×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

منظمة المعونة المسيحية والأرض المحتلة

جدارية - جدار الفصل العنصري ما بين بيت لحم والقدس (تصوير: مركز بديل) جدارية - جدار الفصل العنصري ما بين بيت لحم والقدس (تصوير: مركز بديل)

بقلم: وليام بيل*

تأسست منظمة المعونة المسيحية في أعقاب الحرب العالمية الثانية بهدف مساعدة اللاجئين الأوروبيين، بما في ذلك اللاجئين اليهود، الذين فقدوا كل شئ. وقد عملت منظمة المعونة المسيحية في المنطقة منذ العام 1950 عندما قام مجلس كنائس الشرق الأوسط بتقديم المعونات للمساعدة في الكارثة التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون.

منذ ذلك الحين أصبحنا شركاء لأكثر من 20 منظمة فلسطينية واسرائيلية  تعمل من أجل حماية حقوق الإنسان، ومساعدة الناس للوصول الى الخدمات والموارد بشكل منصف، إضافة إلى العمل على محاولة ضمان مستقبل سلمي يقوم على أسس توفير العدالة للجميع. بدءاً من الإغاثة الطارئة، وصولاً إلى التنمية على المدى الطويل، حيث يعمل شركاؤنا  على الوصول الى أفقر الناس بصرف النظر عن العرق والدين.

كما أن منظمتنا تؤمن بأن لكل شخص الأحقية في الحياة بحرية، والتمتع بشروط الكرامة الإنسانية. وإنطلاقاً من هذه  الأسباب، فإننا نعمل بشكل مستمر على  دعم و تأييد حقوق كل من الفلسطينيين والاسرائليين بالعيش  في سلم وأمان. إضافة إلى أننا نعتقد بأن حقوق كل منهم غير قابلة للفصل عن بعضها البعض.

وقد بات من شائع القول الحديث حول الأوضاع الإنسانية المتردية في جميع أنحاء الأرض المحتلة، حيث   يعتمد السكان بشكل كبير على المساعدات، بهدف تأمين سبل عيشهم، التي إما تم تدميرها أو تأثرت بشكل كبير نتيجة ضعف القدرة في ولوجها للأسواق المحلية والدولية.

على الرغم من أهمية المساعدات الدولية، لكنها لا تعبر عن  حل طويل الأمد لإشكالات الفقر، أي أن مثل هذا الحل يتطلب حلا سياسيا إلى جانب إنهاء الإحتلال. لكن لا مجال لإنكار الدور الهام الذي تؤديه  هذه المساعدات في الاقتصاد الفلسطيني، فقد شكلت محوراً  مهماً في الإبقاء على المدارس مفتوحة وفي استمرارية تشغيل الخدمات الصحية. ومما يثير مخاوف منظمة المعونة المسيحية؛ التأثير المتوقع على الاقتصاد المنزلي الفلسطيني اذا ما تم قطع هذه المساعدات. ولا مفر من الاقرار بأن الجهود المبذولة حتى الآن في سبيل تحسين حياة الشعب الفلسطيني، لم تكن قادرة على تقديم الإغاثة  بمعناها الحقيقي.

ومن المفيد الإشارة إلى أن تدفق المساعدات المتزايدة قد أسهم في منع الانهيار الاقتصادي الكامل في الأرض المحتلة، ولكنه كذلك، لم يفضِ إلى تحقيق تنمية بشكلها المستدام أو إلى تحقيق سلام مبني على أساس الحقوق. إن انعدام تحقيق نمو اقتصادي فلسطيني فعلي يرجع إلى حد كبير الى ما يشكله الاستيطان الاسرائيلي من معيقات، هذا إلى جانب القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين وسلعهم. كما ولم يرافق هذه المساعدات أي شكل من أشكال الإرادة  السياسية اللازمة لمعالجة هذه الأسباب وغيرها من الأسس الجذرية للفقر.

