×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

المسيحيون والتحولات التاريخية في الشرق

رجل دين مسيحي يشارك في الاحتفال بثورة 25 يناير بـ"بني سويف" رجل دين مسيحي يشارك في الاحتفال بثورة 25 يناير بـ"بني سويف"

بقلم: المطران عطا الله حنا*

يمر الشرق العربي بتقلبات سياسية واجتماعية عميقة، تعبر فيما بين جنباتها عن نمو شخصية الفرد وبلوغه إلى حد من الثقافة والوعي، بحيث تمكنه من معرفة ماذا يريد! ومن المطالب  ما هو مباشر وحال، وما هو في موقع المأمول أي ما يصبو إليه ويريده في مرحلة قادمة. وهو بذلك، أي الشرق العربي بإنسانه، أصبح قابلا مواجهة التحديات الكثيرة، حتى بذل الحياة، التي تفترضها سن البلوغ السياسي الذي بلغه. ونجد أن مطالباته تطال نوعية الحكم ووضع حد للحكم المستبد بمقدرات البلد، بالرغم من صور الشورى المختلفة والصورية في حقيقتها والتي خبرناها لعقود طويلة والتي تبقى خاضعة لشخصية الحاكم. فالشعوب العربية بلغت حد التعبير عن إرادتها فعليا، لأنها تريد حكمًا عادلًا يحترم كرامة كل مواطن ويمكنه من الإسهام الفعلي في بناء بلده.

بدأت الثورة في تونس ثم امتدت إلى ليبيا ومصر والآن سوريا. وكان لها في كل بلد أوجه شبه تمثلت بعفوية المشاركة في الحراك والنزول الى الشارع، وكان لها أيضا أوجه تشابه في النتائج، تمثلت في وصول الإخوان المسلمين إلى الحكمفي معظم هذه الحالات. كما وتميزت الثورات بصدق التضحيات وبوضوح للرؤية، ولكنها لم تتمتع بمركز قيادي يرسم ملامح قطف الثمار، فقطف بالتالي هذه الثمار المنتظرة منذ بعيد الوقت غير من قامت على اكتافهم وأكفهم هذه الثورات.

تميزت حالة الحراك والتحولات العربية الاخيرة في مجملها بالسرعة من حيث الزمن. ففي كل من تونس ومصر استمرت بضعة أسابيع، أما في ليبيا فطال أمدها، وكان لها طابع خاص لأنها أصبحت شأنا دوليا، يتعلق بخوض غمار حرب بأيدٍ استعمارية.ذكرتنا بما جرى في العراق، حيث بدأت بصورة غزو للجيوش الأميركية والاوروبية للمجتمع والدولة ومن ثم النظام في هذا البلد. ومما لا خلاف حوله أن من أولى نتائج الغزو، أن الجهات الغازية أزالت النظام القائم بل وعملت على اندثاره بشكل كلي، كما أنها سمحت للفوضى بالانتشار ان لم نقل انها خلقت نظاما متكاملا من الفوضى، ولم تقدر، او الأصح لم تبال بأن تضع حدا لها. ثم تركت البلاد بعد سنوات من الاحتلال العسكري غارقة في دمها وعجزها وتفككها، وما زالت البلاد في حالة من الضعف والفوضى الطائفية أو لنقل العنف العبثي المسيطر عليها والمهدد لمصيرها. وكأنما الغاية من الغزو الأمريكي تحققت! فانكشف انها كانت تهدف لا إلى القضاء على النظام "غير الديمقراطي" ولا في البحث عن أسلحة مخالفة للقوانين الدولية، بل تدمير البلاد، وضمان إزالة عدو محتمل في وجه إسرائيل، والإبقاء على حالة الفوضى والضعف لأطول حقبة ممكنة. وهذا ما هو حاصل في العراق اليوم. فاستمرت الحالة فانتشرت -ولا زالت- المجازر التي تستهدف الكل، المسيحيين أو المسلمين السنة أو الشيعة وغيرهم من العراقيين وسكان العراق دونما تمييز في بث الظلم والجور.

  وبالنظر الى سوريا أيضًا؛ نستطلع حالة خاصة جدا بين كل تلك الحالات من التحولات في الأرض العربية. لأن الثورة وإن بدأت سورية الطابع والمطلب والمنشأ، إلا أنها أمست اليوم ميداناً لصراع دولي واقليمي ما بين دول متصارعة او محاور عملاقة على صعيد كوني، وللأسف أشد الأسف لا يبدو المخرج قريبًا.

