×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

فلسطين على عتبة انتظارالربيع العربي

ميدان التحرير، آب ٢٠١١ (تصوير: صهيب سالم، أ.ب) ميدان التحرير، آب ٢٠١١ (تصوير: صهيب سالم، أ.ب)

بقلم: يوآب حيفاوي*

تمهيد:

تنطلق المجادلة المركزية في هذا المقال من قاعدة أن فلسطين ليست غائبة عن الربيع الديمقراطي العربي، بل إنها أول أمكنة بزوغ هذا الربيع، إضافة لافتراض أن فلسطين هي الأكثر استفادة من  تقدُم هذا الربيع بالاتجاه الديمقراطي والشعبي.

 أما ما يظهر من خلال تحليل تعقيدات القضية الفلسطينية، ومستلزمات حلها، وطابع الحراك التاريخي الذي قاد للربيع العربي، فيحاول المقال أن يحدد معالم  المنظور الفلسطيني  للربيع العربي، في ظلال توقع أن يكون هناك حالة من الحسم بالنسبة لمهام الربيع العربي، وأن يفضي إلى إتمام العودة ودخول فلسطين عهد الحرية المرتقب.

 

الربيع العربي وُلد في فلسطين:

قبل الدخول في تحليل منهجي للربيع العربي يتوجب ملاحظة أهم ما يتصف به هذا الحدث أو سلسلة الأحداث. فالربيع العربي هو، أولا، يعبر عن حالة كسر لحاجز الخوف، ونقطة انطلاق لخروج الجماهير الشعبية إلى الشوارع والميادين بغرض تحدي آلة القمع بصدور عارية. ومن ثم الإصرار على المطلب الجماهيري المتمحور حول إسقاط الأنظمة القمعية، والاستمرار في العودة إلى ساحات النضال يوماً بعد يوم رغم كل أساليب وأدوات القمع الوحشية التي واجهتها الجماهير المنتفضة.

لكن لا يمكن أن يغيب عن الذهن، أن الانتفاضتين الفلسطينيتين 1987 – 1993 و 2000 – 2005  قد سبقتا كل من انتفاضات تونس ومصر 2011. فلا شك أن النضال الفلسطيني، رغم عدم مقدرته على حسم الصراع حتى الآن وتحقيق النصر، وهذا يعزى  لعوامل القوة المادية لدى العدو وشراسته، إلا أنه شكل نموذجاً فريداً لأجيال من الشباب العربي في قيم الجرأة والتحدي، تثاقفوا عليه وتعاطفوا معه قبل أن يُطبقوا المنهج في أقطارهم. يمكن القول أن الشعب الفلسطيني قد تمتع بأسبقية على أخوته في الأقطار العربية في النضال الجماهيري، وإذا ما أخذنا ذلك بالمعنى الميداني الصرف، نجد أن الانتفاضة الثانية قد أنجزت فعلياً الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005، كما وأجبرت إسرائيل على اقتلاع وهدم جميع مستعمراتها في هذه المنطقة، وأصبح القطاع الصامد، بفضل النضال الجماهيري ومقاومة الشعب الفلسطيني فيه، أول قطعة من أرض فلسطين منذ نكبة 1948 أُجبِرت إسرائيل على الانسحاب منها، وأصبحت تحت "سيادة" فلسطينية، مع عدم نسيان الحصار الإجرامي المستمر جواً وبحراً وبراً.

بعد هذا الانتصار الجزئي، خاضت فلسطين تجربة الانتخابات "الشبه" حرة في الـخامس والعشرين من كانون الثاني من العام 2006. وقد شهدنا آنذاك انتصار حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، الامتداد المحلي لحركة الإخوان المسلمين، في هذه الانتخابات. وكان هذا الانتصار أول سابقة للمنهج الذي اُتبع لاحقا في باقي بلدان الربيع العربي، ولذلك من المهم أن نتعلم منه، وأن نحاول فهم العوامل القائمة وراء انتصار حماس في الانتخابات الفلسطينية. وهنا لا نفترض ضرورة دعم غالبية الناخبين لعقيدة الإسلام السياسي، بل إن الجماهير التي منحت ثفتها الانتخابية لحماس آنذاك، لم يكن سوى تقديراً لدورها الرائد في مقاومة الاحتلال خلال العقدين الأخيرين، ورفضاً لنهج أوسلو، وتعبيراً عن الإرادة الجماهيرية القائلة بقطع أجنحة الفساد وتشكيل سلطة نزيهة تخدم الجماهير الشعبية والمشروع الوطني.

وقد أثبتت تجربة النضال الفلسطيني، وخاصة الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وانتصار المقاومة في غزة بصمودها، أن الانتخابات وتشكيل حكومة تُعبر عن اختيار الشعب ليس حلا سحريا يقدم خلاص لكل المشاكل التي سببت اندلاع الثورة، بل أنه ظرف جديد بمعطيات جديدة لاستمرار الصراع.

