×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
تظاهرة في تل أبيب مطالبة بالعدالة الاجتماعية، 16 حزيران 2011 (المصدر: الأيام( تظاهرة في تل أبيب مطالبة بالعدالة الاجتماعية، 16 حزيران 2011 (المصدر: الأيام(

بقلم: آفي شلايم*

يمكن القول أن جملة المتغيرات والثورات المستمرة التي تجتاح المنطقة العربية، إنما تشكل فرصة تاريخية أمام إسرائيل باتجاه أن تصبح جزءاً منسجماً في المنطقة وان تنضم إلى جانب القوى المناصرة للديمقراطية، في تشكيل شرق أوسط جديد. لكن، حتى الآن؛ فان أصداء الربيع العربي لم تتمتع بالمساحة المتوقعة في أي من مستويات الحراك والمجتمع الإسرائيليين. بمعنى آخر، إن الطبقة السياسية وقادة الدولة في إسرائيل مهروا في تجاهل أية أبعاد للمتغيرات في الشارع العربي خارج نطاق المخاطر والتخوفات الناشئة بشكل مواز للحراك العربي. ونتيجة لذلك، فقد تحولت أحلام المشاركين في الاحتجاجات الاجتماعية إلى كوابيس تقض ساحة الوعي لدى مخططي إسرائيل الاستراتيجيين. ولهذا فان هناك حاجة لوقفة تقيمية واعية أمام "الربيع العربي"، حتى لا يصبح شتاءً إسرائيلياً.

بينما لا زالت إسرائيل، كما دوماً، تفاخر بذاتها على أنها تشكل واحة للديمقراطية في محيط غارق في جوهر ومظاهر الاستبداد والدكتاتورية، بات من الواضح مقدار التعاطف والدعم الدوليين المقدمان لإسرائيل منذ نشأتها في العام 1948، بالضبط لأنها واحدة من عدد قليل جداً من الديمقراطيات في المنطقة. وبالرغم من ان اسرائيل تقدم نفسها على أنها واحة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، إلا أنها لم تقم بما يذكر في سبيل تعزيز الديمقراطية في المحيط الغارق بالاستبدادية من حولها، هذا دون ذكر ال1600 وثيقة من الوثائق الدبلوماسية السرية التي كشفت مؤخرا، والتي أشارت إلى وجود دور مركزي لإسرائيل في تقويض الديمقراطية الفلسطينية. وكي لا نجانب الصواب، وبصدد احترام خصوصية التاريخ، فان الناظر لإسرائيل اليوم يمكنه تلمس مقدار الازدراء وعدم ثقة إسرائيل بجوارها العربي، وانعدام الرغبة الإسرائيلية بالاقتراب من "هؤلاء" أو ان تصبح اسرائيل جزءاً منهم حتى لو توفرت لديهم الإرادة لذلك.   

قد يقول قائل، بأن حركة الاحتجاجات في إسرائيل جاءت متأثرة بمثال صحوة الشارع العربي. وهذا صحيح، إذ لا يسعنا الوقوف أمام هذه المقولة لإنكارها أو دحضها، إنما ما يسعنا التوكيد عليه؛ هو أن أجندة المتظاهرين في جادة روتشيلد في تل أبيب مماثلة جدا لتلك في الميادين العربية التي شهدت حراكات وانتفاضات واسعة. فعلى جانبي الشق العربي- الإسرائيلي، نجد أن عين المتظاهرين تقع على الوظائف والإسكان والفرص الاقتصادية، وبشكل مركزي العدالة الاجتماعية. ويمكن الذهاب أكثر من ذلك للقول بان مجمل هذه الاحتجاجات على جانبي الشق في المنطقة إنما قد أتت من مصدر أو أساس واحد: فشل نموذج النيو-ليبرالي في التنمية. كما يبدو جليا ضمن سياق الاحتجاجات في إسرائيل، مدى رغبة المتظاهرين عن أية حالة للتقارب أو التضامن مع الحركات الاحتجاجية خارج حدودها ومن حولها. ولا نجد مبررا دافعا لذلك خارج ساحة التخوفات القلقة من ردة فعل على المستوى الجمعي في مجتمع تتنامى، بل وتتفاقم فيه النزعة الاثنية العنصرية والشوفينية.

