حكاية منشيّة عكا

عين المنشية في القرية، - تصوير: عمر إغبارية، ١٧ أيار٢٠١١ عين المنشية في القرية، - تصوير: عمر إغبارية، ١٧ أيار٢٠١١

إعداد: رنين جريس ومحمد كيال* 

إن اسم المنشية هو اسم شائع بالوطن العربي كله، وهناك عشرات القرى والأحياء المسماة بالمنشية في مصر والسودان وبلاد الشام. في فلسطين وحدها هناك أكثر من عشرة مواقع معروفة بهذا الاسم. أصل الكلمة هو الجذر "نشأ" والفعل "أنشأ". يبدو أن الاسم أعطي لأحياء أو قرى أنشئت حديثاً قرب مدينة أو قرية قائمة مثل منشية يافا أو منشية الإسكندرية ومنشية عكا. منشية عكا هي فصل آخر من بين مئات الفصول التي تشكل نكبة فلسطين. ورغم أن الفصول متشابهة، حيث احتلت إسرائيل القرية وهجرت أهلها وهدمت بيوتهم ومنعت عودتهم، يبقى لكل مكان خصوصيته وأهميته التي تستدعي توثيق تاريخه وجغرافيته

عن حكاية هذه القرية وتفاصيلها الدافئة حدثني الحاج خليل محمد حَمَدو (1918)، لاجئ من المنشية ويسكن قرية المكر المجاورة.

الدبّويا:
أراضي قرية المنشية كانت حوالي 16 ألف دونم، معظمها كانت أراضي زراعية. صادرت منها بريطانيا عام 1923، 2500 دونم وأقامت عليها مطار عسكري ومحطة تجارب زراعية اللي كانوا يسموها "الدبّويا" (الآن جزء من كلية الجليل الغربي). سموها الدبّويا لأنه كانت بالأصل مقر للجيش التركي اللي كان بعكا وكان هناك مخزن للأسلحة، وبالتركي بيقولوا له الدبّويا. بفكر انه المخزن بعده موجود لليوم. إحنا كنا نزرع قمح وشعير وسمسم وعدس

ما كان فيها أشجار بس كان فيها كروم التين. المنشية كانت تختلف عن باقي قرى الجليل، كانت متقدمة وحالتها الاقتصادية كانت منيحة. كان لا يقل عن عشرين شاب يشتغلوا موظفين بمحطة التجارب الزراعية. كانوا يتقاضوا بذلك الوقت معاش شهري حوالي 3-4 جنيهات. الجنيه الواحد كانت قيمته كثير كبيرة، يعني بذلك الوقت كان دونم الزيتون 200 قرش.
قبل ما يكون في تراكتورات وجرّارات، كان الفلاح العربي عايش على الثيران والمحراث العربي. بالمنشية، أول من اشترى جرار جنزير كان أبوي الحاج خليل حَمَدو. كان في كمان تراكتور عند أولاد عمتي، حسين ومحمد الحاج حسين، كان تراكتور عجل حديد.

عوّينة حَمَدو:
كان عنا أرض اسمها "العوينة". زمن الانتداب كل الجليل كانت كل الناس تعرف انه هاي قطعة الأرض إسمها "عوّينة حَمَدو". كان فيها بئر ميّ، مرويّة وكانت مزروعة. مساحتها كانت 115 دونم. أنا كتبت وبقول:
الا يا عوَينة والدمعات هاموا         وأهلي في فيافي البيد هاموا
بتحريرك رفع محمود هامو          وركع للرب قبل التراب
الى العوَينة قلبي هواها               صورة من السما الله هواها
ما أحلى عيشها وما أطيب هواها
    خشب زيتونها بصدر اللهب

الاحتفال بالاستاذ نقولا:
المنشية ما كان فيها مدرسة. المدرسة بنوها بس بالأربعينات وكانت للأسف بس مدرسة أولاد والبنات ما كانت تتعلم. قبل الأربعينات كان في شيخ يعلم قرآن للأولاد. كان عنده برّاكية والأولاد تيجي عليها. أنا تعلمت بعكا الابتدائي والثانوي وكنت أروح كل يوم من المنشية لعكا. بالصيف كنت أروح مشي وبالشتاء كان عامل من عمالنا يوخذني على الحصان وبآخر اليوم كان يرجعني.