إذن، بعد 64 سنة من النكبة والتهجير والتطهير العرقي لغالبية سكان فلسطين، لم يعد اللاجئون ولم نرَ نهاية للاحتلال وللتمييز وللقمع، أو حتى أي أفق لحل عادل للقضية الفلسطينية بعد. وهذا غير نابع من عدم المحاولة، ولا حتى من قلة المجهود والتضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني على مدى العقود. لكنه يعزى لموازين القوة التي لا تزال منحرفة في وجه الشعب الفلسطيني، والسبب الرئيسي وراء ذلك، أن إسرائيل لا تعدو كونها قلعة متقدمة للإمبريالية في رحم الوطن العربي، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي لم تستغلها الإمبريالية اقتصاديا،ً بل إنها لا تدخر جهدا في أن تصرف عليها موازنات هائلة، وهذا بهدف ضمان تفوقها العسكري ضد أي ائتلاف محتمل لدول المنطقة، وكأداة لمنع أي استقلال حقيقي للشعوب العربية.

تختلف إسرائيل عن "شقيقتها التوأم" لنظام الأبارتهايد، جنوب أفريقيا سابقأ، والاختلاف هو  أن الهدف الإستراتيجي في حالة اسرائيل ليس استغلال السكان الأصليين، العرب الفلسطينيين،  بل اقتلاعهم من المكان بشكل كلي. وعلى سبيل التمثيل، نلحظ ما يتعرض له الفلسطينيون داخل الخط الأخضر من تهميش، بل إقصاء في الاقتصاد الإسرائيلي.

أما المنطق الاقتصادي من وراء استعمال القوى الإمبريالية لإسرائيل، فهو أن الامبريالية تكتسب أرباحا هائلة، مئات من مليارات الدولارات سنويا، عبر فرض هيمنتها على العالم العربي واستغلال النفط واحتكار الأسواق، وهرولة رأسمال النخبة الحاكمة إلى "الملاجئ الآمنة" في البُنوك الإمبريالية عوضاً عن استثماره في تطوير المنطقة. وتدفع أمريكا قسما بسيطا من أرباحها في المنطقة للـ"حارس" الإسرائيلي ليشكل قوة الردع ضد أي تهديد لمصالحها. ويأتي قمع وتهجير الشعب الفلسطيني، من ضمن هذا المشروع، ليس إلا "تفصيلة ضرورية" لضمان المساحة الجغرافية لإنشاء هذه القاعدة.

بسبب هذه المعادلة أصبح مصير الشعب الفلسطيني مرهونا باستمرار نظام الهيمنة الإمبريالية والصهيونية في المنطقة. منذ انطلاق الثورة الفلسطينية، شكل نضال الشعب الفلسطيني رمزاً للنضال الشعبي لأجل الحرية، وضمير حركة التحرر العربية، ولكنه علق في مأزق ما بين جوهره الفلسطيني المحلي وبين طابعه وأبعاده العربية. فقد نحى  الفلسطينيون حيناً على "فلسطنة" القضية، ولم يستطيعوا الانتصار  في ظل ميزان القوة المحلي على أرض فلسطين. كما حاولوا أن يدمجوا قضية فلسطين في القضية العربية العامة، وهم مُتهمين من قبل الأنظمة والمعنيين في الحفاظ على أركان النظام القائم ب "سوء استغلال حسن الضيافة"، وأصبح التحريض ضدهم وملاحقاتهم كـ"غرباء" وسلاح بأيدي حُماة النظام وذريعة لضرب الحركة الجماهيرية في هذه البلدان.

ولكن لنعد قليلاُ بشريط الزمن، وننظر إلى مرحلة ما بعد الانتصار التاريخي لشعب فيتنام في ثورته وانسحاب أمريكا من عدة دول في جنوب شرق آسيا، في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، نجد أن القيادة الامبريالية قامت بتجديد إستراتجيتها، ومن ضمنها أعلنت سيطرتها على الشرق العربي خطاً أحمر لا يمس، كما أن  هناك دوماً استعدادا لخوض الحروب فضلاً عن التنازل عنها. من أسباب هذا التمسك والتعصب الامبريالي بالنسبة للمنطقة هي الأرباح الباهرة التي تحصل عليها، كما أشرنا أعلاه، إضافة إلى أهمية المنطقة الإستراتيجية، وليس هناك من  شك في أن الربط الخاص بين أمريكا وإسرائيل، ومن ضمنها اللوبي الصهيوني في أمريكا، يشكل عاملاً إضافياً حافظ لهذا الاهتمام.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، صارت الإمبريالية معنية بإصلاحات "ديمقراطية" في العديد من مناطق العالم، وهذا بهدف ضمان مناخ أفضل لاستقرار الاقتصاد الرأسمالي. وكان الاستثناء الأبرز من مناخ "الدمقرطة" هو العالم العربي في ذلك الوقت، فقد كانت الأفضلية (عند الإمبريالية) للاستقرار المطلق الذي تضمنه الأنظمة الاستبدادية.