وفي صدد عقد مقاربة ما بين صورتي حركات الاحتجاج العربية والإسرائيلية، يتضح فقدان حلقة أساسية من كلا السلسلتين، وهنا نقصد الأوضاع القائمة في الأرض الفلسطينية المحتلة. وخير تدليل على ذلك ما يمكن ملاحظته خلال المراحل الأولى من انطلاق الحراك في العالم العربي، حيث بدا جلياً مدى التحول في عين الاهتمام في الشارع العربي عن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، كمحور مركزي ضمن قضايا المنطقة، لتحتل المشاكل الداخلية في هذه المجتمعات سلم الأولويات والصورة العامة للخطاب الاحتجاجي. أي أن الشباب الليبرالي الذي شكل احد مكونات الحراك لم يتطرق أو يسهب في تناول هذه القضية المزمنة. ولكن قبل عبور الشريط الزمني للتحولات مسافة شاسعة، عادت فلسطين والعدالة في فلسطين إلى مشهد الجدل العربي كقضية أساسية لهذا الحراك وهو ما يمكن التأشير عليه من خلال تتبع ملصقات هذه الحركة الجماهيرية وشعاراتها. وفي هذا الاتجاه، يمسي بالإمكان القول أن مجمل هذه التحولات إنما قدمت فرصة أمام اسرائيل للتعامل مع الشارع العربي بدلاً من حصر علاقاتها بالديكتاتوريين العرب.

وكذلك كانت هناك فرصة نادرة أمام الشباب اليساري والليبرالي الإسرائيلي في حركة 14 تموز/ يوليو من أجل الوصول إلى المنطقة بأسرها فيما يتعلق بقضية مركزية تتمتع بالاهتمام المشترك من قبل مختلف الأطراف. حيث أنه من الواضح لهؤلاء الشباب أن الموارد التي تبددها حكومتهم في مشاريعها الاستيطانية في الأرض المحتلة إنما يتم حجبها عن تنمية وتطوير القطاعات الأخرى من سكن وتعليم ورعاية اجتماعية في اسرائيل، بمعنى أنها جزء من مشكلتهم. ولا بد من استيضاح حقيقة أن العديد من النشطاء الذي يعود لهم الفضل في إطلاق حركة الاحتجاجات الاجتماعية في تل أبيب، إنما هم أساسا نشطاء في "معسكر السلام" الذي يدعو إلى انتهاء الاحتلال والاعتراف بالدولة الفلسطينية. لكن ما تم التركيز عليه ضمن الحركة الاحتجاجية من مسائل اجتماعية لم يكن إلا تكتيكا في التركيز المطلبي بهدف خلق حالة أوسع من التأثير وإمكانيات التغيير.

وما وراء حركة الاحتجاج، يوجد شكوك في اسرائيل بأن القادة الحقيقيين للحراك العربي ليسوا الشباب المثاليين الذين يظهرون أمام عدسات صحفيي العالم، بل ان من يقود هذا الحراك هم المتطرفون الإسلاميون الذين يسعون لإبادة الدولة اليهودية. وعلى الرغم من الأدلة العديدة على ما هو عكس ذلك، إلا أن الإسرائيليين لا زالوا متمسكين بالفكرة السطحية الاختزالية القائلة بأن الإسلام السياسي والعرب لا يشكلون بيئة صالحة للديمقراطية بأية حال من الأحوال. لكن ما تؤكده حركة الشارع العربي هو أن العرب تماماً مثل نظرائهم من شعوب الأرض في أي مكان في العالم، ينشدون الحرية والعدالة الاجتماعية والحقوق والكرامة الإنسانيتان. إلا أن النقاد الإسرائيليين لا زالوا ينظرون بعين الشك، متمترسين في خندق الصور النمطية القديمة ذاتها حول الإسلاميين "الأشرار"، الذين يقفون متحفزين على أهبة الاستعداد للتأمر على ديمقراطية الرجل الواحد والصوت الواحد في الوقت الملائم. وان النتيجة النهائية المتوقعة للصحوة العربية، وفقاً لرأي هذا النادي من النقاد، لن تكون بتفتح أزهار الديمقراطية بقدر ما ستكون تمكينا وترسيخا للهيمنة الإسلامية وإقامة دولة دينية أكثر تعصباً وحدة من الأنظمة الاستبدادية ذات الطابع العلماني التي يسير الكفاح في سبيل استبدالها.

