مهرجان الفلم والفن الفلسطيني في واشنطن: عرض لشخصية المبدع

مشاهد دعائية من فيلم الجنة الآن مشاهد دعائية من فيلم الجنة الآن

بقلم: نورا عريقات*
في شهر أيلول من العام 2011، قامت مجموعة من الشابات العربيات، كنت من بينهن، بالتوافق على تنظيم مهرجان الفلم والفن الفلسطيني في العاصمة واشنطن(DC-PFAF) . وهو مشروع ليس جديراً بالاهتمام فقط، بل إن من شأنه توفير مساحة فنية تتمتع بالاستمرارية أمام المنظمين الشباب، الذين في معظمهم ناشطين ضمن شبكة الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة الأمريكية في واشنطن (USPCN-DC). وهذه شبكة واسعة من الفلسطينيين في شتات أمريكا الشمالية، ملتزمة بالمبادئ الوطنية الأساسية القائلة ب: حق تقرير المصير والمساواة، وإنهاء الاحتلال، وعودة اللاجئين الفلسطينيين ضمن الصيغة المشار إليها في قرار الأمم المتحدة 194. وينصب تركيزها الأساسي على إحياء جسم وطني فلسطيني مؤهل ومتمكن من تمثيل مصالح الفلسطينيين. وفي سبيل تفادي ضمور الفرع المحلي للشبكة خلال الفترات التي تمتاز بالهدوء السياسي نسبياً، فقد عملنا على إقامة مهرجان سينمائي فلسطيني. وبينما تم تسجيل مهرجان الفلم والفن الفلسطيني في واشنطن، كمؤسسة مستقلة غير ربحية، لوحظ التقاطع ما بين المنظمين وشبكة الجالية في واشنطن، ولا زالت العلاقة فيما بينهما قائمة وتتمتع بالقوة.

وفي المفهوم الذي قامت عليه المؤسسة، كنا معنيين بان تتوفر لديها الإمكانية لتقديم الرواية/السردية، مما دفعنا لبناء المشروع اعتماداً على هوية المخرج وليس لموضوع الفلم في ظل وجود العديد من مهرجانات الأفلام الفلسطينية، والتي تعرض أفلاما حول فلسطين – سواء حول معاناتها المأساوية، أو مواجهة الاحتلال العسكري بالعداء، أو حتى حول العنف الكامن في عمليات النفي القسري وحالة انعدام الأمن للفلسطينيين في مختلف مناطق تواجدهم-. ولا يخفى على احد أن الهدف من وراء هذه المهرجانات، هو تقديم قصة أولئك المهمشين وطنياً وسياسياً، وتحدي القواعد السائدة. لذلك، وعلى الرغم من أهمية الجوانب سابقة الذكر، إلا أننا ارتأينا، بما أن الفلسطينيين يتمتعون بتنوع واسع في الهويات المتمركز وراء وضعهم السياسي، بان هناك أهمية مركزية لإبراز التمحور حول الذاتية/الشخصية. والتأكيد على هذا الجانب لا يقل أهمية عن مشروع سياسي للمقاومة. وفي هذا الصدد قالت العضو المؤسس ناديا دار: "هذا المهرجان يتسم بالتركيز على الراوي أكثر من تركيزه على الرواية. وكذلك الفلسطينيين، سواء كانوا في داخل فلسطين أو الشتات بتنوعه، فان جميعهم لديهم قصصا مختلفة تروى. لكنهم مشتركين جميعاً في التاريخ واللغة والتكوين الثقافي، وعلى الأرجح فان لهم مستقبلاً مشترك. وهذا بحد ذاته ما يشكل الخيط الجامع بين الفنانين معاً وأشكال القصص المروية". وخلال حديثي مع ناديا، كنت قد ذكرت لها ما حصل أثناء حضوري للعرض الأول لفلم هاني أبو اسعد "الجنة الآن"، الذي تم عرضه في مسرح "الناشيونال جيوغرافيك" في العاصمة واشنطن عام 2006. حيث بعد انتهاء عرض الفلم المرشح لنيل الأوسكار، كان الفلسطينيون الحاضرون ساخطين ومحبطين إلى حد ما، نتيجة اعتقادهم بان هذه الفرصة لعرض سرديتهم قد أهدرت من قبل المخرج أبو اسعد، الذي ركز على جماليات الكرامة، وتساءلوا "لماذا لم يظهر المزيد من الدبابات؟!". وقد جاء رد أبو اسعد آنذاك، بأنه سعى لتقديم جمالية حياة الفلسطينيين، والتي جعلتهم أكثر تميزاً عن الآخرين من وجهة نظره. لكن الجمهور لم يكن متفقاً معه، وكان الجدل يقول بان "فلم عن الفلسطينيين يجب أن يكون فلماً عن فلسطين".