والتقت مصالح الامبريالية مع مصلحة الفئات الصغيرة المتمسكة بالحكم في الدول العربية، التي تمكنت من خلال الطابع الاستبدادي للأنظمة استغلال موقعها في مراكز الإدارة والقرار لحشد الثروة وإغناء مجموعة صغيرة من الأقرباء والمقربين إليها. عادةً تكون الطبقة الحاكمة المحلية في دول العالم الثالث المستعمَر ضعيفة أمام الطبقات الشعبية المحلية، وهذا نابع من طبيعة وجودها كوكيلة للاستعمار وموقعها الضريبي في كسب حصتها من القيمة الإضافية المُنتجة ببلدانها. ولكن اقتصاد الدول المنتجة للنفط يختلف، كوْن القوة العاملة الضرورية للإنتاج ضئيلة، ومن هنا يظهر أن مصدر الدخل الرئيسي للدولة نابع من "السيادة" والسيطرة على إنتاج النفط وليس من مجهود الكادحين المحليين. وبهذا تصبح الجماهير الشعبية ليست مصدر ثروة واجب الحفاظ عليها وتطويرها، بل "عبء" على الدولة وخطر على الفئة الحاكمة ويجب تهميشها وإبعادها عن مراكز القرار.

منذ السبعينيات، مع ازدياد التأثير السياسي لأموال النفط، استطاعت، فعلا، جميع الأنظمة المحلية أن تثبت سيطرتها، وأدخلت المنطقة مرحلة من الجمود السياسي. ولكن الاستعدادات الإمبريالية للحرب للدفاع عن مصالحها، التي أعلنتها في السبعينيات، مثل حالة "بندقية تشيخوف"، زادت من احتمالات الحرب وقد اندلعت فعلاً في مطلع القرن الـ21. ولتبرير خطواتها العدوانية، خصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة، تبنت الامبريالية الـ"إسلاموفوبيا"، أي التلويح بـ "شبح" الخطر الإسلامي. وتلاءم هذه التوجه نحو طموحات الأمة العربية للحرية والتنمية عن طريق المنظور "الأمني" مع دور إسرائيل، وهي تتعرق من وراء "ردع" هذه "المخاطر"، وقد تكون معنية في تنامي العداء للعرب والخوف منهم بين الأنظمة والشعوب في الدول الإمبريالية. وخدمت هذه التوجهات أيضا مصالح الحكام الاستبداديين بتوفيرها التبريرات، وعلى رأسها "الخطر الإسلامي"، لتشديد القمع تجاه شعوبها.

بغياب أية عملية تغيير للسلطة، ومع تهميش الشعوب، عاشت المنطقة مرحلة طويلة من تراكم التناقضات دون أي حلول. ونذكر هنا بعض التناقضات الأبرز، كما بيّنت خلال العقد الأول لهذا القرن.

من الجهة الأولى نظام الهيمنة الامبريالية – الصهيونية، باعتماده على القمع والعدوانية دون أي مرونة سياسية، سبب ردود فعل سلبية زادت تكلفتها بالتراكم حتى باتت تهدد أهداف هذا النظام نفسها:

1.      أثبتت عملية اختطاف الطائرات وتدمير مبنى وزارة الحرب الأمريكية، وبرجي مركز التجارة العالمية في 11 أيلول 2011، أن الغضب العربي الناتج عن القمع والظلم وغياب آفاق التغيير، يمكنه أن يشكل خطرا على أمريكا ليس أقل من الخطر الذي تسببه هذه السياسات الغاشمة على الشعوب.

2.      أمريكا تدعم إسرائيل لكي تكون أداة ردع ضد حركة التحرر العربية، ولكن في حرب العراق 2003، عمل اللوبي الصهيوني على توريط أمريكا في الحرب لأجل "منع أسلحة الدمّار الشامل" من أن تكون ملكأ للعرب، ومن ثم الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة. ومن هنا بدل أن تحارب اسرائيل حروب أمريكا أصبحت أمريكا تحارب حروب إسرائيل، كما قال المثل الشعبي "صار الذيل يلوح بالكلب..."

3.      كان من المتوقع أن توفر الهيمنة الإمبريالية مصادر نفط رخيصة لاستعمال الاقتصادات الرأسمالية. ولكن التوترات العسكرية الناجمة عن أسلوب السيطرة، ومنها غطرسة وعدوانية اسرائيل، تسببت بعدم الاستقرار وارتفاع أسعار النفط كما تكلفة العمليات العسكرية في حروبها  كذلك.