تعلمنا لغة عربية، تاريخ، جغرافية، حساب، قواعد ودين. لليوم بذكر أسماء قسم من الأساتذة ومن بينهم الكاتب والمؤرخ ومعلم التاريخ الأستاذ المرحوم نقولا زيادة. كان يعلمنا تاريخ فلسطين والتاريخ العربي، بس ما كان عندنا كتب، وكنا نكتب على أوراق. أنا أنهيت دراستي بسنة 1934 وبعد هذا التاريخ غادر الأستاذ نقولا البلاد وعيّنوه أستاذ محاضر بجامعة اكسفورد ببريطانيا. بذكر حادثة صارت بعام 1933، صدمت الأستاذ نقولا سيارة وتغيب عن الدراسة حوالي أسبوعين. بعد شفائه وعودته للتدريس، استدعيت طباخ من مدينة عكا وجبت كبش وذبحناه وعملنا عشاء ودعا مدير المدرسة والاساتذه، احتفالا بالأستاذ نقولا. الأستاذ نقولا علّمنا نغني ونقول:


بلادي يا بلادي        قاضية البلدان

حبك في فؤادي      مشعل النيران

أينما صرت أنادي     طيفك الفتان

أنت أنسي في بعادي     أنت دينٌ ثان

وطلعنا ع المنشية تناكل كبّه نيّة:
أنا تزوجت بالمنشية ب 1938، كنت كثير صغير. كنّا بالأعراس نغني والنسوان تطبخ وتعمل الكبّة وتوزع لأهل البلد. الكبّة كانت من أشهر أكلات المنشية وعشان هيك الناس لليوم بتغني: "وطلعنا ع المنشية، تناكل كبيّه نيّة". زوجتي اسمها زهراء خضر علي حسين أبو شنب، أصلهم من مصر وجاءوا مع إبراهيم باشا لما احتل فلسطين. زهرا كانت من عائلة ثانية، أبوي انتخبها إلي بدون ما أعلم. يومها كنت بالشغل، ولما روّحت ما لاقيت حدا بالبيت والجيران قالوا لي: شو أنت ما بتعرف؟ اليوم كتب كتابك؟ (ضاحكاً). أنا ما كنت أفكر بالزواج وكنت بديّ أغادر البلاد، وعشان هيك أبوي قرر يزوجني.

اعتقال مختار المنشية وقانون الطوارئ البريطاني:
يستمر الحاج محمد في انتشال القصص والحكايات من مخزون ذكرياته ويحدثني عن زمن الانتداب وعن الثوار:
 أول مختار بالمنشية كان محمد الياسين وهذا كان على زمن الاتراك. ثاني واحد كان حسن دِعبس والثالث كان نمر السخنيني والرابع كان أخوي محمد خليل حَمَدو وكان هذا بزمن الثورة. بهاي الفترة كان بلبنان وهو راجع من رأس الناقورة مسكوا الإنجليز معه سلاح وحبسوه سنة وتسع أشهر. بعد ما طلع الحكم عليه بثلاث أيام، طلع قانون الطوارئ البريطاني، وهو بالسجن تعيّن مختار جديد اسمه محمد علي خريبي. هذا قانون الطوارئ أطلعوه الانجليز أيام الثورة حتى يقمعوا الثوار. وتم نشر هذا القانون بجريدة الوقائع الفلسطينية في حزيران 1936 وينصّ على إيقاع عقوبات قاسية على كل من يشارك بالثورة ضد الاحتلال البريطاني أو يحمل أي نوع من السلاح، ويخول القانون المندوب السامي وضباطه بفرض منع التجول ومصادرة الأملاك وفرض عقوبات جماعية أخرى على بلدان شارك أبناؤها بالثورة.

فصيل الإنتقام وتهريب الحاج أمين الحسيني:
بذكر إنه بقرية المنشية كان في تنظيم اسمه "فصيل الانتقام". الإنجليز كانوا يتعاملوا معه على إنه إرهابي، لكن الفصيل كان ضد الخونة والمتعاونين وضد الجيوش البريطانية. قام الفصيل بعمليات اغتيال لقادة من الجيش الانجليزي وكمان لمخاتير عرب كانوا متعاونين مع اليهود والإنجليز. الحاج أمين الحسيني كان يعرف بهذي العمليات والمخططات. الله يرحمك يا حاج أمين. بذكر كيف هربناه أنا وكمان ثلاثة من الفصيل للبنان، عن طريق شط الطنطورة. رحنا بالليل وأعطيناه زورق صغير وهرب فيه ع لبنان، لأنه كان ملاحق من قبل البريطانيين.