إذا ما استأنف البحث عن أحد الأمثلة الواضحة، كما الشمس في رائعة الضحى، على المعايير المزدوجة إسرائيليا عندما يتعلق الأمر بالديمقراطية في الجانب الآخر من التل، فان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتبر مثالاً في هذا الصدد، حيث أنه كان يؤكد على الدوام في الماضي أن سؤالي السلام والأمن في المنطقة إنما يتوقفان برسم التحول العربي نحو الديمقراطية. مستهلكاً بذلك نظرية "السلام الديمقراطي" المطروحة على منابر أكاديميا السياسية في الغرب، وقد قال في أحد اللقاءات مع مجموعة من الصحفيين الأجانب أن "الديمقراطيات لا تحارب بعضها البعض". ولكنه في ذات الوقت كان مستمرا في جدله حول انعدام الإمكانية للتخلي عن أراض لصالح الأنظمة غير الديمقراطية المحيطة، انطلاقا من مقولة انعدام الإمكانية. لانعدام  الاعتماد على هذا الشكل من الأنظمة وعدم إمكانية الثقة بها بأي شكل من أشكال. ولكن التغيرات والتحولات الناشئة في المنطقة العربية قد أجبرته على خلق تغيير في نبرته في هذا الاتجاه.  فالآن نستطيع سماع نتنياهو يقول "ان اسرئيل، وبسبب الاضطرابات والفوضى في المنطقة، تملك الحق الكامل في استدامة سيطرتها العسكرية على غور الأردن حتى في ظل سياق تسوية سلمية مع الفلسطينيين". وهكذا وبأوسع أشكال التناقض المشوب بالتبرير، نجد أن نتنياهو قد عثر بين أوراق التحول الديمقراطي عربياً، ما يسوقه من حجج للتصلب الإضافي فيما يتعلق بالتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين.

وكان نتنياهو قد قبل على مضض في العام 2009 فكرة دولة فلسطينية مستقلة، لكن جملة سياسات حكومته كانت تتوجه إلى إحباط تحويل مثل هذه الفكرة إلى أمر واقع. ويكفي مثالاً الرفض الإسرائيلي المتواصل لتجميد مشاريعها الاستيطانية في الضفة الغربية في سبيل إتاحة الفرصة أمام محادثات السلام. وهنا يتوجب الإشارة إلى أن الاستيلاء على الأرض وصنع السلام لا يسيران بالتوازي، بل بالتضاد، وهذا ما تقوم به حكومة نتياهو اليمينية ورئيسها، أي اختيار التوسع الاحتلالي على حساب الفلسطينيين. وكما يبدو فان نتنياهو يسعى  إلى استبعاد أي فرصة للاستقلال وإقامة دولة فلسطينية بشكل أبدي، بعد الذهاب بالمشروع الاستعماري الصهيوني في الضفة الغربية والقدس الشرقية منها، إلى حدوده القصوى. والمأساة الكامنة في هذا النهج، تتمثل في أنه يقضي على أية آمال بمستقبل أفضل للإسرائيليين أنفسهم، وكما قدم كارل ماركس " فان الشعب الذي يضطهد شعب آخر، لا يمكن أن يبقى شعباً حر".  

