السُلْطة أوّلاً وأخيراً: فَلسْطين و"رَبيعاتُ" العَربِ

كاريكاتير الفنان مراد ضراغمة، جائزة العودة ٢٠١١ ، مركز بديل كاريكاتير الفنان مراد ضراغمة، جائزة العودة ٢٠١١ ، مركز بديل

بقلم: د. أحمد مفلح*
على امتداد الثلاثة أجيال، انتظر الفلسطيني اللاجئ "الربيع العربيمقابل التصحّر الإنساني والسياسي والمبدأي، والجفاف الأخلاقي، والتخاذل الرسمي العربي، والهوان والقمع والتقوقع الشعبي. لا نريد الاستهلال بتكرار المكرور والمستهلك في مقالتنا هذه حول الواقع الممكن اختصاره بسطرين، فالعالم يشهد معاناة فلسطين وأهلها في مواجهة العدو الصهيوني، وفي ظل التراخي العربي، الذي يمكن وصفه بتخاذل الانظمة وغياب الجماهير، سياسياً وقومياً ودينياً وثقافياً وإنسانياً تجاه القضية الفلسطينية، لذلك فاني انحى منحى مشاركتكم بتساؤلاتي، اكثر منه تقديم تحليل وتوصيف غير قابل للنقاش للحالة الراهنة عربياً.

تساؤلات!!

ها قد جاء "الربيع" بعد القحط، فهللنا للثمر والعطاء، سقطت بعض الأنظمة التي شكلت سدّاً منيعاً في وجه القضية الفلسطينية، وتآمرت عليها، من تونس إلى مصر... إلى ليبيا، وعلّ السُبحة تكُرّ، في الخليج واليمن وسوريا وباقي أقطار العرب. لكن، "الربيع" مر مسرعاً، وبرأيي لم يكن "ربيعاًبل مجرد صبغة أو غفوة أخذتنا وحسبناها واقعاً، فأصابنا ما أصاب "أهل الكهفبحسب الأسطورة - الذين ناموا مئة عام او اكثر وحسبوها ليلة-، بينما نحن لم ننم، بل تابعنا "مسرحيات الربيع العربي" نحسب أنفسنا صاحيين، وصدقناها واقعاً مغيّراً. وهنا يمسي التساؤل مشروعاً: هل ما وقع في بعض من الدول العربية، وليد صدفة؟ ألبست الجماهير العربية ثوب البطولة والثورة فجأة؟ أم هي تحضيرات مسبقة، تهدف إلى ما تهدف؟

وأخرج هنا من منهج المؤامرة، بل أقول بمنهج التحوّل، فبعض هذه الأنظمة شاخت وبات من الطبيعي في عرف التاريخ السياسي أن تتهاوى وتموت. لكن ليس بالضرورة أن تُقتلع بثورة، هذا لأن للثورات فكراً ومنهجاً وأيديولوجية وثقافة وتربية.. فأين ثورات الربيع العربي الحالي منه؟ وأضيف متسائلاً عن الصحفي الفيلسوف الصهيوني، برنار هنري ليفي، الذي عبر رمال كل قطر حصلت فيه "ثورةربيعمن أفغانستان، إلى السودان، وميدان تحرير مصر، وحتى بنغازي ليبيا؛ حيث هو نفسه من أنزل العلم الأخضر الليبي ووضع مكانه العلم السنوسي للثورة؟؟ أهو فعلاً "لورنس عربي" جديد يمهّد لإسرائيل الكبرى؟ بالتأكيد لا زلنا ننتظر الإجابة من الثورات العربية.

وأضيف هنا، أي تربية وثقافة ثورية حصلت عليها هذه الأجيال في واقع ومجتمع شمولي "توتالي" وبالتالي قمعي، يقبض على مفاصل ومقومات الحياة كلها، المادية منها والمعنوية!؟ وفي ظل الأمية الثقافية والجهل والجوع المستشري، وغياب المثقفين الثوريين، عدا كتّاب السلطان، وهنا علامة تعجب واستغراب اخرى!

