الافتتاحية: فلسطين والتحولات العربية

متظاهرين في ميدان التحرير يحمل لافتة كتب عليها "أكره مبارك وأكره إسرائيل"، حزيران 2011 (الجزيرة.نت) متظاهرين في ميدان التحرير يحمل لافتة كتب عليها "أكره مبارك وأكره إسرائيل"، حزيران 2011 (الجزيرة.نت)

مع إدراكنا التام لحقيقة أن الإنسان العربي سيكون قادرا على تجسيد إسناده للقضية الفلسطينية ولحقوق شعبنا، كأحد أهم التعبيرات عن الانتماء القومي، فقط إذا امتلك هو نفسه حقوقه وحرياته، إلا أننا وبمستويات مختلفة كنا نتطلع إلى ما يجري في بعض أقطار الوطن العربي باهتمام بالغ وبآمال كبيرة. في تتبعنا للانتفاضات العربية المتلاحقة وحراك الشباب والقوى، كنا نبحث في المسيرات المليونية عن علم فلسطين، ونتفحص الكتابات بحثا عن الشعارات القومية، كالمطالبة برفع الحصار عن غزة، أو إلغاء كامب ديفيد وغيرها، ونصغي جيدا للهتافات منتشين بكل تصريح أو تلميح ذي صلة بنا. تطلعنا ذلك، لم يلغ حقيقة أخرى- ربما توارت قليلا في معمعان الأحداث، لكنها كانت موجودة في قرارة نفوسنا، ألا وهي إدراكنا بان الإنسان العربي لن يكون "قوميا" بالمعنى المرغوب قبل أن يحقق ذاته على المستوى الفردي (الشخصي) والمحلي والقطري. بمعنى أن تحقيق أمنه وأمانه الجسدي، وأمنه الاجتماعي- الاقتصادي وأمنه القومي بإطاره القطري قضايا ستحظى بالأولوية بحكم الضرورة وطبيعة الأشياء. فالإنسان العربي المتمتع بحقوقه وحرياته والتي من ضمنها - وليس أولها، حقه وحريته في المشاركة السياسية بمفهومها الواسع، والذي سيكون عندها "قوميا فاعلا" بالضرورة، سيلزمه قطع شوط طويل قبل أن تستعيد فلسطين مكانتها لديه في دائرة الفعل المؤثر.

رغم كل ما طرأ على الفعل الثوري- الشعبي من تحولات خلال أيام وشهور الثورة المستعرة أو بعد "الانتصار"، وما اعتراه من تشوهات، بعضها مسه في الجوهر، إلا أننا راقبنا باهتمام الحملات الانتخابية للبرلمانات الناشئة أو الرئاسة القادمة. كنا نبحث عن فلسطين القضية وحقوق شعبنا في البرامج المتزاحمة. وعلى اختلاف تلك البرامج، كنا نعتقد أن أضعفها سيكون أفضل مليون مرة مما كان قبل التغيير، على الأقل لو من باب الحرص على الظهور بمظهر مختلف عن الحكم السابق. بلغ الأمر بنا أن نبرر بعض التصريحات غير المبشرة خيرا، أو الملتوية، أو الضبابية، الصادرة من هنا أو هناك، عن هذا أو عن ذاك. ومع كل القلق، رأينا فيها ضرورة تكتيكية، أو حاجة دبلوماسية لتجنب التدخل الأجنبي الخارجي، أو أنها جزء من سياسة درء الفتن، أو سحب البساط من تحت أقدام الثورة المضادة، أو أنها مجرد كلمات عابرة في دعاية انتخابية تستلزم توجيه كل الأصوات إلى الصندوق.

جاءت أحزاب، وتشكلت برلمانات، واقسم رؤوسا، وبقيت قضية فلسطين على حالها، إن لم نقل تراجعت مكانتها، ولو على المستوى الإعلامي وحده. فالمتتبع، يرى أن شعارات وممارسات سلطة المعارضة سابقا الحاكمة حاليا ليست هي ذاتها السابقة او المتوقعة. فالانحدار يكاد يكون أسرع بدرجات إذا ما قورن مع محطات الانحدار في مسار الأنظمة المسقطة

لم تتكسر أحلامنا ولا آمالنا، ولكنها انكمشت. صرنا نبحث عن الفرق ما بين ما كان وما يجري. ماذا يعني استمرار إغلاق المعابر وتدمير الإنفاق؟ ماذا يعني عدم مراجعة "كامب ديفيدبل والاندلاق برخاصة في التوكيد على حفظ العهود في التعامل مع الاتفاقيات المبرمة؟ ماذا يعني التزلف للغرب في كل محفل ومناسبة؟ ماذا يعني الانخراط في مشروع تدمير سورية؟ ماذا يعني الانخراط في تطبيع العلاقات علنا ومن تحت الطاولة؟ وغيرها الكثير من التساؤلات.

ملف هذا العدد يناقش ما سمي بالربيع العربي، او الثورات/الانتفاضات العربية بالتركيز على دور الشباب وموقع فلسطيناو لنقل القضية القومية المركزية. بعض المقالات تتناول جدلية العلاقة ما بين القومي والقطري، وأخرى تسلط الضوء على ما انتهت إليه الحراكات الشبابية من حصاد، وفوز الإسلاميين بحصة الأسد. ولعله من اللافت هنا، أن مختلف القراءات الواردة في مقالات العدد تتفق على أهمية التغيير/ التغيرات المنجزة أو الحراك الحاصل، ولكنها بالمجمل لا زالت ما بين متشائم ومتحفظ لا تتلمس التطوير أو التطور في كل ذلك؛ بل وأكثر من ذلك لا زالت تنظر بقلق شديد إلى حجم التدخلات الأجنبية وتأثيرها في تحديد مسارات المنطقة وسياسات القوى "الجديدة" المعارضة سابقا والحاكمة حاليا.   

هيئة تحرير حق العودة