بات من الواضح إذن، أن نتنياهو ليس رجل سلام، ولا يتوقف الوصف عند ذلك، فهو أيضا من دعاة مذهب استمرارية الصراع. كما تعتبر "نحن نعيش في منطقة قاسية" من أشهر قفشاته، لا نجد فكاكا من الاعتراف بهذه الحقيقة حول قساوة ظروف المنطقة، ولكن لا يجب أن نتجاهل الدور الأساسي لإسرائيل في خلق هذه الحالة، بالاعتماد الأولي على القوة العسكرية الغاشمة، وإغفال الدبلوماسية إلى آخر حد، وانتهاكها اليومي والمستمر لحقوق الإنسان الفلسطيني، هذا بالإضافة لانتهاكاتها الصارخة لقواعد القانون الدولي وتشريعاته. ونتنياهو بشخصه يجسد ما تعنيه غطرسة القوة العسكرية، وما يعنيه الانتهاك اليومي للحقوق الفلسطينية والقوانين الدولية.

 وكان نتنياهو قد صرح في كلمته أمام الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 23 تشرين الثاني2011، بان لديه العديد من الانتقادات للساسة الغربيين الداعمين لما يعرف بالربيع العربي، كما واتهم في ذات السياق العالم العربي بأنه: يتحرك للخلف ولا يحرز تقدماً إلى الأمام. وقد أشار إلى توقعاته بشان تحول هذه الظاهرة إلى حراك إسلامي معاد للغرب ولليبرالية، وبذات النصيب من العداء لإسرائيل والديمقراطية كذلك، مدعياً أن الوقت كفيل بإثبات صحة نبوءاته.

وما نجده هنا في تصريحات نتنياهو إنما يمثل تركيزا لأراء ووجهات نظر نخبة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. حيث في معرض آخر نجد اللواء المتقاعد عاموس جلعاد يعبر عن آرائه بشكل صريح في مؤتمر هرتسيليا السنوي، حيث يقول: لا مكان للديمقراطية في العالم العربي، حيث قال للجمهور بأن: "هذه هي الحقيقة وفيما يتعلق بنا فنحن نفضل الاستقرار". في حين بدأ خبراء وساسة الأمن الآخرين بتناول خطر الطوق الإسلامي حول إسرائيل، وهو ما أسموه "الهلال المسموم"، والذي يتكون من إيران وسوريا وحزب الله في لبنان بالإضافة إلى حماس في غزة والإخوان المسلمون في مصر. لكن الخطر الأكثر إلحاحا يبقى هو استسلام قادة اسرائيل لجنون العظمة الامبريالي.

ويبقى البديل الحقيقي أمام اسرائيل والإسرائيليين كامن في اغتنام الفرصة التاريخية التي يشكلها الربيع العربي باتجاه تحقيق السلام مع الفلسطينيين وبقية العالم العربي. حيث يبقى على سبيل المثال أحد خيارات تحقيق السلام، ما قدمه الرئيس كلينتون في ديسمبر عام 2000، أي إقامة دولة فلسطينية مستقلة في قطاع غزة و94-96% من مساحة الضفة الغربية بما يشمل الاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية.  كما أن هناك مبادرة السلام السعودية المقرة من قبل أعضاء جامعة الدول العربية الاثنين والعشرين في قمة بيروت التي عقدت خلال آذار 2002. والتي تعرض على اسرائيل السلام وتطبيع العلاقات مع الدول العربية مقابل الانسحاب الإسرائيلي من كافة الأراضي العربية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن القيادة الإسرائيلية، كما عهدناها دوما، قامت بتجاهل هذه العروض السخية ومضت قدماً في تنفيذ أجندتها الاستعمارية.

أما اليوم، وفي أعقاب الصحوة العربية فان اسرائيل تقف أمام فرصة تاريخية فريدة لتحقيق السلام محل عقيدة الصراع الدائم مع جيرانها. أي أن الخيار قائم بين الاستمرار بالتصرف من منطلق البلطجة أو الإسهام الحقيقي في التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط. وهنا يبقى الخيار أمام قادة اسرائيل قائما كذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار أنهم أحرار في قرارهم كبقية السياسيين في العالم، فإما الخيار الديمقراطي وخيار السلام وإما أن ينتهي المطاف بهم وببلادهم على الجانب الخاطئ من التاريخ.

-----------------------------

* آفي شلايم: الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية في جامعة اوكسفورد.