صقر قريش المنشاوي:
القرية الوحيدة اللي كان فيها فصيل لمقاومة الجيش البريطاني كانت قرية المنشية، وباقي القرى كان عندها سلاح بس ما كان الإشي منظم.
أنا انضميت لفصيل الإنتقام ببداية الثورة. أنا كنت من المخططين للعمليات العسكرية تحت الاسم المستعار "صقر قريش المنشاوي" وكنت حَلقة الوصل بين فصيل الإنتقام وباقي قيادات الثورة في الجليل. رئيس بالفصيل كان أبوي الحاج خليل محمد حَمَدو. كان رئيس الشرف لأنه كان أكبر مسن بقرية المنشية. كلّ أعضاء الفصيل ماتوا، وبقيت لِوحدي، الله يرحمهم.

ألغام بالقرب من تلّ البروة وتفجير طريق عين مِماس:
الفصيل نفّذ عمليات بطولية ضد الاستعمار البريطاني. مرّة قمنا بوضع لغم أرضي في الطريق الترابية جنب تَلّْ البروِة (قرب كيبوتس يسعور اليوم)، وانفجَر اللغم وقتل في العمليِّة هاي 12 جندي بريطاني. القوات البريطانية قررت الانتقام من أهل البروة وصاروا يوخذوا الشباب ويحطوهم جنب الصبر وبعدين يقطعوا ألواح الصبر ويسقطوها عليهم. قال لي صديقي أبو سعود صالح محمود الميعاري إنهم قلعوا من جسمه 72 شوكة صبِرْ. عمليّة ثانيه قام فيها الفصيل كانت تفجير طريق عين مِماس قرب قرية الِكويكات وكفرياسيف. بهاي العملية قتل أربع جنود بريطانيين. وبعدها دخل البريطانيين على الكويكات وحرقوا 14 بيت.

عملية ثالثه كانت في بيسان. يومها وصِلنا خبر إنّه مدير شرطة بيسان البريطاني سمَّم المي اللي بشربوا منها أهل بيسان، وبعثوا خبر لقيادة الثوار بحيفا واستنجدوا بالقائد أبوعلي محمد علي دلّول من طيرة حيفا. أبو علي اتصل مع فصيل الإنتقام وحكى لنا القصّة. اجتمع الفصيل وصاروا يتسابقوا مين اللي بدّو يروح ينفِّذ العمليِّة. كل واحد يقول أنا أنا. فقمت اقترحت عليهم انه نكتب كلمة "أنا" على ورقة ونحُطّ معها مجموعة أوراق، وكل واحد بِمدّ أيده وبِسحب ورقة، واللي بِطلع معه كلمة "أنا" بِكون هو اللي لازم يقوم بالمُهِمِّة. وهيك صار وطلعت الورقة عند أبو حسين علي العبد الله. سافر أبو حسين واجتمع مع أهل بيسان وفرجوه مركِز الشرطة، وأعطوه معلومات بأي ساعات ضابِط المركِز موجود وعن كل تحرّكاته. أبو حسين صوّب بندقيته عن بعد 14 متر وأطلق عليه رصاصة واحده بس، وكانت هي فَصلْ الخِطاب. رصاصة واحده وكانت قاتلة، وعاد أبو حسين للمنشيّة بِسلام.

طمّوا البير اللي ما بخافوا الله:
المنشية قاومت اليهود، بس كان ناقص سلاح وذخيرة والناس خافت وهربت بعد ما سمعت عن الأحداث بدير ياسين وعكا. اليهود احتلوا المنشية بتاريخ 14 أيار 1948 وب 17 حزيران هدموا بيوت القرية وما تركوا لا لوح صبر ولا تينة. المنشية كانت تملك 12 بير أرتوازي مع مضخّات للريّ، وهاي كمان طمّوها اللي ما بِخافوا الله. مسحوا البلد عن بِكرة أبيها وما ظلّ غير دار خارج القرية غربي المقبرة بعدها لليوم. اليوم كل عكا الجديدة مبنية على أراضي المنشية. إحنا رحنا على مجد الكروم وبعدين على يركا ومن ثم على قرية المكر. بالمكر استقرينا لأنه أهل أمي من دار النابلسي كانوا ساكنين هناك. بال 52 أهالي المنشية وقعوا على وثيقة تسليم وتوطينهم في البلد اللي لجأوا لها، ما عدا شخص واحد ما وقّع وهو أنا، محمود خليل حمدو. أنا لليوم بعدني ساكن بالأجرة بالمكر وبدفع للدولة بسبب إني رفضت أبدل أرضي في المنشية.