وقد جاءت الاحتجاجات على غلاء المعيشة في مدن الضفة الغربية خلال العام 2012، كجزء مرتبط بتلك التي عمت الشرق الأوسط، بما فيها اسرائيل. حيث تعبر، من منظور أوسع، عن ظاهرة عالمية من الارتفاع الخطير والمتناسب طردياً في تكاليف المعيشة ونسب البطالة. ومع ذلك لا زال الفلسطينيون يفتقرون للتمتع بالحرية والاستقلالية المطلوبتين للتصدي لمثل هذه الظاهرة. وبالرجوع إلى العام 2008، كان البنك الدولي قد أشار إلى أن معالجة المشاكل الاقتصادية الفلسطينية المتأصلة، سيتطلب زيادة في المساحة الاقتصادية المتاحة للفلسطينيين في الأربع سنوات المقبلة. حيث توقع البنك الدولي تحقيق معدل عجز يناهز 1.5 مليار دولار في ميزانية السلطة الفلسطينية، والذي لن تغطي أموال المانحين منه سوى ما مقداره 1.14 مليار دولار.

في ظل مثل هذه المتغيرات يمسي الحديث حول رؤية المجتمع الدولي من أجل التوصل الى حل الدولتين، على أنه ضرب من الأوهام، وبشكل خاص بالترافق مع إرجاء الحسم بشأن مستقبل المنطقة (ج) وقضية المستوطنات، نظراً لما شهده  الفلسطينيون خلال الفترة  التي تبعت مفاوضات السلام من مضاعفة عدد المستوطنين والمستوطنات.

يبقى التحدي الحقيقي الذي يواجه مجتمع المانحين، ممثلاً في مدى توفر الإمكانية لمعالجة ما يشكل أخطر العقبات أمام تحقيق السلام، أي المشروع الاستيطاني في الأرض المحتلة. ففي العام 2009 كان قد صدر عن لجنة الشؤون الخارجية في المملكة المتحدة أنه نتيجة للتوسع في الضفة الغربية لن يكون هنالك آفاق تحفز على تحقيق حل الدولتين، وعلى هذا النحو، فإن إستمرار النشاط الاستيطاني على ما هو عليه، قد وضع  مفهوم  "التزام إسرائيل" في موضع شك. كما أن الإدانة المتكررة من قبل المجتمع الدولي والوضع غير القانوني بموجب القانون الدولي لهذا المشروع لم ترتقِ بعد لتشكل مانعاً امام استمرارية الإستيطان.

من هنا تنبع الحاجة، بشكل ملح، لبناء وتبني نهج جديد في التعاطي مع هذه المعضلة، حيث ينتقل من إطار الإعلانات والمواقف الروتينية إلى أن يشكل ما يعد مانعا/موانع ملموسة أمام تفاقم الإستيطان. وبهذا الصدد قدم رؤساء بعثات الإتحاد الأوروبي في الأرض المحتلة في عام 2011، تقريراً اقترح بأن على الإتحاد الأوروبي وضع التشريعات الملائمة لمنع وإحباط المعاملات المالية الداعمة للمشروع الاستيطاني، إذ إن التعامل التجاري مع منتجات المستوطنات، إنما يسهم في استدامة وجودها وتعزيز واقع كونها مربحة اقتصاديا. أما منظمة المعونة المسيحية، فتعتقد بأن الإستيطان سوف يستمر في التوسع والتطور، ما لم يتم اتخاذ إجراءات داعمة لبيانات ومواقف الإدانة، وبمعنى أدق، اتخاذ إجراءات تفرض حظراً على بيع سلع ومنتجات المستوطنات من أن تباع  في أسواق المملكة المتحدة والإتحاد الأوروبي.

مجدداً، وبحسب البنك الدولي، إذا ما تمتع الفلسطينيون بالوصول والاستفادة من مساحة 12.500 فدانا فقط، أي ما يقارب 3.5٪ من مساحة المنطقة (ج) غير المستصلحة في الضفة الغربية، فإن هذا سيمكنهم من جني ما مقداره مليار دولار بشكل سنوي. لكن ما يجري اليوم فعلاً، هو أن المزارعين الفلسطينيين وعائلاتهم لا زالوا يناضلون من أجل الحصول على المتطلبات الاساسية اليومية من الإمدادات المحدودة من المياه بصورة جدية. حيث يواجهون ظروف معيشية غير محتملة أو مستقرة في الوقت عينه. وتبعاً لما وضحه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، فإن نسبة البطالة بين الفلسطينيين في الضفة الغربية  تبلغ حاليا ما يقرب من 23٪، في ظل حالة من النمو الصفري في الاقتصاد.

