×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

أيها الإسرائيليون، هل عرفتم ما لون الفزع؟

آثار العدوان على غزة، تشرين الثاني ٢٠١٢ (تصوير: إبراهيم أبو مصطفى - رويتر) آثار العدوان على غزة، تشرين الثاني ٢٠١٢ (تصوير: إبراهيم أبو مصطفى - رويتر)

بقلم: عيسى قراقع*

ليس عندنا ملاجئ نلجأ إليها ونخبئ فيها أطفالنا، لنحميهم من عمود الموت المصبوب من الطائرات والقاذفات الإسرائيلية، وليس لدينا صافرات إنذار تنبهنا بأن الصواريخ قد حلقت فوق بيوتنا ورؤوسنا ومدارسنا، لا قبة حديدية تعترض الصواريخ العمياء الموجهة لاقتلاع أرواحنا وحرق منازلنا، فالخيارات أمام أبناء شعبنا من سكان قطاع غزة هي أن يظلوا في بيوتهم ينظرون إلى سقوف البيوت وارتجاجات الأرض وانشقاق السماء، أو أن يكونوا في ثلاجة الموتى بعد حين مندهشين.

العدوان الإسرائيلي اللاأخلاقي على قطاع غزة، والذي بدأ يوم 14/11/2012، واستمر ثمانية أيام والذي حصد المئات من الأرواح، وحرث أرض غزة بالموت والجنون، كان يبحث عن صور أطفال عائلة الدلو تحت ركام منزلهم محروقين، كي تعلن دولة إسرائيل انتصارها وتحقيق أهدافها، وكلما زاد عدد الشهداء في صفوف المدنيين، كلما أعلن وزير الجيش الإسرائيلي أن قوة الردع الإسرائيلي حققت نتائجها.

الضحايا الذين سقطوا على أرض غزة، رحلوا بدمهم وفزعهم وأسئلتهم الموجعة إلى ما يسمى الجبهة الداخلية في إسرائيل، نشروا أجسادهم في كل مدينة ومستوطنة وساحل، وصرخوا واقتربوا أكثر من أي وقت مضى من القاتل والجلاد وحدقوا في أعينهم وانفجروا كوابيس.

الصورة لم تعد أحادية الجانب، والفزع لم يعد حكرا على الضحايا، وإنما أصاب الأقوياء المتضخمين بقوتهم العسكرتارية وترسانتهم المسلحة، لنرى سكان دولة إسرائيل بما فيهم الجنود والمستوطنين وأعضاء الكنيست يهرعون في الشوارع، يختبئون في بيت الدرج، ينزلون عميقا إلى الملاجئ، يتركون البحر وكرة القدم والرحلات الجميلة والمواعيد مع الفتيات.

كان الإسرائيليون يصرخون: وصل الموت هنا، إرتد عمود السحاب المسلح الموجه إلى غزة إلى قلب تل أبيب والقدس المحتلة وغرف النوم فيهما، أدركوا معنى الفزع، والخوف على أطفالهم الصغار، وأدركوا كيف تشل الحياة، وتغلق المدارس، وتخلو الشوارع من الناس، وكأن أرواح الضحايا الفلسطينيين تلاحقهم وتلعنهم، وكأن هذه الحرب وحدت الصورة من رفح إلى مستوطنة عصيون، والجنازة تشبه الجنازة، فالأقوياء ليسوا دائما ينتصرون.

أيها الإسرائيليون ما لون الفزع؟ يسيل من السماء، يسيل عن الجدران وحبل الغسيل وفي النوم واليقظة، هو فزعنا التاريخي قد استيقظ بعد أكثر من ستين عاما، فزع أمهاتنا وشهدائنا وبيوتنا المنكوبة وأطفالنا المطاردين يوميا على يد صواريخكم وسجونكم وجنودكم ومستوطنيكم، أهينوا وقلعت عيونهم بالرصاص، هو فزعنا المالح بطعم الدم تذوقوه الآن قليلا قليلا، لتتعلموا أن من يذهب للقتال قد لا يعود، ومن يعد يعش مسكونا بأشباحنا وأسمائنا، لتعجزوا عن تسجيل انتصار أخير في حروبكم على الآخرين.

أيها الإسرائيليون، ما لون الفزع؟ لا بحر جميل ولا شجرة خضراء، لا دواء ولا خبز ولا كفن، يموت طفل في الطريق إلى نقطة الماء، وتسقط أم فوق أطفالها، وآخرون لا زالوا تحت الركام يشتعلون.