وبالنظر إلى الدافع وراء تبني هذا الرأي من قبل الجمهور، فان ذلك يبرهن على انعكاس حالة التشتيت والطرد التي شهدها الفلسطينيين ضمن الواقع الاستعماري المستمر. ويظهر كذلك عبر مسيرة مجتمع تطور في الشتات ضمن هذا الظرف وشهد سلسة من الإحداث غير الطبيعية. وهنا تتبدى ضرورة السؤال، ليس فقط من أين طردوا هؤلاء الفلسطينيين؟ ولكن أيضا، أين هم الآن؟، وهل هناك أهمية لتقييم المعاني المختلفة لكونهم فلسطينيين، حتى لو لم يكن لهذه العملية تأثيرا مباشرا على حركة التحرر؟ وقد قيمنا هذا المسعى، كمجموعة، وقمنا بتنظيم المهرجان الأول في أيلول 2011.

بين اجتماعنا التنظيمي الأول وإطلاق المهرجان، قمنا بتوسيع إطار المهرجان ليشتمل على الفنون إلى جانب الفلم. وقد اتفقت المجموعة على أن تسليط الضوء على الشخصية (الذاتية) يعني الاشتمال على الفنانين الأدائيين كذلك. إضافة إلى شخصيات نشطة عبر وسائط الإعلام الاجتماعية مثل احمد شهاب الدين، المقدم السابق لبرنامج "the stream" على شاشة الجزيرة، ويوسف عريقات من "FouseyTube"، إلى جانب عدد من الموسيقيين مثل هدى عصفور، احد الأعضاء المؤسسين للمهرجان. وقد أضافت ناديا عن السبب وراء التخطيط لاستضافة معرض الفنون البصرية في المهرجان: "إن الفنانين يقدمون أفكارهم عبر وسائط إعلامية متعددة، ونحن نريد تقديم هذه الفكرة بجدية في المهرجان، فإلى جانب التركيز المكثف على الفلم، ستتوفر مساحة مميزة لعرض أشكال أخرى من الفنون الإبداعية".

لم يقابل التمحور حول الذاتية وشخصية صاحب العمل، استحسان الجمهور في المهرجان الأول. وكنا قد باشرنا العمل على سلسلة من الأنشطة لمدة أسبوع، حيث افتتحنا هذه السلسلة مع فلم محمود المساد "هذه صورة لي عندما كنت ميتاً". ويصور الفلم نشأة ابن احد القادة الفلسطينيين الذين تم اغتيالهم، ويتذكر بشير مريش في الفلم الأحداث التي وقعت عندما كان يبلغ من العمر أربع سنوات، ويرويها كرجل بالغ في التاسعة والعشرين. ويعيش رسام الكاريكاتير مريش في الأردن مع والدته التي تتحرق شوقاً لرؤيته متزوجاً، وهنا لوحظ بعض الشيء من الارتباك لدى الجمهور في التقاط المغزى من وراء الركون إلى هذا الشكل من العرض المتركز حول الذاتية وشخصية صاحب العمل. وكان هدفنا من وراء ذلك توفير مساحة أمام الفنانين الفلسطينيين لتقديم سرديتهم بغض النظر عن طبيعة ما يقولونه. وفي ذلك الوقت، قالت ناديا بان فلمها المفضل من بين الأفلام كان فلم مهدي فليفل "عرفات، وأنا". يصور هذا الفلم الذي أخرجه فليفل ولعب دور البطولة فيه، شاب بريطاني- فلسطيني رومانسي ويائس، باحث عن الحب لفلسطين والمجسد في شخص رئيس منظمة التحرير السابق الشهيد ياسر عرفات أثناء مسيرة هذا الشاب في لندن. وقد اشتمل هذا الفلم على بعض المشاهد التي أثارت حفيظة قطاع من الجمهور لدى اشتمالها على بعض مشاهد العري، وكما علقت ناديا: "فان الفلم طرح تحديات أمام العرب من الجمهور، بقدر ما أثار تناقضات في التعاطف مع القضية الفلسطينية. إضافة إلى أن ها المشروع يهدف إلى نقد المفاهيم والتصورات المغلوطة عن فلسطين والفلسطينيين، كما انه يسهم في تحفيز روابطنا الاجتماعية كفلسطينيين وعرب، وهذا ما نحن فخورون به بشأن المهرجان".