4.      وفقاً لحسابات أمريكا قبل حرب 2003، كان احتلال العراق يضمن لها السيطرة على مصادر النفط وتحقيق معدلات خيالية من الأرباح. ولكن بسبب المقاومة التي تبعت إتمام الاحتلال والديناميكيات السياسية الداخلية في العراق، فقد كلفت الحرب مبالغ لا نبالغ إن قلنا، يصعب إحصائها، وكانت أول اتفاقية لإنتاج النفط في العراق حصلت عليها شركات من الصين، وعملياً سرعت "المغامرة العراقية" انفجار أعمق لأزمة اقتصاديات الدول الامبريالية منذ 70 عام وتراجُع الهيبة الأمريكية حول العالم. من الجهة المكملة، ولا نقول الثانية أو الأخرى، واجهت الأنظمة الاستبدادية المحلية، غياب توازنات داخلية وتقليص المساحة أمام النخبة المتمسكة بالحكم وانعزالها، إضافة لغياب أي ميكانيكية داخلية للإصلاح والتلاؤم مع المستجدات ومتطلبات المرحلة. وهنا أيضاّ أصبحت بعيدة عن احتياجات التطور الاقتصادي والسياسي وبعيدة في الوقت نفسه عن المجتمع والثقافة الذين لم يتوقفا عن التغيير والتطور.

5.      الأنظمة الاستبدادية، من نظرتها لشعوبها كالخطر الأول والأشد على وجودها، لا تستطيع إنجاز أي إصلاحات سياسية باتجاه الديمقراطية، وباتت تعمق تركيز كل مفاتيح القوة بأيدي حفنة صغيرة من المقربين والمستفيدين من شكل وبنية النظام الاستبدادي، هذا بالتوازي مع تعمق حدة  الاغتراب في أوساط الطبقات الشعبية والوُسطى.

6.      مع زيادة مستوى التعليم والثقافة وتشكيل الوعي عند الجماهير، بفضل التطور الاقتصادي والتكنولوجي والتقدم الاجتماعي السياسي للجماهير، زادت التناقضات بين ديناميكيات المجتمع وبين جمود الأنظمة.

7.      ‘اتساع الحيز الطبقي المهمش الذي يرى أمام عينيه جميع التطورات الاقتصادية والتكنولوجية ولكنه يعاني الحرمان  من ثمارها. والعديد منهم في المُدُن ومن المثقفين وذوي القدرات الذين أخذوا ينظرون للنظام كعائق مركزي أمام أي تقدم لهم ولمجتمعهم.

8.      مع تطور وسائل الإعلام الحديثة، من الفضائيات والشبكة الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، فقدت الدولة إمكانية احتكار المعلومات واكتسب الناس معرفة بالتطورات وفُرص للمشاركة في صناعة ونشر الخبر بشكل أوسع نسبياً.

9.      بغياب الشرعية الشعبية من خلال انتخابات نزيهة، لجأت الحفنة الحاكمة في مصر وليبيا وسورية إلى التوريث كأسلوب للاحتفاظ بالسلطة. بهذا كشفت الستار عن تحويل الجمهوريات إلى عقارات إقطاعية وضربت ما تبقى من شرعية الأنظمة.

10.النضال الفلسطيني المستمر والمقاومة الشعبية الى واجهها احتلال العراق وانتصار حزب الله في وجه العدوان الإسرائيلي في صيف 2006، وهذا ما شكل حاضنة وحافظا لروح النضال بين الجماهير العربية، وأثبت محدودية قوة الامبريالية والصهيونية أمام إرادة الشعوب، وعرى عجز وتخاذل الأنظمة اتجاه شعوبها.

وفي هذا الصدد يمكن القول ان تراكم هذه التناقضات وتفاعلها، دون أي حلول، أدى فيما أدى إلى انفجار الجماهير بانتفاضات في بعض من الأقطار العربية، وهو ما بات يطلق عليه "الربيع العربي".

الربيع العربي – ثورة ديمقراطية ومرحلة جديدة من تطور الاقتصاد والمجتمع!

 إن الحديث حول الربيع العربي وتشخيص جوهره، يتطلب تحديد وتوضيح مفاهيمي واصطلاحي، بشكل خاص في ظل الضخ الإعلامي لأشكال مهيمن على صناعتها وبثها من الوعي.

 بالتالي نتساءل، ما هي الثورة؟

 منذ الثورة الفرنسية 1789 – 1799، ومرورا بربيع الشعوب الأوروبية 1848، وكومونة باريس 1871، والثورات الروسية ما بين 1905 و1917، والثورة الصينية 1911، وصولا إلى عشرات أو مئات الثورات التي انتشرت في البلدان المستعمَرة وبلدان الجنوب في القرن العشرين، نرى أن الصفة الأساسية للثورة هي الحراك الشعبي ليس فقط لإسقاط النظام، بل ولإنشاء نظام سياسي اجتماعي جديد يحل محل القديم.