ولهذا، نعتقد في منظمة المعونة المسيحية بأن  تحقيق خطوات على الطريق إلى الأمام، إنما  يتطلب إيجاد حل طويل الأجل، بحيث يمثل حلاً عادلاً وسلميا يضمن إنهاء الاحتلال، ويكون مجديا (حيويا وعمليا) لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين. إلا أن مثل هذا الحل يتطلب خلق تحول جذري  ينقل مصاف الأمور من هوة المأزق السياسي الراهن إلى وضع يمكن كل من الفلسطينيين والإسرائيليين والمجتمع الدولي من إتخاذ  الخطوات الجريئة اللازمة لتطبيق مثل هذا الحل الحيوي/العملي.

 في العام 2007عقدت  منظمة المعونة المسيحية مشاورات مكثفة مع كل من شركائها الفلسطينيين والإسرائيليين، وكذلككان إلى جانبهم  مجموعة من الخبراء من منطقة الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة في "تشاثام هاوس" في لندن، بهدف تركيز النظر حول ما يعني الحل القابل للحياة بالنسبة لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين. وقد كان هذا جزئيا للوقوف على ما درج على استخدامه الرئيس الامريكي السابق جورج بوش أي الحل القابل للحياة. في تقريرنا بعنوان "إسرائيل وفلسطين: سؤال القابلية للحياة"، أوضحنا إن سمة القابلية للحياة يجب أن تكون محددة بالقدرة على تحقيق حل دائم للصراع، وقد قدمنا قائمة مرجعية تشير إلى العناصر الواجب توفرها في الحل المطلوب للإجابة على سؤال: القابلية للحياة. وتتألف القائمة المرجعية من المبادئ التالية:
• وضع حد للاحتلال: كأساس يقوم عليه مفهوم القابلية للحياة،
• تقرير المصير والسيادة: بمعنى التمتع بممارسة الإرادة السياسية الحرة والتحرر من السيطرة الخارجية،
• الإدارة الحكومية الفعالة: أي توفر منظومة سياسية متماسكة، بحيث تتطلب سيطرة الحكومة على جمع واستخدام الموارد المالية،
• حماية الحقوق لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين،

• الأمن للجميع:  حيث أن أمن الإسرائيليين لا يمكن فصله عن تحقيق الأمن للفلسطينيين،
• حرية الحركة: بالنسبة للفلسطينيين يجب أن يشمل ذلك حرية الحركة والتنقل فيما بين وداخل كل من الضفة الغربية، القدس الشرقية، وقطاع غزة،
• السيطرة على الموارد الطبيعية: بما فيها الأرض، المياه، المعادن والبحر، لصالح  نمو جميع السكان وتحقيق الازدهار الاقتصادي، ووضع حد للتبعية للمعونات.

وعليه، فان السعي لحل قابل للحياة بهذا المعنى  يجب أن يكون:
• مستندا إلى القانون الدولي،
• متمتعا بالحيادية،
• قادرا على إخضاع الطرفين للمساءلة والمحاسبة، ووضع حد للإفلات من العقاب.

 ان الجزء الأهم فيما يتعلق بالحل الناجع، يكمن في التوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين. ففي  تقريرنا الصادر في العام 2011  بعنوان: "المعتقلون في الخارج: اللاجئون الفلسطينيون ومفتاح السلام" فإن منظمة   المعونة المسيحية قد دعت ولا زالت تدعو إلى حوار صادق وهادف باتجاه ايجاد حل لمعاناة اللاجئين الفلسطينيين، حيث يجب ان يشمل هذا الحوار على جميع أصحاب المصلحة،  بحيث يسير جنبا إلى جنب مع عملية سلام يكون بامكانها ضمان توفير العدالة والأمن  لجميع الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي مثل هذه العملية يجب أن يسمع صوت اللاجئين الفلسطينيين، الذين تم تجاهلهم تاريخياً وتم اعتبارهم إزعاج للتاريخ، ويلزم أن يتم الاعتراف بحقوقهم الشرعية بشكل علني وواضح كذلك.

