الحركة الطلابية الفلسطينية: صورة مفتتة

حرم جامعة بيت لحم حرم جامعة بيت لحم

بقلم: بلال الأفندي*

يعود تاريخ الحركة الطلابية الفلسطينية إلى الفترة التي واجه فيها الشعب الفلسطيني الانتداب البريطاني في بدايات القرن العشرين، الذي عمل انسجاما مع أهدافه على تجهيل الشعب الفلسطيني، وطمس تراثه وهويته الوطنية قدر الامكان. كما عملت سلطات الانتداب انذاك، على الحد من التعليم عن طريق تحديد انتشار المدارس بكافة مراحلها، ونتيجة لذلك فقد كانت فرص التعليم غير متاحة إلا لفئة قليلة ممن لديهم القدرة على تحمل مصاريف التعليم الباهظة في ذاك الوقت.

وبالرغم من كل تلك التحديات؛ الا ان الطلاب الفلسطينيين في تلك المؤسسات التعليمية، عملوا على إنشاء وتشكيل جمعيات أسموها "جمعيات الخطابة"، حيث كانت هي الاطار الحاضن لممارسة أنشطتهم الرياضية والثقافية والسياسية، والتي دعمت من خلال المعلمين الوطنيين. وسرعان ما تحولت هذه الجمعيات إلى شعلة تحريض على الصعيد السياسي، في ظل ما يلتصق بالواقع الذي كان يعيشه الشعب الفلسطيني من ظروف. وقد تعاطت هذه الجمعيات مع المشاكل والمؤامرات التي كانت تحاك من قبل الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية ضد مستقبل ومصالح الشعب الفلسطيني. وهنا كانت بداية التنسيق ما بين هذه الجمعيات، حيث بدأ الخطباء فيها بالدعوة الى تشكيل اتحاد طلابي تجتمع خلاله الطاقات الطلابية الفلسطينية، من أجل الوقوف في وجه المؤامرات التي تحاك من قبل المستعمرين. وقد أجريت بعد ذلك العديد من النقاشات التي دارت حول فكرة تشكيل اتحاد في جميع مدن فلسطين، وتحت شعار "محاربة الانجليز باعتبارهم رأس الأفعىاذ انعقد المؤتمر الطلابي الأول في مدرسة المنشية في مدينة يافا الفلسطينية عام 1936، وحضره ممثلون من مختلف المدارس الفلسطينية.

وقد ناقش المؤتمر الطلابي الأول القضية المركزية في ذلك الوقت وهي "مواجهة الوجود البريطاني من اجل استقلال فلسطين"، كما نبه المؤتمر إلى المؤامرات الصهيونية التي تحاك بالتواطؤ مع الانتداب البريطاني من اجل تسليم فلسطين للحركة الصهيونية تنفيذا لوعد بلفور. وبالتالي وصل المؤتمرون إلى فكرة تشكيل أول اتحاد طلابي فلسطيني. حيث انتخب المؤتمر قيادة الاتحاد لمتابعة الأحداث وربط الطلاب ضمن اطار الاتحاد، وتأطير جهودهم في مواجهة التحديات لوجودهم ومستقبلهم في فلسطين.

ويذكر ان تلك الفترة تميزت باشتداد حدة المؤامرات على فلسطين والفلسطينيين، حيث بدأت سلطات الانتداب بتهيئة كل الظروف لتسهيل الاستيطان الصهيوني في فلسطين ونقل مساحات شاسعة من الارض لتقع تحت سيطرة المستوطنين الجدد. وهذه العملية تمت من خلال عدة ممارسات وسياسيات انتهجت من قبل الانجليز، حيث تم الاعتماد على قوانين إدارة البلاد وفتح باب الهجرة وتسليم الأراضي الأميرية وحماية وتسليح المستعمرين القادمين إلى فلسطين، كآليات لفرض الاستيطان اليهودي والسيطرة الصهيونية على ارض الواقع.