من هذا المنطلق اكتسب الربيع العربي مرتبته الحق في تاريخ البشرية كواحدة من الثورات العظيمة. ليس فقط أن يكسر الربيع العربي القيود ويفتح أفق الحرية أمام أكثر من ثلاثمائة مليون عربي، بل أخذ اهتمام وأصبح مثالاً في اللحظة الثورية، إذ لا نقيم النتائج بقدر الإضاءة على أبعاد الحراك في وعي العالم، لجميع الشعوب المقموعة والمستغلة والمهمشة تحت النظام الرأسمالي. وهذه التأثيرات بحد ذاتها، وصفات الربيع العربي كأول ثورة جماهيرية في ظروف المجتمع التكنولوجي الحديث.

من طابع الحراك الجماهيري في مرحلة الثورة انه تحدي صِدامي ضد نظام لا يقبل الاستماع والتجاوب مع صوت الشعب. وكون الثورة خطيرة ومُكلفة، لم تأخذ غالبية الناس خيار الثورة من حبها لهذا الطريق، بل إنها تتمسك به مضطرة، في خلفية غياب أي إمكانية للتغيير من خلال المؤسسات والبنيات الموجودة ودون دفع هذا الثمن. لهذا السبب، تكون كل الثورات بمضمونها الأول ثورات ديمقراطية، أتت لتطبق رغبة الجماهير الشعبية للتأثير على ظروف حياتهم من خلال إسقاط الأنظمة التي لا تستجيب لمطالبهم.

ولا بد أن تأخذ قضايا الديمقراطية السياسية وحرية التعبير والتنظيم والتظاهر، والدفاع عن المعتقلين والسجناء السياسيين، وملاحقة القتلة والمجرمين بخدمة النظام، حيزا كبيرا من اهتمام الجماهير والحركة الثورية في وقت الصدام مع النظام القمعي. وهذه القضايا بالإمكان حلها من خلال إسقاط النظام الاستبدادي وتشكيل نظام ديمقراطي، وبهذا تُستثمر الثورة في إقامة نظام جديد يُمكن الجماهير من التحرك والحصول على مطالبهم من خلال عملية ديمقراطية.

أما النظرة للثورة من خلال المنظور الديمقراطي المجرد فقط، فهي أبداً لم تكن تتمتع بصفة النظرة الشاملة، ودائماً من وراء أساليب الحكم الدكتاتورية تظهر، أو تستتر أحياناً، المصالح الطبقية أو الفئوية التي تأتي هذه الأساليب والآليات لخدمتها. ودائماُ من وراء طلب الجماهير في حرية الرأي والتحرك يظهر الرأي الذي يريدون التعبير عنه ومجموعة من القضايا والمطالب والتقلبات الاقتصادية والمجتمعية الضرورية لحل مشاكل الناس.

نجد في عمق ثورة الربيع العربي جميع احتياجات المجتمع التي منعت الأنظمة الاستبدادية التعبير عنها كما أخفقت في انجازها، ومنها تحقيق التطوير الاقتصادي الحقيقي لبناء مجتمع منتج حديث، والعدالة الاجتماعية، وإنقاذ الجماهير الشعبية من الفقر والتهميش، وتطوير وتحديث التعليم والثقافة والبنية الاجتماعية، والتحرر من الهيمنة الامبريالية وكسب السيادة الوطنية بمضمونها وليس شكليًا فحسب، ومن جملة هذه القضايا تأتي الوحدة العربية وحقوق الأقليات القومية والدينية، إضافة إلى الصداقة والتحالف بين شعوب المنطقة، ومنها قضية فلسطين وحقوق شعبها المسلوبة، والتخلص من الاحتلالات والتهديدات العسكرية، بما فيها النووية، من طرف الصهيونية التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها منذ نشأة دولتها.

وإذا كان السبب المباشر للحراك الثوري هو الاستبداد وانعدام أي إمكانية للتغيير بأساليب "هادئة"،  وأن الثورة تشكل حالة خاصة من المشاركة والوعي والاهتمام الجماهيري في شؤون المجتمع والسياسة،  فهذه حالة من "حالات المادة" الإنسانية يمكن خلق التغييرات السريعة ومواجهة العديد من القضايا وبناء الحركات والمؤسسات وكتابة الدساتير وسن قوانين جديدة تحدد العهد الجديد.

براعم الربيع في فلسطين:

منذ اندلاع حركة الاحتجاجات الجماهيرية في تونس ومصر، استقبل الناس في فلسطين حركة الربيع العربي بأمل كبير، والفلسطينيون هم قطعاً الضحايا لنظام الهيمنة والجمود المفروضين في المنطقة،  ولكن أيضا هناك جانب مقلق وراء هذا الحراك: هل تُنسى قضية فلسطين أو تضيع بين مجمل قضايا المنطقة؟

رغم الاحتلال والقمع الوحشي ووجود آلاف المناضلين وراء القضبان، إلا أن فلسطين لم تشارك جوارها العربي في الفراغ السياسي الذي خلفته الأنظمة الاستبدادية. ومن خلال عقود من الثورة الفلسطينية ومقاومة الاحتلال والانتفاضات الشعبية والنضال الجماهيري وبناء مؤسسات المجتمع المدني، أصبح الفلسطينيون شعبًا مُسيّسًا ومُنظّمًا ومُحزّبًا بامتياز. (هذه الظاهرة تشاركها مع فلسطين، لبنان، التي شاركتها الوقوع تحت الاحتلال والمقاومة، بالإضافة لعدة أسباب محلية للتسييس المستمر).