وقد أكد هذا التقرير، أن استمرارية عدم اعتبار اللاجئين والمهجرين قسرياً نتيجة الحروب العربية الإسرائيلية عامي 1948 و1967 كعامل أساسي ومفتاح لحل الصراع في الشرق الأوسط ، ينتج عنها بقاء السلام كحلم  بعيد المنال. وبالنظر الى وضع وحالة اللاجئين الفلسطينيين يتضح لماذا ينبغي أن يكون هذا العامل هو المفتاح الذي من شأنه أن يسهم في فتح باب عملية السلام. إضافة إلى أن شركاءنا في كل من  لبنان وإسرائيل والأرض المحتلة أشاروا دوماً على أهمية أخذ الظروف الإنسانية القاسية والصعبة التي تخيم على حياة اللاجئين الفلسطينيين بعين الأهمية والإعتبار، كما أسهموا ملياً في مساعدتنا في أبحاثنا.

 وفي هذا الموضع، تجدر الإشارة إلى أن منظمة المعونة المسيحيةتسعى جاهدة للتخفيف من حدة الفقر ومواجهة المنظومات التي تسهم في استمراريته في مختلف مناطق تأثيرها. حيث انه بالنسبة للكثير من اللاجئين، فإن الفقر والتمييز يعتبران من أسس الواقع اليومي المعاش، من هنا ينبع تركيزنا البالغ على أهمية إيجاد حل لمحنتهم.  لكن ليس من طبيعة دورنا أن نحدد ونصف الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الحل، بل نشدد على أننا يجب أن نكون واضحين في الإعتراف بمساندتنا لحل شرعي يقوم على أساس احترام القانون وضمان تحقيق العدالة والحقوق للجميع. ولدى الإشارة لمثل هذا الحل في التقرير المذكور، فقد أشرنا إلى إطار 'القابلية للحياة'، مع ضرورة ووجوب الاعتراف بأن موضوع حقوق اللاجئين يعد حاسماً وحساساً عند الحديث عن مستقبل يحمل الفرص لحياة كريمة. وأكدنا أيضا على أهمية الاستماع لِلاجئين والانخراط معهم- والذين غالبا ما يشعرون بالتجاهل، وبشكل خاصمنذ مفاوضات اتفاقية أوسلو عام 1993 وما سبقها من مباحثات في عملية السلام في بداية 1990.

كما ويعترف التقرير بوجود فروق جوهرية فيالسرديات المختلفة فيما يتعلق بوضعية اللاجئين الفلسطينيين. فبالنسبة للفلسطينيين، فان عملية السلام تعبر عن إنهاء الظلم والتهجير القسري الذي ما زال هو السبب الاساس في معاناتهم، في حين يطالب ما تقدمه السردية الإسرائيلية بالتأكد من أن مثل هذه العملية لا تعني نهاية إسرائيل كدولة آمنة لليهود. ما يجب فعله، هو أن تتحول هذه السرديات إلى شكل سردي متسق يعترف بضرورة مستقبل/حل قابل للحياة لكلا الشعبين، مع احترام حق الجميع في العيش بسلام والتمتع بفرص الأمن الاقتصادي والمساواة. لذلك  تقوم المعونة المسيحية بتحدى واضعي السياسات وأصحاب المصلحة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلكتحدي أنفسنا، لإدراك أن أي حل ناجع يتطلب اتباع نهج شامل للسلام والذي غاب أو غيب حتى الآن. قلم يعد بالإمكان ابقاء اللاجئين على هامش مفاوضات السلام، وتجاهلهم وإرجاء حل قضيتهم إلى المراحل النهائية.

وبالمثل، لا يمكن أن نعزل الوضع في غزة اليوم، بما في ذلك العدوان الأخير، ومواصلة الحصار الاسرائيلي لست سنوات على هذه القطعة من الأرض، إنما هو جزء من الصراع المستمر مع الفلسطينيين والذي يتضمن استمرار الاحتلال للأراضي الفلسطينية وشعبها اضافة الى انتهاك حقوقهم وكرامتهم.

كما شهدناذلك مرات عديدة من قبل، فان المدنيين الأبرياء هم الذين يدفعون ثمن فشل المستوى السياسي في التعاطي مع ومعالجة جذور للصراع.

--------------------------

*وليام بيل: خبير سياسات تنموية في الشرق الأوسط، منظمة المعونة المسيحية Christian Aid، المملكة المتحدة.