لقد دأبت حكومة إسرائيل أن توقظكم من سباتكم بواسطة الحروب، تمس نمط حياتكم المنظم، الرتيب، وأن تشوش وتقلب عالمكم رأسا على عقب، لأن الحرب بالنسبة لدولة إسرائيل هي نزعة مقدسة، فيها روعة واحتفال ورومانسية وطقوس كثيرة، هكذا يتعلم طلابكم في مدارسكم عن القتال والحرب، ولا يتعلمون عن السلام سوى أنه هدنة تحضيرية استعدادا لحرب أخرى.

أيها الإسرائيليون...، ألقيتم آلاف الأطنان من القنابل على سكان غزة ولم تشبعوا، فمن خرج من تحت الأرض حيا لم يجد له مأوى فوق الأرض، فأعدتموه أشلاءً وهو يركض بصمت نحو الشمس، ولم تشبعوا.

أيها الإسرائيليون، ما لون الفزغ وانتم تشربون من بحر غزة، حائرون من تناقض التعليمات والفتاوى المطلقة وسقوطها؟ قالوا لكم لا يوجد جندي يموت في الحرب، وان القوة قادرة على تحقيق العجائب، فتحولتم الى شعب يجيد بناء التوابيت ودولة ليست أكثر من معسكر تدريب.

يبدو أن تاريخكم سيكون مقسما حسب عدد الحروب والنكبات وأعداد القتلى، وأن احتلاكم الطويل تطور إلى الحد الذي أصبح جزءا من وعيكم حتى فقدتم الصلة بالعالم الطبيعي وبالإنسانية؛ فمتى تخرجون للحرب ثانية وتطفئون صوت أغنية تدعوكم للحياة، عجزتم عن اغتيالها؟

أيها الإسرائيليون، ما لون الفزع وأنتم الوحيدون في العالم الذين وضعوا قانونا للنكبة والإبادة والتطهير العرقي؟ تعيشون المأساة معتقدين أن الأموات سيعطونكم شرعية موتهم، وأن النسيان كفيل أن يصدر لكم العفو والرحمة، لتدخلوا الآن في المشهد، وتجدوا أن الأرض لا تطيق أقدامكم، وأن خرافة أرض الميعاد قد صارت شبحا يطاردكم في التاريخ.

أيها الإسرائيليون، ما لون الفزع...؟ وقد ذقناه مراً علقما منذ أن هجرنا وطردنا من بيوتنا وهوائنا وأرضنا عام النكبة، رأينا الفزع في عيون أطفالنا ونساءنا وفي أحلامنا وخطواتنا الملاحقة من مخيم إلى مخيم ومن مكان إلى مكان.

لقد جرفتنا دباباتكم إلى جهات المنفى، ولم تكترثوا لما فينا من غضب وعطش للعودة والحرية، وها أنتم تذوقون طعم الحرب، وتشاهدون كيف تتحول الإنسانية إلى مجرد ظلال لجبروتكم وطغيانكم، فهل تلقيتم الدرس بأن من ينزع إنسانية الآخر يفقد إنسانيته، وتهرب من حوله كل معاني الجمال والاستقرار؟

أيها الإسرائيليون ما لون الفزع؟ ما طعم البكاء، وقد قلتم انه تكفي دمعة واحدة لولد يهودي لطرد سكان غزة جميعا، كما صرح بذلك اليميني الإسرائيلي المتطرف "اسرائيل كاتس" في خطابه الشرير خلال الاحتفال بالقصف؟ لقد بكينا، وها أنتم تبكون، وسؤال غزة لا زال يوجع أساطيركم.

أيها الإسرائيليون، هل عرفتم ما لون الفزع؟ احتشد الآلاف من جنودكم على حدود غزة، و استعدوا لغزو بري، لعنترية عسكرية جديدة، لا يفكرون إلا بالسلاح، يتشوقون للقتل، ولا يحبون أن يسمعوا عن السلام، فالسلام بالنسبة لجنودكم هو الفضيحة، ولم يتعلموا أن الضحية تستوعب الجريمة أحيانا، وأن الناجين يتعلمون سريعا كيف يمنعون المجرمين من اقتسام البطولة.

----------------

*عيسى قراقع: وزير شؤون الأسرى والمحررين، وعضو الجمعية العامة لمركز بديل.