ولربما كانت أجندات المنظمين الاجتماعية قد انعكست في شكل تنظيم المهرجان، حيث تكونت اللجنة المنظمة من الناشطات النساء ورجلين. ووعياً منا بناء على تجربتنا للتوتر القائم في الجدل ما بين التحرر الوطني وقضية التحرر الجندري، فقد سعينا قدر الإمكان للتوفيق في الممارسة والأنشطة بهدوء ودون إثارة ضجة غير ضرورية. ولهذا الغرض إضافة إلى العدد الاستثنائي للمخرجات النساء ضمن برنامج المهرجان، فقد أفردنا ليلة من ليالي المهرجان لعرض أعمالهن وسرديتهن. وكان من بين الأعمال التي تم عرضها فلم دانا أبو رحمة، بالإضافة إلى فلم محاسن ناصر الدين، اللذان يطرحان قضايا نسوية على جمهورهن. فيتناول فلم ابو رحمة "مملكة النساء: عين الحلوة"، حكاية سبع نساء لاجئات فلسطينيات، والكيفية التي أسهمن من خلالها في الحفاظ على بقاء أسرهن عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، الذي أسفر عن تدمير المخيم واعتقال العديد من أقرانهن الرجال. كما يركز كل من فلمي ناصر الدين القصيرين على قصة امرأة فلسطينية واحدة. فيأتي في فلمها الأول "من فلسطين مع الحب"، قصة راقصة شابة وطبيعة علاقتها بصديقها السويدي الشاب وتوقها لبدء حياتها في ستوكهولم. أما فلمها الثاني، الذي يحمل عنوان "سامية"، فانه يتناول حكاية امرأة سبعينية من القدس ومسيرتها الطويلة في النضال من اجل حقها في التعليم والإقامة في مدينتها القدس.

كما وعرضنا في ليلة أخرى فلم المخرجة مي عودة بعنوان "يوميات"، و (عودة) هي فتاة فلسطينية سافرت إلى غزة لتجد نفسها عالقة هناك، نتيجة الحصار التعسفي المفروض على قطاع غزة. حيث كانت نواياها لدى سفرها إلى غزة، بان تبقى لبضعة أسابيع، ولكن نتيجة الحصار فإنها علقت لما يقرب ثلاثة شهور هناك. وخلال تلك الفترة قامت بتوثيق مجريات إقامتها في غزة عبر عدستها، إضافة إلى تتبع مسيرة الحياة اليومية لدى ثلاثة نسوة من القطاع. وغني عن القول، بان (عودة) في هذا الفلم قد عملت على إبراز تجربة النضال المزدوج في غزة لتلك النسوة، حيث وجدن أنفسهن أمام الحاجة للنضال والصمود في وجه الحصار المفروض من قبل إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة. ومن جانب آخر، قامت بتوثيق نضالهن ضد حصار المجتمع الذي يتسم بقيم محافظة، بشكل خاص في ظل وجود سلطة سياسية دينية تحكم داخل قطاع غزة. واحتفالا بفلم مي عودة، فقد أقمنا بعض الفعاليات الموسيقية والشعرية لعدد من الفنانات والناشطات المحليات والعالميات.

وأثناء المهرجان قمنا باستضافة احد ابرز الرواة الفلسطينيين، وهو "ايليا سليمانالذي قدم في عمله الرائع "الزمن الباقي: سيرة الحاضر الغائبسيرة امة عبر حديثه عن نفسه في الفلم. ويتناول في عمله قصته وأفراد عائلته الذين لم يتركوا منازلهم في وطنهم ليصبحوا بعد ذلك مواطنين درجة ثانية في الدولة الاستعمارية التي أسست على أنقاض بلدهم؛ أي إسرائيل. يحتوي فلم سليمان على مواضع قليلة من الحوار لصالح مشاهد واسعة من التصوير الذي يدفع لالتقاط الأنفاس، والتي أبدع في خلقها المخرج الفني للعمل شريف واكد. ويذكر حول هذا الفلم، انه قد حقق شهرة واسعة وانتشارا لا محدود عبر مهرجان "كان" السينمائي، مما أسهم في جذب جمهور واسع لعرضه، حتى لو لم يكن جزءا من هذا الجمهور منجذباً لما يتعلق بالقضية الفلسطينية، إلا أنهم قدموا لمشاهدة براعة الحبكة السمعية والبصرية التي يحويها الفلم.

امتد هذا المهرجان على مدار خمسة أيام وليالي، في أربعة مواقع مختلفة. عرض خلالها أربعة أفلام طويلة، وثمانية أفلام قصيرة، إضافة إلى الموسيقى الحية، والشعر والعروض الكوميدية. كما وشكل المهرجان مساحة أمام عدد من المنظمين والناشطين الشباب، لصقل خبراتهم في إطار تناول الجوانب الذاتية والشخصية للفن بشكل متنوع. وهذا العام سيسلط المهرجان الضوء على مجموعة من الأعمال لفنانين شباب صاعدين، مما من شانه توسيع المساحة والفرص أمام المخرجين والفنانين الشباب لتقديم أعمالهم إلى الجمهور. وبشكل أكيد، فان العمل على تنظيم المهرجان والحفاظ على استمرار يته لن يتوقف، وسيتم تنظيم المهرجان الثاني هذا العام أثناء الخريف، ليشكل منبرا للحديث حول، والانخراط في شأن القضية الفلسطينية، وتسليط الضوء على جوانب لا زالت بحاجة للمزيد من الحديث والتركيز.

-------------
*نورا عريقات: أستاذة قانون دولي- واشنطن، مستشارة الإسناد القانوني في مركز بديل- واشنطن.