ولكن، رغم النضال والتسْييس والتضحيات، ساد شعور بنوع من الجمود والفراغ السياسي في الساحة الفلسطينية أيضاً، مع إحباط أوهام "التسوية السياسية" وتقسيم الساحة بين سلطة أوسلو في رام الله والحكومة المنتخبة في غزة، وانعدام أفق واضح للانتصار أو لتحريك الساحة. ومنذ بداية الربيع العربي شهدت الساحة الفلسطينية عدة مبادرات وتحركات شبابية وجماهيرية حاولت ان تستغل المناخ الإيجابي الذي انتشر في المنطقة لخلق حراك جماهيري نحو التغيير في الساحة الفلسطينية أيضاً. نذكر هنا البعض منها:

1.      مبادرة "الشعب يريد إسقاط الانقسام".

2.      "الزحف إلى فلسطين" في ذكرى النكبة، 15 آيار 2011.

3.      إضرابات الأسرى وحركة التضامن معها.

4.      الدعوة لانتخابات فلسطينية جامعة للمجلس الوطني.

5.      "الزحف العالمي إلى القدس" يوم الأرض 30 آذار 2012.

6.      الاحتجاجات ضد الغلاء.

7.      الحراكات والمظاهرات الشبابية ضد ما يعرف بالتزامات أوسلو.

لكل واحدة من هذه المبادرات أهمية وسياق خاصين، وهي تُعبر عن تجربة نضالية وتضحيات في سياق متصل ومنفصل في ذات الحين، ولكل منها انجازاته وكذلك شوائبه. يتوجب دراسة هذه التجارب والاستفادة منها وذلك من خلال التواصل وتبادل الخبرة والرؤية بين المبادرين والمشاركين في مختلف التجارب.

لكن رغم أهميتها وارتباطها بمستجدات الربيع العربي ومعالجتها لقضايا أساسية وضرورية، لم تلقَ "براعم الربيع" في فلسطين حتى الآن إلا نجاحا محدودا. بالإضافة إلى الصعوبات الموضوعية في أي تحرك والعديد من الإشكاليات العيّنيّة التي لم أدرك معظم تفاصيلها، أريد أن أتطرق هنا لبعض العواقب الجوهرية التي لا يمكن أن يتجاهلها أي حراك ثوري في فلسطين:

1.      استحالة الديمقراطية في ظل الاحتلال، ليس هناك من داعي ضروري للتذكير أن القضية المركزية أمام الفلسطينيين ليس التناقضات الـداخلية في المجتمع الفلسطيني، بل وجود الاستعمار والاحتلال ومنع اللاجئين من تطبيق عودتهم والتمتع بحقوقهم كاملة. مركزيّة الصراع مع الاحتلال تفرض أجندة سياسية تختلف عن المطروح في باقي البلدان العربية، وتجسيد الديمقراطية في ظل هذا الوضع هو تحقيق العودة والتحرير. ولا يمكن أن تكون هناك حياة ديمقراطية سليمة في ظل الاحتلال، والضرورة الأكثر إلحاحا في ترتيب البيت الداخلي هي الوحدة النضالية وليس تشكيل نظام داخلي شبه ديمقراطي.

2.      أسباب الانقسام، السبب الرئيسي من وراء الانقسام الفلسطيني ليس خلافا حزبيا أو سياسيا بين أطراف فلسطينية، بل هو ناتج عن اختلاف الظروف الموضوعية بين الضفة الغربية وقطاع غزة بالنسبة للتناقض المركزي مع الاحتلال. يأتي التدخل الإسرائيلي في قطاع غزة من الخارج من خلال الحصار والقصف والاغتيالات، ولكن نظام الحكم فيها يَصنعه الفلسطينيون من خارج إرادة الاحتلال وبالرغم عنها. بالمقابل فإن ممارسة السلطة الحقيقية في الضفة الغربية، كما في مناطق الـ48، هي لجيش الاحتلال.

3.      الضغوط الامبريالية والصهيونية، تستعمل الامبريالية والصهيونية الحاجات المعيشية للجماهير الفلسطينية للضغط عليها بهدف منع أي مقاومة للاحتلال. ويحتجز الاحتلال السلطة الذاتية الفلسطينية وباقي المؤسسات الناشطة محليًا كرهائن، ويهدد قيامها وكوادرها ورموزها وأموالها ومستلزمات نشاطها لضمان مصالحه. وما اغتيال أبرز زعيم فلسطيني تاريخي، ياسر عرفات، إلا دليل على ذلك.