وفي هذا الشأن، قام الطلبة بتسيير مظاهرة حاشدة في يافا ضد الاحتلال البريطاني، واعتراضاً على السياسات المؤيدة للمشروع الصهيوني، فردت قوات الانتداب البريطاني بمواجهة المظاهرة بالقمع الشديد. وفي العام نفسه 1936 - العام نفسه الذي تشكل فيه الاتحاد- اكتشف طلبة مدينة يافا صفقة التسليح المشهورة التي كانت موجهة لدعم منظمة الهاغانا الصهيونية. وفي نفس العام شهدت فلسطين الإضراب الكبير عام 1936، وقد دعا الاتحاد الى اجتماع تحضيري لهذا الإضراب، حضره ستون مندوبا من المناطق الفلسطينية جميعاً. وتم فيه توزيع المهام من اجل المساهمة في انجاح الإضراب. وهنا يبدو جلياً الدور الهام الذي قام به الاتحاد في فضح الأهداف الصهيونية وتوعية الطلاب الفلسطينيين بمخاطرها، والدعوة إلى مواجهتها من خلال المظاهرات، وكذلك مواجهة القوات البريطانية عبر الاشكال الكفاحية الشعبية الممكنة.

وفي مدينة القاهرة تشكلت رابطة الطلبة الفلسطينيين في جامعة الملك فؤاد، وكانت تقوم بالتعريف بظروف الشعب الفلسطيني والمخاطر التي تهدد الأمة العربية. وكان هنالك تعاون بين الرابطة والروابط العربية الأخرى. وعندما بدأ "الجهاد المقدس" دعت الرابطة إلى ترك المقاعد الدراسية والتوجه إلى فلسطين للقتال إلى جانب المجاهدين. وقد استمر القطاع الطلابي في التفاعل مع الحركة الوطنية بمختلف مكوناتها، حتى وقعت نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 وهجر من ارضه، والتي أدت إلى تمزيق وحدة الشعب الفلسطيني الكيانية وأدت الى تعريض الشخصية الفلسطينية لمحاولة الطمس لهويتها ووجودها.

ولدت نكبة عام 48 ردود فعل عميقة في وسط الشباب الفلسطيني، الذي هو جزء من اطار اعم تعرض للتهجير وللقمع وعدم الاعتراف باستقلاليته. فقد ظهرت العديد من مجموعات العمل الفدائي، التي شكلها ونشط فيها الشباب والطلبة الذين وجدوا انفسهم مقتلعين من أرضهم ومجردين من حقوقهم على اثر ما حل بهم من نكبة. وقد أدركوا أن جزءا من أسباب مأساة الشعب الفلسطيني تكمن في العامل الذاتي اكثر منه الموضوعي، حيث ان انعدام القيادة والوعي والتنظيم في قيادة النضال، كانت جميعها عوامل مساهمة فيما تعرض له الشعب الفلسطيني من هزيمة وتشريد.

كما وبات جلياً دور التحالف السري وغير المعلن بين الأنظمة الرجعية العربية وإسرائيل والمصالح الامبريالية، وقد وضع حلولا تكمن في تنظيم الوعي على الصعيد الفلسطيني والتغيير باتجاه التحرر. وقد كان النشاط الطلابي الفلسطيني محركا ودافعا ايجابيا، وزاد من الأمل والتفاؤل بإمكان خوض معركة مع إسرائيل واسترداد فلسطين. كما كان النشاط الطلابي احد التعبيرات الناشئة من هذا الوضع ومفاد كل هذا الحديث بأن الحركة الطلابية الفلسطينية هي حركة سياسية في جوهرها، فمن الممكن تلمس ذلك في مسيرة الحركة الطلابية الفلسطينية منذ بدايتها وطبيعة نشأتها وارتقائها في العمل النقابي والجماهيري، كما وسيرها بموازاة واندماج مع مشروع الحركة الوطنية الفلسطينية منذ بدايتها، وتطور ذلك لدى انشاء منظمة التحرير وفصائل العمل الوطني، التي قامت بدورها على مجهود وتضحيات الشباب الفلسطيني الرافض للنكبة والتهميش.

