×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

التدوين بوابة لفلسطين: فيسبوك مثالاً

بقلم: محمد نور أحمد*

لا شك أن ما جرى وما زال يجري في العالم العربي من جملة الأحداث العاصفة، والتي لعب بها الاعلام بكافة أنواعه وأشكاله الدور الأكبر، قد غير الكثير من المفاهيم وأساليب العمل الإعلامي والتواصل في البلدان التي شهدت تلك الأحداث. وبالطبع، لم يكن المشهد الفلسطيني غائباً عنها كذلك. على الرغم من انحداره في أوقات كثيرة إلى مراتب متأخرة عن الوجهة التي كان قد احتلها في فترات سابقة بفعل سخونة الحدث وحساسيته في بلدان عربية أخرى.

لعل المتغير الأكبر في هذا الحقل؛ كان بارتفاع شأن المدونات من جهة، ودخول مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة على خط انتاج الأخبار والتواصل وتبادل المعلومات من جهة ثانية. فهذه الأدوات وأشكال التواصل الموازية لها، تخطت ذلك لاحقاً وأسهمت بشكل كبير ليس فقط في نقل الخبر وتحليله، بل بصناعة الحدث برمته ونقله وتوثيقه.  

يعتبر موقع ال"فيسبوك"، والذي تجاوز عدد افراد مملكته المليار حتى أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، التطبيق الأسهل والأوسع انتشاراً على الشبكة العنكبوتية من بين المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي. ما دفعه ليكون الوجهة الأولى للنشطاء والمعارضين السياسين والحقوقين وتيارات المثقفين والموسيقين وغيرها من التيارات للتجمع والتواصل والوصول بقضاياهم الى أبعد مما كانوا يفترضون.

صفحات الحملات التعبوية

في ظل هذه المتغيرات المتسارعة في عالم "الميديا"، فإن الحالة الفلسطينية لم تنتظر كثيراً للدخول على خط استخدام المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي في مسيرة نضالها الوطني. فقد كانت صفحة "الانتفاضة الفلسطينية الثالثة" المحطة الرئيسية الأولى التي تم الدعوة لها بعد اندلاع ما بات يعرف بـ"الربيع العربي" بداية العام 2011. وقد وضعت صفحة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة على فيس بوك مجموعة من الدعوات ل"مسيرات مليونية" يخطط لها الشبان الفلسطينيون والعرب والمسلمين والأحرار في كل الارض على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" في يوم 15 أيار/مايو عام 2011 (الذكرى 63 للنكبة)، بحيث تكون العودة إلى فلسطين هدفاً لها.

والحقيقة أن الرضوخ للطلب الإسرائيلي الرسمي من إدارة موقع الفيسبوك بإغلاق صفحة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة يوم 30 آذار/مارس من العام المنصرم، بعد أن كان عدد المشاركين  في الصفحة المذكورة قد وصل إلى 350 ألفا، كما أن الضجة الإعلامية التي رافقتها، جعلت للمشروع قوائم يمشي عليها. وهو ما تم تكريسه في يوم النكبة عبر انطلاق مسيرات حاشدة على الحدود اللبنانية والسورية، وكان قوام هذه المسيرات من اللاجئين الفلسطينيين ومواطنين من هذه البلدان. إضافة إلى مخيم قلنديا في القدس المحتلة، وما وقع هناك من اشتباكات مع جيش الاحتلال الإسرائيلي. كذلك الحال مع المضاعفات على حدود الجولان السوري المحتل، التي تمثلت باختراق الشبان الفلسطينيين للأرض منزوعة السلاح إلى بلدة مجدل شمس المحتلة حيث اعتصموا هناك مع أهالي البلدة ساعات قبل أن يعودوا إلى الطرف السوري من الحدود.

المحطة المفصلية الثانية كانت متزامنة أيضاً هذا العام مع ذكرى النكبة الفلسطينية، وهذه المرة تحت عنوان التضامن مع الأسرى الفلسطينيين المحتجزين إدارياً والمضربين عن الطعام في معتقلات الاحتلال الإسرائيلي. حيث دعت الحملة إلى توحيد صور "البروفايل" الخاصة بمشتركي الفيسبوك، والصورة عبارة عن أسير معصوب العينين يرتدي الزي البني الذي تفرضه قوات الاحتلال، مكتوب عليه كلمة اختصار تشير لـ "مصلحة السجون الإسرائيلية" وجهاز الـ"شاباص".

للحقيقة فان هذه الحملة أحدثت ضجة أكبر من الحملة الأولى، إن على صعيد المتضامنين الذين قدر عددهم بنحو 24 مليون شخص قاموا بتغيير صورهم  وتوحيدها ضمن اطار الحملة، او على صعيد التأثير على السلطات الإسرائيلية وإزعاجها. فساهمت الحملة بحمل أصوات المعتقلين الفلسطينيين إلى العالم بشكل إيجابي قل نظيره اعلامياً والكترونياً.