4.      منطق المقاومة السلمية،  كل نظام قمعي يمكن أن يرد على النضال الجماهيري بالمزيد من الوحشية. وفي المحصلة نجد الجماهير مستعدة لبذل التضحيات، وتطوير القدرة على الاستمرار، إذا ما رأت أملا يلوح بالانتصار أو على الأقل لتحسين ظروف حياتها كنتيجة لهذه التضحيات. والخروج بالصدور العارية أمام بنادق الشرطة والجيش له منطق سياسي يقول بإحدى إمكانيتين: إما أن يرفض الجيش ارتكاب المجازر بحق المتظاهرين كما حدث بعد الاشتباكات الأولى في تونس ومصر، أو أن يسبب أمر ارتكاب المجازر انشقاقات في الجيش وانضمام بعض عناصره للقوى الثورية كما كان في بدايات الحراك في سوريا. ولكن، في ظل واقع احتلال استعماري عنصري لا ترفُض الأوامر إلا قلة قليلة من الجنود، ولا مجال للحديث عن انشقاقات في الجيش؛ فان مواجهة الاحتلال تتطلب رؤية إستراتجية أوسع ولا يمكن أن يختصر دور القوى الثورية في التحريض على تصعيد النضال.

5.      النضال المطلبي، بناء النسيج الاجتماعي السليم، ومن ضمنه مكافحة الفساد وتعزيز التكافل الاجتماعي وتطوير البنية التحتية الاقتصادية الإنتاجية وتعزيز العدالة الاجتماعية وتطوير التعليم والثقافة ومناهضة الجهل والقمع. كلها من أهم مستلزمات الصمود ومقاومة الاحتلال. ولكن آفاق النضال المطلبي تحت الاحتلال محدودة ومنطق التطور الطبيعي من نضال مطلبي إلى نضال سياسي وتحدي النظام لا يسري في هذه الظروف. وفي الدوّل "الطبيعية" يناضل العامل ليحصل على لقمة العيش وإذا وقفت الحكومة في طريقه، فإنها تعرض شرعيتها لجروح بالغة الخطورة، ويمكن أن تكون النتيجة صدام بين الجماهير الشعبية والنظام، وهذا يمكن أن يؤدي إلى تغيير النظام. ولكن عندنا لا يوجد أي عامل أو فلاح لا يعلم أن النظام غير شرعي، وهذا النظام لا يدعي أصلاً أنه جاء ليخدم مصالح الجماهير الفلسطينية، بالإضافة إلى أنه يعتمد على القوة وليس على شرعية الجماهير.

من هنا، إن تطوير الحراك الجماهيري يجب أن يكون من خلال وعي لقواعد النظام السياسي وللتناقضات التي يمكن أن تسبب التغيير، ورؤية لخلق التغيير المطلوب.

العودة والدولة الديمقراطية الواحدة، عنوان ربيع فلسطين:

عندما نأتي على بحث السياسة الفلسطينية المطلوبة في حقبة "الربيع العربي"، علينا أن نحدد مساحة توقعاتنا وما هي التطورات التي يمكن أن تنشأ في المنطقة، وكيف يمكن أن تُؤثر أطروحتنا ونشاطنا على تطور مجريات الأمور. وعلينا أن نتذكر أننا نعيش مرحلة التغييرات الكبيرة وأن القوى التي تحركت، وفي مقدمتها قوة الجماهير العربية، لم تهدأ بعد، ولا نعلم لأي مدة زمنية سيستمر الحراك، وأي من الأنظمة يمكن أن تسقُط أو تُجبر على التماشي مع تطلعات شعوبها، وعند أي جدول من التغيير السياسي والاجتماعي قد تُوصلنا هذه العاصفة.

كما علينا أن نتذكر أن الربيع العربي يتزامن مع أكبر أزمة اقتصادية تمرّ بها الإمبريالية منذ الحرب العالمية الثانية، ومع أهم تغيير في ميزان القوى العالمي، أي صعود الصين كأكبر اقتصاد عالمي ولأول مرة في التاريخ الحديث ينتقل المركز إلى "الهوامش". ولذلك علينا أن نأخذ بالحسبان أننا في بداية عملية تغيير تاريخي وبداية حركة نحو مرحلة جديدة، ما يعني أننا تماماً على عتبة اكتشاف عصر جديد يزيد المجهول فيه عن المعروف.

وبأخذ جملة الأسباب السابقة كمعطيات تحليلية، يتبدى أن علينا تحديد الأهداف الجدية التي نرغب بالوصول إليها وأن نسأل أنفسنا: هل يمكن أن يؤدي بنا الربيع العربي إلى تحقيق هذه الأهداف؟ وليس لهذا السؤال من جواب علمي يمكن أن يحسبه أحد من خلال المعطيات الموجودة، ولكن إرادتنا وعزيمتنا وفعلنا المدروس والموضوعي من شأنه أن يتحول إلى أحد عوامل التغيير الأساسية في تأثيرها، ويمكن أن يؤثر على صياغة صورة المنطقة من جديد في مرحلة هزّت كل أركان السيطرة والهيمنة القديمة.

