخاص السابق المعني بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة.  ورقة مقدمة في اجتماع الأمم المتحدة المعني بقضية فلسطين الذي عقد بتاريخ الثالث والرابع من شهر نيسان/أبريل من العام 2012 في مدينة جنيف/سويسرا، حول الوضع القانوني للسجناء الفلسطينيين في سجون الاحتلال. الورقة متوفرة على موقع منظمة الأمم المتحدة باللغة العربية على الرابط التالي: http://www.un.org/depts/dpa/qpal/docs/2012%20Geneva/P2%20John%20Dugard%20AR.pdf

[2]اعتقلت قوات الاحتلال لاعب كرة القدم محمود السرسك (25 عاماً) أثناء محاولته المرور عبر الحاجز العسكري الذي يقطع الطريق بين قطاع غزة والضفة الغربية في تاريخ 22 تموز من العام 2009، واحتجزته تعسفاً قرابة ثلاث سنوات بموجب قانون المقاتل غير الشرعي، وأفرج عنه في تاريخ 10 تموز 2012 بعد إضرابه عن الطعام لمدة 92  يوماً.

[3]بكر، عبير. تعريف السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية كـ "سجناء أمنيين" – الدلالة أمنية للتمويه على الممارسة السياسية.  منشورات مركز عدالة (دفاتر عدالة، العدد الخامس. 2009 ).

[4]والمحدث في تاريخ 30 /10/2010.

[5]سنَّ الكنيست الإسرائيلي في شهر آذار من العام 2002، قانون "المقاتل غير الشرعي" (2002)،ويعد هذا القانون شكلاً من أشكال الاعتقال الإداري مع بعض الفروقات البسيطة التي تحرم المعتقل من ضمانات المحاكمة العادلة.  وعلى غرار الاعتقال الإداري، يسمح قانون المقاتل غير الشرعي لوزير الأمن الداخلي أو من يخوله بدل القائد العسكري أن يصدر قرار اعتقال بحق أي شخص من قطاع غزة باعتباره مقاتلاً غير شرعي لمدة مفتوحة، ودون تحديد موعد لإطلاق سراحه، ودون تقديم لائحة اتهام بحقه، اعتماداً على مواد سرية يطلع عليها القاضي فقط، ولا يتم إطلاع المتهم ومحامي الدفاع عليه.

 

[6]للإطلاع على تحليل المحامية عبير بكر لمضمون الاستثناءين، انظر: بكر، عبير.  "تعريف السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية كـ "سجناء أمنيين – الدلالة أمنية للتمويه على الممارسة السياسية".  دفاتر عدالة "العدد الخامس، 2009.

[7]دقة، وليد.  "سجناء أمنيون أم سجناء سياسيون".  مجلة عدالة الإلكترونية، العدد الرابع والعشرين، نيسان 2006.

[8]من الأدلة الصارخة على انتهاك المحاكم العسكرية لهذا الحق، يكفي التذكير بما يتعرض له النائب عن حركة فتح "جمال الطيراوي"، المعتقل منذ 29/5/2007، ولم يصدر حكم بحقه إلى اليوم (وقت كتابة التقرير)، علماً أنه يمثل أمام المحكمة بمعدل مرة كل أسبوعين، ما يعني أنه خلال العام 2009 فقط، مثل قرابة 25 مرة، ومنذ اعتقاله إلى نهاية 2009 ما يزيد على 50 جلسة، بما يعنيه ذلك من مشقة وتعذيب نفسي وجسدي.