من حرّك هذه الثورات؟ نحن رأينا أدواتها من الشباب، وقرأنا شعاراتها المتجهة مباشرة نحو "الشعب يريد إسقاط النظامولكن لماذا؟ وماذا بعد إسقاط النظام؟ وما هو البديل، على مستوى شخص الرئيس، وتوجهاته، ومنهجه، وانتمائه... وفلسطين باعتبارها قضية العرب الأولى، واليوم قضية العرب والمسلمين؟ ونضيف، هل قرأ أحد منكم موقفاً أو شعاراً تجاه: فلسطين وإسرائيل والصهيونية، الاستعمار الغربي المباشر وغير المباشر للمنطقة العربية، الهيمنة الغربية، وتحديداً الهجمة الأمريكية؟

قد يقول قائل إن هذه الثورات موجهة أولًا وأخيراً إلى الأنظمة الداخلية القمعية، طلباً للحرية. ومن بعدها تصبح فلسطين وتحريرها تحصيل حاصل مع تحرر الشعوب العربية، وإسقاط هذه الأنظمة الخائنة، أو بمعنى آخر مع مجيء أنظمة بديلة، وطنية/إسلامية/ليبرالية...إلخ. والخوف هنا أن نُعيد الكرّة نفسها التي عشناها في ستينيات القرن الماضي مع الثورات القومية العربية عندما اختلفنا حول: الوحدة أولاً أم التحرير، وهناك، حينها من اعتبر أن الوحدة العربية هي طريق التحرير وستتهاوي إسرائيل تلقائيا في لحظة توحّد العرب. وهناك نفر ممن قالوا بان أولى ضروب الوحدة العربية هي تحرير فلسطين، ولهذا علينا تاجيل الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية... إلى حين التحرير. لكننا في نهاية الخطاب، كنا قد خسرنا الوحدة والتحرير والإنسان، في آن معاً.

واليوم، كلي خوف أن ننتظر الحرية والعدالة الإسلامية (وإقامة شرائع الحكم الإسلامي)، ومحاسبة العهود البائدة... ويطول بنا المقام ثلاثة أجيال أخرى، وتبعد فلسطين أكثر، خصوصاً أن القضية الفلسطينية غير مطروحة اليوم، لا من خلفية بعد قومي أو أممي إسلامي، على العكس من المرحلة القومية التي كانت فلسطين طرفاً أساسياً من أطراف المعادلة، فقد باتت غائبة، بل مغيبة.

ونسأل، إذا أخذنا النموذج الربيعي المصري، ولمصر ما لها في القضية الفلسطينية والواقع العربي، ماذا فعلت هذه الثورة الربيعية تجاه العلاقة مع العدو الصهيوني؟ ولا نريد هنا القول تجاه فلسطين، كي لا يخرج علينا أحدهم ويقول ماذا يفعل الفلسطينيون لقضيتهم؟ أو أن هدف الثورة كان إسقاط النظام القمعي، والبحث عن الحرية. وبسؤالنا هذا لا نكون قد بعُدنا كثيراً عن أهداف الحرية وإسقاط العمالة، بمعنى هل يدل وجود السفارة الإسرائيلية في القاهرة على غير الخيانة وقمع توجهات الشعب المصري وقناعاته، فماذا فعلت الثورة غير التهجم على السفارة وإحراقها... ومغادرة السفير الصهيوني، من ثم عودته-وهذا الأهم-؟

وقد يعترض معترض هنا، ويقول: يكفي إسرائيل أن وصل الإسلاميون عبر الانتخابات الأخيرة في تونس ومصر... وربما ليبيا وبعدها سوريا، لترتجف إسرائيل! وهنا نصل إلى جوهر الجدل، ونسأل: ماذا فعل هؤلاء الإسلاميون عبر تاريخهم الطويل لفلسطين، منذ تأسيس حركة الإخوان المسلمين، الذي تزامن مع بداية فصول القضية الفلسطينية في الربع الأول من القرن الماضي؟ ولنستثني تجربة "حركة حماس" التي نحترم شهداءها ونضالاتها، ولنا في مسيرتها وأهدافها قول آخر.