إذن، نحن نتكلم عن الربيع العربي كحركة جماهيرية ثورية تطرح من جديد قضية الديمقراطية في البلدان العربية، وإن كان لا وجود لحاجة ملحة في أي بلد عربي للتغييرات الثورية وللديمقراطية بقدر ضرورتها لفلسطين، ولا مفهوم للديمقراطية في فلسطين إلا بعودة اللاجئين وإسقاط نظام الأبارتهايد العنصري الصهيوني وتشكيل دولة ديمقراطية واحدة في كل فلسطين، يكون الأساس في تشكيلها استعادة الحقوق من قبل مستحقيها بشكلها التاريخي والمتكامل.

لقد بدا في بعض دوّل الربيع العربي، وكأن مطالب الحراك وبرنامج الثورة يقتصر على "إسقاط النظام"، وهذا أمر طبيعي لدرجة معيّنة بظروف دولة طبيعية، يعيش شعبها ويمارس وجوده  فيها.

إن خصوصية الوضع الفلسطيني تتطلب منا تحديد برنامج التغيير بوضوح أكثر، وعدم الاكتفاء في الدعوة لـ"إسقاط النظام"، أو حتى للعودة والتحرير. وأحد الأسباب لذلك، أن لا يوجد فراغ سياسي في القضية الفلسطينية، بل إن الساحة السياسية مليئة لحد خطر الاختناق ببرامج سياسية مصطنعة أتت لتحرف القضية الفلسطينية وتحيدها باتجاه المصلحة الإمبريالية، وعلى حساب الحقوق القومية المشروعة للفلسطينيين. والهدف الأول من طرح برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة، هو إعادة المضمون الثوري الحقيقي لحركة التحرر الفلسطينية وإعادة حق العودة واللاجئين إلى مركز الحراك السياسي، وإعادة وحدة الشعب الفلسطيني في حراك واحد نحو مصير واحد ومستقبل حرّ.

خصوصية القضية الفلسطينية لا تتوقف عند محولات الاحتلال على الفصل بين اللاجئين والمُقيمين وبين مناطق الـ48 والـ67. كما ذكرنا سابقا، إن السؤال الفلسطيني ناجم عن تناقضات نظام الهيمنة الإمبريالية الذي ينتهك الحقوق الفلسطينية، وحل هذا السؤال يتطلب تعاضد شعوب المنطقة على فك ترميز هذه الهيمنة. هذا الطابع الإقليمي للقضية الفلسطينية يحول الحراك السياسي المدروس إلى ضرورة مُلحة. والتشديد على البُعد الديمقراطي للنضال الفلسطيني، في مقابل الطابع العنصري للنظام الصهيوني، قد يشكل سلاحا قيميا وسياسيا قويا في محاربة التأثير الصهيوني في العديد من دول العالم، وكذلك في بناء جبهة عالمية قوية داعمة للحق الفلسطيني،  وليست داعمة فقط للحلول الوهمية التي آخرها شرعنة التهجير والاحتلال.

أخيراً، تفكيك القلعة العدوانية الإسرائيلية قد يكون أسرع وأهون وأقل تكلفة بالأرواح والمواد من خلال طرح البديل الإيجابي للجمهور اليهودي في فلسطين. ومع تغيير ميزان القوى في المنطقة تتقلص إمكانية الصهيونية على ضمان الامتيازات لليهود في فلسطين ومنها "الأمتياز" في خوض الحرب على الفلسطينيين دون تعريض أنفسهم للخطر. ومع احتدام الأزمة، وعلى الصعيد السياسي، تتفاقم عنصرية النظام الصهيوني إلى درجة الهيستيريا، وهي تؤسس سيطرتها على الجمهور اليهودي وعلى التجهيل وتنمية الخوف والكراهية العمياء. وهنا، أيضا، يأتي دور مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة الذي يضمن للجمهور اليهودي أحسن فرصة للتخلص من الصهيونية والاندماج في فلسطين كمواطنين متساويي الحقوق.

إن الربيع العربي فتح أبواب عهد جديد على العالم العربي وهذا العهد تصنعه الجماهير في حراكها الثوري. نكبة فلسطين والتطهير العرقي والاحتلال الصهيوني كانت وما زالت تعبر عن  رموز الهيمنة الإمبريالية واغتصاب حقوق الأمة العربية، ونفي مفهوم التمتع بحقوق الإنسان عن الإنسان العربي. طوال عصر الظلام كان النضال الفلسطيني شعلة الحرية التي تشيع الأمل بمستقبل حر. ولن يتمم الربيع العربي قطافه، دونما تشييد عصر الحق والحرية في فلسطين.

--------------------

*يوآب حيفاوي: ناشط سياسي من حيفا المحتلة، وعضو حركة أبناء البلد الفلسطينية ومحرر مدونة "حيفا الحرة".