×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

هناك قاتل وليس انتفاضة ثالثة

كاريكاتير :الفنان محمد سباعنة كاريكاتير :الفنان محمد سباعنة

بقلم عيسى قراقع*

أسئلة اندلاع انتفاضة ثالثة طغت على الصحافة الإسرائيلية في الآونة الأخيرة، في ضوء تصاعد الهبة الشعبية التضامنية مع الأسرى المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال، وفي ظل سيناريوهات عسكرية عن استعداد الجيش الاسرائيلي لمواجهة اندلاع شرارة الانتفاضة واتهامات للسلطة الفلسطينية بالوقوف وراءها.

حكومة إسرائيل تعتبر أن صراخ أمهات الأسرى، وشكوى الضحايا، والكلام الغاضب عن عذابات المعتقلين وسلب حقوقهم، وزجهم سنوات طويلة في السجون، تعتبره انتفاضة؛ كأن الضحية محرم عليها أن تدافع عن كونها ضحية وأن ينتفض وجعها الإنساني في كل مكان.

إن إضراب الأسرى الأطول في التاريخ، ومشهد صورهم هياكل عظمية، وأجسام محطمة، يحوم الموت فوق رؤوسهم، لا يثير المشاعر في قاموس الدولة العبرية، ويجب أن لا يحرك الضمائر ويفتح أحكام مواثيق حقوق الإنسان وقرارات الأمم المتحدة ومبادئ العدالة الدولية.

ولأن الإسرائيليين تعلموا أن يتحولوا إلى جنود آليين، مسلوبي المشاعر، يجيدون نزع صفة الإنسانية عن الفلسطينيين، ويعتقدون أن الشعب الفلسطيني شعبا ليس من البشر، يتقنون فقط إطلاق النار، فإنهم يجدون أن مظاهر الاحتجاج الشعبي، بكاء الأمهات، قلق الناس على حياة الأسرى هو انتفاضة تهدد أركان دولة إسرائيل.

هناك قاتل خلف أسلاك وجدران مراكز التحقيق، مارس التعذيب الوحشي بحق الاسير عرفات جرادات حتى سقط شهيدا. هناك قاتل وليس انتفاضة ثالثة. هناك جريمة قتل وليس انتفاضة ثالثة، هناك جريمة رسمية ارتكبتها حكومة إسرائيل بحق الاسير جرادات الذي تلون جسده بآثار التعذيب والضرب وزهقت روحه في ظلام وبرودة مراكز التحقيق.

هناك قاتل شرع التعذيب، ووضع له غطاء قانونيا، واعتبر أن كل فلسطيني بما فيهم الأطفال قنابل موقوتة يجب ممارسة كل الضغط الجسدي والنفسي بحقهم حتى يعترفوا أو يموتوا.

جثة أسير تعود إلينا بعد خمسة أيام من اعتقاله، وممنوع في أعراف حكومة إسرائيل أن نعبر عن فجعنا وسخطنا واستنكارنا، ممنوع أن نحمل حجرا نرجم به القاتل وممنوع أن نطرح أسئلتنا الدموية على القضاء الدولي لأجل المحاسبة، فكل هذا يسمى انتفاضة ثالثة.

اذا كانت الجنازة الضخمة للشهيد، وصراخ أطفاله، وحزن الشعب الفلسطيني هو انتفاضة، فليكن! لأن المطلوب أن لا تبقى إسرائيل دولة فوق القانون، ولا أحد يلاحقها أو يسأل ويستعيد مشهد القتل في تلك الليلة التي خلت من الرحمة.

أن يطلق الرصاص على أسرى عزل في سجن النقب، ويضرب الأسير محمد الأشقر ضربا مبرحا حتى الموت، وأن يفتل عبد الصمد حريزات في مسلخ المسكوبية، كل هذه الفجائع الإنسانية مسموح بها لدولة إسرائيل التي يتحالف فيها السجان مع الطبيب والقاضي مع المستوطن ومع الجهات الرسمية في حكومة إسرائيل وعلى قاعدة النسيان المسلح لذاكرة الفلسطينيين، وعلى قاعدة أن القوة هي فوق القانون.

هناك قاتل يحمل الهراوة والمسدس، شبح المعتقلين ساعات طويلة حتى تتكسر ظهورهم وتنهار أجسامهم، كلاب متوحشة، إطفاء أعقاب السجائر في أجسادهم، حفلات ضرب، جنون الليل عندما يكشر عن أنيابه، ويترك الاسير جثة هامدة قبل حلول الصباح وقبل أن يخلع الطبيب زي الجلاد.

هناك قاتل وليس انتفاضة ثالثة، يضع الاسير في زنازين ضيقة بلا هواء وبلا شمس، يحرمه من النوم ومن الأكل، يخضعه للتهديد وللضرب المتواصل، لا زيارة للمحامين ولا للصليب الأحمر، مراكز تحقيق يختنق فيها الأسرى، تمارس عليهم فنون التعذيب وبأدوات قمعية مستوردة من أمريكا.

الشهيد عرفات جرادات يقف أمام محكمة الجنايات الدولية، يكشف عن جسمه المضرج بآثار التعذيب، يحكي عن تلك الليالي السوداء، يخلع الكيس عن رأسه، والعصابة عن عينيه، يفك قيوده، تسيل الدماء أمام أعين أعلى هيئة قضائية في العالم، لا يطلب شيئا سوى أن يذكروا أسماء القتلة لأولاده من بعده، للحياة القادمة، والعدالة المنشودة.

--------------------------------

* عيسى قراقع، وزير شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين، عضو الجمعية العامة لمركز بديل.