أما العرب المسيحيون في معمعان هذه التقلبات، فدورهم ومكانهم مثل كل مواطن لا أكثر ولا أقل، ولا يجوز القول بغير ذلك؛ سواء تاريخياً أو اجتماعيا أو من جوانب ثقافية حتى؛ فهم مواطنون وأبناء هذا التراب في محصلة التحليل. ساروا ووقفوا كغيرهم في ميدان التحرير في مصر، أما في تونس وليبيا فلا يوجد مسيحيون أو لنقل هناك قلة قليلة- ولا نقول أقلية- منهم. بينما في مصر وسوريا يوجد مسيحيون مصريون وسوريون وهم جزء من الوطن مثلهم مثل غيرهم من المواطنين. ما نود الإشارة والتأكيد عليه في هذا المعرض؛ هو ان هَمُّ المسيحيين هو هَمّ كل مواطن: أن يكون الحكم شورى صحيحة حقيقية، وأن يكون عادلا، وأن يزال الفقر، ويتعامل الحكم مع القوى الدولية بكرامة، وبما يصب في مصلحة الناس جميعا، فلا تبقى القوى الدولية مستعمِرة مستغِلة لثروات البلاد، أو مهتمة بتركيز سياساتها الخاصة في المنطقة على حساب البلاد وأهلها. كل هذا يهم المسيحي كما يهم كل مواطن، وقد يكون الهم الخاص للمسيحي هو الوصول إلى مساواة تامة بين المواطنين فلا يبقوا مميزين دون غيرهم، في بعض المجالات، بسبب الدين. ولعله من المناسب هنا القول أن الانتماءات الدينية او المذهبية في الثقافة العربية والشرق عموما لم تكن مثار نزاع، بل مجال تفاعل محبب يقوم على التنوع، بينما بث التمييز على المستوى الشعبي، دائما كان سياسة تنتهج الحفر والنبش عن مواطن الاختلاف (التنوع الطبيعي) لإيجاد فارق هنا أو جانب هناك تبرر فيه التمييز، او تؤجج عبر الفتن. 

المسيحيون في ذلك كله يطلبون لبلادهم ما هو حق وعدل ومساواة بين المواطنين. ويركز المسيحيون على المساواة. فلأن الدين عنصر أساسي في هوية الأمة وشخصيتها السياسية، ولان الدين الإسلامي هو دين الأكثرية وهو دين الدولة ودين المجتمع في إجمالي الحالة العربية، فان شعور المسيحيين عموما وإحساسهم بأنهم مميَّزين ومبعَدين بسبب دينهم، بالرغم من كل النصوص والدساتير والوعود، يبقى مبررا. وهنا لا مفر من التوضيح ان المسيحيين يجدون أنفسهم أمام تحديين: أولهما: التحدي العام أي العدل والحياة الكريمة، أما ثانيهما فهو التحدي في سبيل المساواة في الحكم وإدارة البلاد والخوض في غمار المسؤوليات والحقوق تماماً كمواطنيهم. وهنا يواجهون عقبة كأداء، فأمامهم طريق طويل حتى يتمكَّن كل مواطن من الإسهام في الحكم من دون الأخذ بعين الاعتبار كونه مسيحيًّا أو مسلمًا أو من أي طيف هو دينه.

وقد ينشأ تحدٍّ خاص من الحكم الإسلامي، وهو فرض المظاهر الإسلامية الاجتماعية على المجتمع كله المسلم وغير المسلم، فيفرض على المسيحي ما يفرض على المسلم باسم الإسلام. وهنا اعتداء واضح على حرية الفرد والحرية الدينية. وعلى المسيحيين أن يُفهِموا القيادات الإسلامية أن المساواة لا حدود لها، وأنّ الدين لله، لا لتجزيء الوطن وتلوينه ووضع حدود بين الناس.

أما الحالة في سوريا والموقف المسيحي الطالب للحقيقة، فهو أولا مطلب لخروج كل القوى الأجنبية. ولكن السؤال المطروح هو: هل النية الأمريكية أصبحت منعقدة ولا رجعة عنها في وجوب تدمير سوريا كما دُمّر العراق؟ وهنا الموقف المسيحي هو موقف مندِّد ومنبِّه للحق والضمير معاً. ففي سوريا قضيتان: قضية دولية مع نية تدمير دولية، وقضية سورية داخلية وهي قضية إصلاحات وتغيير في الحكم: وهنا الموقف المسيحي يقول: أولا اتركوا اللجوء إلى السلاح وكفى سفكا للدماء. وهو نداء إلى الحكومة والاطراف المتصارعة أن تستجيب للشعب وتتحاور وتخرج بالإصلاحات اللازمة.