أنا صاحب حق وانت حرامي:
منذ عام 1952 وأنا في صراع مع المؤسسات الرسمية بإسرائيل لاسترداد حوالي 240 دونم. وطبعاً نجحت باسترداد قسم كبير منها. أنا رجّعت عن طريق المحكمة أغلب أراضينا. هاي اسمها أرض حَمَدو ومش أرض غائبين. الأرض اللي عليها الجامع أخذناها واسترجعنا وكمان أرض "العوينة".

أنا عندي كل خرائط ارض المنشية. جمعت خرائط من أيام الانتداب وإسرائيل وبعدها موجودة عندي لليوم. إذا أنت كنت صاحب حق، إياك تتخاذل أو تطأطئ راسك. بتذكر بسنه 1958، مدير دائرة الإنشاء والتعمير طلب مقابلة مع أبوي، كان اسمه نلسون جلعاد. أثناء حديثي مع مدير الإنشاء والتعمير والمساعد تبعه قال لي: شو أنت مفكر حالك كل الوقت أبو علي وخيال على ظهر الحصان، هاي أرضك بالمنشية أنا بقدر من الصبح آخدها وأرميك برّة. بهذيك اللحظة أنا انقلبت من الخروف الوديع، وعدت الى ثورة 1938-39 ، عاد صقر قريش، ووقفت على الطاولة وضربت الطاولة بأيدي وقلت له: بتعرفش انه أنا أبو علي خيال، وأنا صاحب حق وأنت حرامي، مثل الوطواط بتظهرش إلا بالليل، ومن الخوف أنت بتهرب وأنا بظلّ واقف في الميدان. أنا ما فرطت بالأرض، واسترديتها وزرعتها زيتون. هاي حارة حَمَدو، رجعتها وطوبتها على اسم ورثة حَمَدو. معي خارطة إسرائيلية اللي بتبيين كل سكنات المنشية اللي بعكا وفيها مكتوب كمان "مسجد المنشية" وعندي كمان خريطة بريطانية.  مساحة المنشية كانت أكبر من مساحة مدينة عكا، مساحتها كانت 15 ألف دونم. شو بدي أحكي لك؟ الحق يعلو ولا يعلو عليه.

القرية اليوم:
هدمت إسرائيل قرية المنشية سوى معالمها البارزة وبعض المنازل، وأقامت أحياء سكنية للإسرائيليين على موقعها. ولا يزال المقام البهائي وحوله حديقة البهجة قائمين. ما زال مسجد المنشية قائماً ولكنه مغلق ومحوط بسياج، بعد أن كان مستباحاً ومهملاً لسنوات عديدة منذ احتلاله، وكان قد تعرض لعدة محاولات اعتداء وهدم وحرق. ولا تزال المقبرة ظاهرة للعيان… وفي طرف المقبرة الرئيسية تقع أيضاً مقبرة بهائية وفيها مبنى ذو قبة رمادية. ومقابل المقبرة يقع مقام أبو عتبة وتسكنه عائلة عربية مهجرة من قرية كويكات.

ضمّ الإسرائيليون قرية المنشية إلى مدينة عكا وقاموا ببناء أحيائها الشرقية مثل نفيه ألون ونفيه أبيب وموريه وبن غوريون على موقع القرية وأراضيها. في سنة 1948 أنشئت مستعمرة شمرات وبستان هجليل على أراضي القرية إلى الشمال من موقعها. وبعد النكبة ضُمّت أراض من قرية المنشية إلى كيبوتس عين همفراتس الذي كان قائماً قرب المنشية منذ عام 1938. وفي عام 1972 أقيمت على أرض المنشية كلية أكاديمية إسرائيلية سميت كلية الجليل الغربي. يمكن ملاحظة مبنيين حجريين ما زالا قائمين، أحدهما يقع اليوم في شارع أبراهام بن شوشان ويستعمله أحد الإسرائيليين كدكان كان في الأصل غرفة فوق أحد آبار المياه في المنشية، والآخر يقع في الشارع المسمّى أحاد هعام ويستعمل أيضاً كدكان، هو في الأصل منزل السيدة خضرة صقر. على الطرف الجنوبي من المنشية أقام الصندوق القومي اليهودي متنزها على اسم ليلي شارون، زوج رئيس حكومة إسرائيل الأسبق أريئل شارون.

----------------------
* تحرير وكتابة: رنين جريس (منسقة التاريخ مشروع التاريخ الشفوي في جمعية ذاخرات- حيفا، أجرى المقابلة رنين جريس ومحمد كيال بتاريخ 11/2/2012