ماذا فعل إخوانيو مصر اليوم مع السفارة الإسرائيلية في القاهرة، ونقابلها مع موقف الثورة الإيرانية – الخمينية عام 1979، عندما أحرقوا السفارة الإسرائيلية ورفعوا عليها العلم الفلسطيني، وصارت سفارة فلسطين؟ وماذا فعلوا مع معاهدة مد الكيان الإسرائيلي بالغاز الطبيعي، حيث حاولت مجموعات، غير معروفة طبعاً لدى أجهزة الأمن المصرية تفجير هذه الأنابيب أكثر من مرة، وتغاضت إسرائيل عن السماح لبعض الكتائب المصرية من دخول منطقة سيناء لتعقب هؤلاء. ومن الجدير التذكير هنا ان معاهدة كامب ديفيد، تحد من مثل هذا التواجد العسكري المصري، ويا للمفارقة. ويحكى مؤخراً عن إلغاء مصر لهذه الاتفاقية الغازيّة مع إسرائيل، لكن يبدو أنها ألغيت ليس بسبب سياسي، بل اقتصادي (كما صرّح بذلك نتنياهو)، وربما دعائي أو أمني.

الموقف نفسه يمكن قراءته في صورة إسلاميي تونس، الذين لم يقطعوا علاقاتهم المباشرة مع الولايات المتحدة، ولم يبدّلوا، أو يصرحوا بشيء تجاه فلسطين وأهلها. وزيادة في هذا الموقف جاء الصمت الليبي، حيث قاتل الغرب ممثلاً ب" الناتو" إلى جانب الثورة. دون اغفال المواقف التي عرضها برهان غليون، زعيم المعارضات السورية -ولا نقول معارضة في هذا الموضع-، من استعداده للعودة إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ورفضه مقاومة حزب الله... إلخ.

وتُتوّج هذه المواقف جميعها، بموقف الولايات المتحدة من نتائج هذه الثورات. حيث رحّبت بمجيء الإسلاميين وتسلّمهم الحكم في الأقطار التي حصل فيها التغيير. وهنا دعونا نعيد قراءة معادلة السياسة الأمريكية في المنطقة؛ فهل يؤرق الأمريكيين شيء هنا سوى مصالحها وأمن إسرائيل المرتبط بهذه المصالح؟ فإذا ما رحّبت بالقادم الجديد، هل يعني ذلك سوى حرصه على مصالحها وأمن ربيبتها؟ أم هي تريد إغراقه –أي الإسلاميون- في مشاكل المنطقة، وبالتالي في وحلها، فينهزم وينهار؟ لربما- وهذا احتمال آخر وارد-، إلى حين انهياره، يمسي من غير الواضح من سيكون الضامن وكيف سيضمن مصلحتها، والمرتبطة بشكل لا فكاك فيه مع (الاقتصاد والأمن الإسرائيلي)؟

نعم للثورات:

لا يعني كلامنا السابق إننا ضد الثورات والربيع العربي، بل على العكس من ذلك، فنريده ربيعاً فعلاً، وليس خريفاً، لكن على أسس وتوجهات وثقافة نابعة من مقتضيات وضرورات واقع وتطلعات الشعوب العربية وآمالها، بحيث يضمن لها بلدهم وأمنها ويحميها، واكثر من ذلك يحملها على مواكبة العصر في تقدمه وعلومه ومعارفه. والفرق هنا شاسع اذا ما قورن مع ما حصل في بعض الثورات العربية، التي حوّلت مجتمعاتها إلى "خريف"، فهذه ليبيا، وسوريا، والبحرين، وما جرى من التفاف على ثوراتها شاخصة امامنا.