الصفحات الإخبارية

غزة الان؛ ليس اسما لقناة تلفزيونية أو صحيفة يومية. إنها صفحة إخبارية على موقع الفيس بوك بلغ عدد مشتركيها اكثر من 150 الف مشارك حتى نهاية أيلول/سبتمبر الماضي. تلك الصفحة شأنها شأن الكثير من الصفحات الأخبارية الفلسطينية التي تقدم خدماتها الأخبارية المجانية على مدار الساعة. ويحرص الاعلاميون من داخل القطاع وخارجه على متابعة تلك الصفحات خلال الأحداث الساخنة نظراً لسرعتها في نقل الخبر، هذا بعيداً عن الحكم على مدى مصداقيته والثقة بمصدره.

أما خلال الأحداث الجارية في سورية، فقد نالت المخيمات الفلسطينية شأنها شأن باقي المناطق السورية حصتها من الاشتباكات والقصف، ونتيجة لذلك سقط العديد من الشهداء والجرحى. هذا ووصل عدد الصفحات الإخبارية الفلسطينية التي نقلت أخبار المخيمات وما كان يجري فيها إلى أكثر من 40 صفحة. على سبيل المثال بلغ عدد مشتركي إحدى الصفحات المعروفة باسم "مخيم اليرموك نيوز" أكثر من 45 ألف مشترك، وعلى الرغم من ضعف امكانياتها استطاعت بعض تلك الصفحات تغطية ما يجري لحظة بلحظة، وكانت المرجع الأول لأخبار الكثير من الفلسطينيين في الداخل والشتات فيما يتعلق بمعرفة أخبار الفلسطينيين والسوريين في سوريا. هذا ما يدفع للقول ان هذه الصفحات تفوقت في ظاهرة ملفتة على القنوات الإخبارية الفضائية، التي كان لها الدور المهيمن في مشاهدة واهتمام المتتبعين للأخبار والأحداث في الوقت السابق لانتشار ادوات التواصل الالكتروني.

لم يقتصر الأمر في المخيمات الفلسطينية على الصفحات الاخبارية، فهنالك المئات من المجموعات والصفحات التي تنشط بالتدوين غير المنظم ليوميات اللاجئين الفلسطينيين ونشاطاتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية وتطرح قضاياهم الداخلية والخارجية. ناهيك عن تلك المجموعات التي تمجد الوطن الأم وتعزز الانتماء للتراب وتستعرض من خلال يومياتها ومشاركات اعضائها تاريخ الشعب الفلسطيني، أدبه، فنه، ونضاله.

عشرات الصفحات على سبيل المثال تحتفي بمحمود درويش وغيره من الشخصيات الادبية والمقاومة الفلسطينية، وأخرى تعنى بالأدب الفلسطيني. وفي اتجاه اخر، يمكن العثور على غيرها ممن تعنى بالذاكرة الفلسطينية وغالباً ما تنتهي أسماء تلك المجموعات أو تبدأ باسم فلسطين.

في احصاء مستعجل، نقول أن عدد الصفحات أو المجموعات التي تنتهي أو تبدأ او يتخللها اسم فلسطين قد تجاوز الألفان صفحة ونيف. بالإضافة إلى صفحات ومجموعات مدن ومخيمات وتجمعات الفلسطينيين في العالم. ففي مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيون ينشط الشباب الفلسطيني ،فيسبوكيا، من خلال أكثر من 500 صفحة ومجموعة تحمل اسم المخيم وحده فقط.

بالرغم من أن الكثير من الاعلامين والمهتمين يرى بأن تلك الصفحات يعيبها فقدانها الرقابة، يرى آخرون أن موقع الفيسبوك وسهولة انشاء صفحة أو مجموعة وبدء التدوين فيها، على الرغم من افتقاره  للرقابة الا ان هذا الجانب لا يجعل غيرها من المحطات او الصحف أو اي وسيلة تواصل أخرى "لا تفتقر" إلى الرقابة أكثر موضوعية وشفافية. فما نشهده اليوم من زيف اعلامي وكذب وتشويه على الفضائيات وفي الصحف والاذاعات التي يمتهن العديد منها هذا الزيف، لا يكاد يوقفه او يحاسبه اي رقيب او مانع. لذا فان مواقع صفحات التواصل الاجتماعي وبالرغم من النقد الكبير الموجه لفوضويتها وأشكال انتشارها؛ إلا أنها اليوم أصبحت جزءا لا يتجزأ من منظومة الحياة الانسانية بكامل مكوناتها.

--------------------

*محمد نور أحمد: صحفي ومدون مختص بشؤون متابعة الحملات الشعبية الكترونياً- دمشق.