هل المسيحيون -في كل هذا- مستهدَفون؟

يمكنني القول: من قبل القوى الوطنية ليس المسيحيون بمستهدَفين، أما من طرف القوى الدولية، يقول البعض إن هناك نوايا إعادة تنظيم المنطقة على حساب المسيحيين. ولكن الأرجح هو أن القوى الدولية، لا يهمُّها أمر المسيحيين في شيء، فهم ليسوا مستهدَفين بل هم مهملون وموضوع جهل أو تجاهل. فنلاحظ تجاهل وجودهم وفاعليتهم التاريخية من قبل القوى الأجنبية، كما وهناك العناصر المحلية الغريبة المغربة والمغالية: هذه لها رؤى دينية مغالية وتصب غضبها على المسيحيين من منطلق التعصب الأعمى وغير الواعي والعدمي الجهنمي كذلك.

القوى الإسلامية التي وصلت إلى الحكم، ما زالت تجهل المسيحي كإنسان له كامل الحقوق على قدم المساواة، وتظن أنه يتوجب تطبيق الإسلام بحذافيره -كما تفهمه هي بالطبع- ليجد المسيحي نفسه في أفضل الأحوال. تطبيق الإسلام بحذافيره: وهنا يضحي التساؤل مشروعاً حول من هو العالِم المسلم الذي يستطيع أن يحدد الإسلام ويحصره في وجه من الوجوه السياسية؟ سيكون حتما رأيا بين الآراء وموقفا بين المواقف. وسيُرضي جزءا من المسلمين ولا يرضي الجزء الآخر، ولن يرضي المسيحيين بطبيعة الحال.

تالياً على ذلك، فمن ضرورات القول بأن: المساواة التي يطالب بها المسيحي تشمل المسيحي والمسلم على السواء: وهو اعتبار المسلم والمسيحي والتعامل معهما على المبدأ الأساسي، أي  أن الكل هم خليقة الله، وأن الكل إنسان فتحترم كرامة كل واحد من غير تفريق بين إنسان وإنسان، وهذا ما يترجم في تحدي المواطنة. وذلك في كل مجالات الحياة العامة؛ بدءا من الحكم وانتهاء بتوفير كافة الخدمات اللازمة في مجتمع إنساني. والمقصود بالمجتمع الإنساني هنا هو ما يوفر للمسلم ظروف تمكنه من أن يعيش إسلامه، ويوفر للمسيحي ظروفا تمكنه من أن يعيش مسيحيته في جانبهما الروحي والعقائدي الجميل، الذي يغذي البشرية بمزيد من الجمال والمستقبل الخير المشترك، وبشكل خاص ان كلا الديانتين ارسلتا للانسان من خالقه عبر انبياء نبتو في أرض المشرق والعرب بهدف الارتقاء بروح هذا الانسان لا تدميرها وزجها في صراع لا مبرر له مع نظيراتها.

وحتى نصل إلى هذا العصر أمامنا زمن طويل. ما زلنا في عصرنا نرى أن المسيحي قد يكون موضوع عطف، أو موضوع حماية، أو موضوع تمييز، وليس حتى الآن موضوع مساواة، وذلك بسبب دينه، لأنه مختلف في دينه. وما هذا في التحصيل الاخير الا صنيعة من امتهنوا واحترفوا تلفيق تراثنا وتاريخنا وسرقتهما من قوى استعمارية باغية، لم تقصر يوما في سفك الدم العربي سواء كان مسلماً او مسيحياً او من أي ملة اخرى، كما لا توفر فسحة في جدار مواجهتها مهما صغرت في تحييد العرب جميعاً عن بوصلتهم الاساسية في الارض المقدسة وخلاص هذه الارض مما تعانية منذ اكثر من قرن استعماري مجحف.

 فلا نقول الا ان اعدائنا لا زالو بالعتبة يغتنمون كل مدخل نتيحه او يتاح لهم لدثرنا وتشويهنا وابعادنا عن همنا وابعادنا عن القدس وفلسطين وكافة الارض المقدسة كي لا نكون! لذلك يجب ان نكون، ونكون جميعاً معاً حتى لا نقع في ضائقة النسي المنسي.

-------------------

* غبطة المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الارثوذكس/بطريركية الروم الارثوذكس بالقدس.