ونحن مع الثورات النابعة من القرار الداخلي، والغير خاضعة لقرارات خارجية، فللخارج أيّاً يكن، مصالح ورؤى سياسية لا يهمها تطوّر العرب، خصوصاً الخارج الغربي، الذي نعرف مدى ترابط سياسته وأمن إسرائيل. فما معنى خراب ليبيا وفوضى مصر وحرق سوريا. مع ذرف دموع التماسيح على حرية الشعب السوري مثلاً، وقمع حرية البحرين، وشرق السعودية، وحصار غزة (على سبيل المثال)، وكيف ربط خالد مشعل (حركة حماس) مواقفه من سوريا، وهو يُدرك تماماً أن ما يجري في سوريا ليست كلها ثورة حرية، بل هي نوع من الحرب غير المباشرة على المقاومة في لبنان وقطع إمدادها، وجعل سوريا تدفع ثمن التغيير الذي حصل في لبنان بعد 7 أيار 2008 واكتساح حزب الله لمليشيا "المستقبل" و"القوات اللبنانية" التي كانوا يريدون تطويق حزب الله واتصالاته، ومن ثم إسقاط حكومة فؤاد السنيورة والمجيء بحكومة مواليه لحزب الله.

جميعنا يعرف أن تركيا التي خدعت العالم العربي كله والإسلامي الى جانبه، ليست حريصة على الحرية السورية، أو على مسيحيي سوريا. والأمر نفسه ينطبق على قطر، فهل من ينقلب على والده هو حريص على القيم الإنسانية، وهل من سعى ورحّب بتدمير دولة عربية (العراق)، وأول من افتتح العلاقات مع العدو الصهيوني (بعد مصر طبعاً) وافتتح لها مكتب اتصال، حريص على قضايا العرب الوطنية، فمنذ متى قطر "مرتع" الحرية، وهي المستعمرة بالقاعدة الأمريكية؟

كلمة أخيرة:

مرة أخرى، لا ندافع عن الأنظمة العربية، بل نقول "لعن الله هذا الزمن الذي بتنا فيه ندافع عن واحدهم"، ولكن لا نريد أن نرتمي أكثر في المتاهات، خوفاً من أن يلعننا الزمان والتاريخ، وخوفاً من الانزلاق أكثر في الجب الذي يُرسم لنا تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد"، وهو ليس جديداً، بل هو غارق بالميتافيزيقيا والتخلف، وتحت شعار الحرية نقع في قمع أشد، باسم الله والخالق هذه المرة، نجبر على ترك الدنيا، يعبث بها العدو كما يريد ونحن ننتظر الآخرة. هذا هو الفكر المطروح اليوم، فكر الآخرة والتقليد والماورائيات، ويقولون لنا "جديد"، وحرية، وإصلاح.

لا نريدها ثورات قطرية، تونس أولاً، وليبيا أولاً، ومصر أولاً... إلخ، على حساب الأمة العربية، وفلسطين. ولا نريدها طمأنة للغرب بحجة التكتيك السياسي والتعاون الدولي والحكمة والعقلانية... وما شابه من خطابات لا تنم إلا بهدف التمسك بالسلطة وترجّي الوصول إليها بمناورات وسياسات على حساب الأهداف والمصالح الحقيقية للشعوب. فما نلمسه اليوم لا يعدو كونه تطبيق واسع لمقولة السلطة أولا وأخيرا.

نحن مع ثورات عربية، وإسلامية إن أردتم، لا تخفي فلسطين من متطلّباتها، كل فلسطين وليس جزءا منها، مع ثورات لا تتمسك بقشور كالتمسك بمعلم تاريخي او ديني هنا او هناك وكأن فلسطين قطعة فلكلورية، لتاكيد أيديولوجيا معينة، فلا خير بثورة عربية أو إسلامية فلسطين غائبة عنها. ونريدها ثورة حقة، تسقط فعلاً مساوئ العهود والأنظمة السابقة من خلال إصلاح ما تنازلت عنه، وتعويض ما فات هذه الأمة وجرحها في هويتها وكبريائها وقلبها: فلسطين وقضيتها، بشموليتها.

-------------
*د.أحمد مفلح: باحث فلسطيني مقيم في لبنان، حائز على درجة الدكتوراة في علم اجتماع الابستمولوجيا من الجامعة اللبنانية، بيروت.