إذن، فان النشاط الطلابي الفلسطيني لم يكن عملا نقابيا فحسب، بل كان إلى جانب ذلك أطار سياسياً يتعدى النطاق الطلابي ليصل إلى جموع الفلسطينيين، وهذا مرده الى طبيعة نضال ومطالب هذه الحركة الى جانب هويتها. بمعنى مقارب؛ العمل الطلابي الفلسطيني لم ينحصر يوماً في مساعدة الطلاب وتأمين شروط افضل في شؤونهم التعليمية والنضال من اجل تحسين شروط الحياة الاكاديمية لهم؛ بل كان يعمل على تنظيم الطلاب وتجنيدهم للعمل الوطني، ومما ميز طبيعة النشاط الطلابي الفلسطيني، انه قد امتد ليصل إلى أوساط جميع الفلسطينيين في جميع مناطق تواجدهم.

منذ بداية تأسيس مجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية أوائل السبعينيات، لعبت دوراً هاما في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، والتأثير على القرار السياسي الفلسطيني. حيث أن النشاط والنضال الطلابي في هذه الجامعات انذاك، كان يعكس حالة الشارع الفلسطيني خاصة في ظل تواجد منظمة التحرير وقياداتها في الخارج. كما انعكست طبيعة مواقفه وعمله على خارج اسوار الجامعات، من خلال التوجيه والتوعية والتواصل مع المجتمع والعمل من خلالها، هذا دون اغفال الدور المركزي للمجالس والحركات الطلابية في الجامعات الفلسطينية في رفد الحركة الوطنية بعناصر وكوادر شابة وواعية.

بالاضافة الى دور الحركة الطلابية واسهامها كرافد أساسي للحركة الوطنية والمشهد السياسي العام، فقد زخرت تلك الفترة بالعديد من إصدارات الطلبة من منشورات وجرائد ومطبوعات دورية عكس الطلاب فيها مواقفهم وآراءهم السياسية، والتي كانت تعبر عن مواقف الحركة الوطنية الفلسطينية، ولم تكن غريبة عنها.

ان المنعطفات التاريخية التي مرت بها القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة أثرت بدورها على مدى فعالية مجالس الطلبة والحركة الطلابية بشكل عام في القرار السياسي، ولعل ابرز هذه التحولات كانت في المرحلة التي تبعت اتفاقية اعلان المبادئ "أوسلو"، وتشكيل السلطة الفلسطينية الى الضفة الغربية وقطاع غزة. والحاصل الآن بعد أوسلو يتمثل في تراجع مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، نتيجة ضعف م ت ف وتراجع فصائلها عن القيام بادوارها كما في السابق، وجاء مشروع بناء الدولة الذي امتزج للاسف مع المحاصصة والانقسام، وهذا بالطبع اثر على الحركة الطلابية، بحيث أصبحت جزءا من قوانين توزيع الحصص في الشارع الفلسطيني، فتغيرت طبيعة الدور الذي تقوم به، وأصبح الطلبة وحركتهم رهن الانقسامات والصراعات القائمة في الشارع الفلسطيني.

وغني عن القول، ان انقسام عام 2007 كان ضربة إضافية لأداء المجالس والعلاقات ما بين الطلبة، التي حملت وزر تبعات الانقسام. وهو الأمر الذي انعكس على برامجهم الانتخابية، التي تركز اليوم على المناكفات السياسية، والتي لا تصب في مصلحة احد. وهذه الحالة العدمية اسهمت في إضعاف ووهن الحركة الطلابية كأحد الروافد الأساسية للعمل الوطني، والامتداد الطبيعي لحركات النضال الوطني الفلسطيني.

تدفع المقارنة بين ماضي وحاضر تاريخ الحركة الطلابية، للاستنتاج بأنها شهدت تراجعا في العمل وتفتتا في الهوية ما بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وتم تحويلها من أطار يخدم المصلحة الوطنية إلى مجموعات تمتهن المناكفات السياسية والمحاصصة الانتخابية، كما أنها ابتعدت عن العمل السياسي الذي برعت فيه خلال عقود خلت. فجميع الظروف التي نشأت ما بعد اوسلو، لعبت دوراً في اضعافها وتحوير العديد من الأدوار التي قام العمل الطلابي بناءً عليها، الى جانب البعد عن المحور والهدف الأساسي وهو الصراع مع الاحتلال والعمل على زرع المفردات الفئوية والتفرد في العمل وإقصاء الآخر.

--------------
*بلال الافندي: باحث اجتماعي وناشط طلابي، مقيم في مخيم الدهيشة للاجئين – بيت لحم.