أثر النكبة على الأسرة الفلسطينية: اللاجئون في سورية مثالاً

أحد مشاهد شبكة الكهرباء في مخيم مارإلياس في لبنان - مركز بديل، ٢٠١٠ أحد مشاهد شبكة الكهرباء في مخيم مارإلياس في لبنان - مركز بديل، ٢٠١٠

بقلم: ضياء أيوب*

مقدمة

تبدو محاولة الإحاطة بالتغييرات السسيولوجية -من نوع علاقة اللاجئ بالوطن الأصل، وبالبلد محل الإقامة- التي أصابت المجتمع الفلسطيني في الشتات من خلال هذه الأسطر القليلة فارغة بلا معنى، اذا ما تمت مقارنتها مع أهمية الموضوع وتعقيداته المتفرعة. فتصبح المهمة الرئيسية لهذا المقال هي رصد أهم التطورات التي أصابت شكل العلاقات الناظمة لمجتمع اللجوء الفلسطيني، في سورية مثالاًـ بالترافق والدعوة إلى طرق هذا المدخل بدراسات مستفيضة تغطي مختلف بلدان اللجوء والشتات المتباينة في علاقاتها وتطور بنيتها المجتمعية برغم الصعوبات التي تعترض مثل هذا العمل الضخم.

إن الدراسات المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص، تلك التي تتناول سسيولوجيا اللجوء قليلة إلى حد كبير، رغم التغيرات البنيوية الواسعة جداً التي أصابت المجتمع الفلسطيني بعد نكبة العام 1948. ومما يدلل على ذلك أن العائلة الفلسطينية اليوم ليست بكل تأكيد العائلة الفلسطينية قبل العام 1948، وليست تلك التي نزحت عن أراضيها قسرياً إبان حرب العام 1948. ومن هنا تأتي أهمية تسليط الضوء على ملامح المتغيرات والاختلافات البنيوية والعلائقية للأسرة الفلسطينية.

إن مجموعة من الأسئلة الرئيسية تطل برأسها عند محاولة الدخول بصلب الأثر الذي أصاب المجتمع الفلسطيني في الشتات بعد نكبة العام 1948. فماذا حل بالأسرة الفلسطينية على مدار عشريات من سنين النفي والاقتلاع؟ وما هي طبيعة العلاقات داخل الأسرة الفلسطينية النواة في الشتات؟ هل هي أسرة ديمقراطية أم تسلطية؟ وإلى أي مدى لازال يرتبط الجيل الرابع من النكبة الفلسطينية بأرض أجداده؟

الموقع الاجتماعي:

أدت نكبة العام 1948 إلى عملية هبوط حاد وسريع وشامل في الحراك الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، سببها اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، ومصادرة أملاكه على يد العصابات الصهيونية، وتحوله إلى مجموعات من اللاجئين موزعة على دول الطوق العربي. فبادر اللاجئون الفلسطينيون من أبناء الجيل الأول إلى التحرك باتجاه تحسين أوضاعهم المعيشية، وهذا من خلال تكوين رأس مال قوامه قوة عمل هؤلاء، والتي شكلت نحو 10% من اليد العاملة في سوريا آنذاك، مما ساعد على انخراط الجيل الثاني في الاقتصاد السوري الغض والناشئ، وحصولهم على وظائف وأعمال ملائمة للمؤهلات العملية والمهارات التي يحملوها.
ولم تتوقف عملية الحراك الاجتماعي في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في سورية، بفضل ازدياد الجهود التي يبذلونها جيلاً بعد جيل لتحسين أوضاعهم الاجتماعية ورفع مستوى معيشتهم. وقد أخذت هذه العملية مكاناً، إما عبر الهجرة أو محاولة رفع تحصيلهم العلمي العالي إلى أعلى مستوى ممكن. ويمكن القول اليوم أن معظم أبناء الجيل الرابع من اللاجئين الفلسطينيين في سورية والذين تخطوا سن العشرين قد انهوا مرحلة التعليم الثانوي على أقل تقدير.

من الشتات الإجباري إلى المنفى الاختياري:

إن دراسة التغييرات التي أصابت الأسرة الفلسطينية في العادات وأنماط الحياة، لا بد وأن تمر أساساً بدراسة محيطها العربي. تبقى الأسرة الفلسطينية التقليدية أو المعاصرة على حد سواء جزءاً منه، مع وجود تباين عائد إلى الاقتلاع، وفقدان الأرض والقاعدة الاقتصادية الإنتاجية، دون أن يعني ذلك أن الأسرة الفلسطينية شكلت عنصراً ثابتاً في المجتمعات التي لجأت إليها، وإن فرضت التغيرات الجذرية والمتسارعة في بنية ووظيفة العائلة العربية منذ منتصف القرن العشرين وحتى يومنا هذا انعكاساتها على بنية العائلة ووظائفها. وعلى سبيل المثال؛ يتضح أن الأسرة الممتدة "العشائرية" ما زالت مستمرة بالوجود الفاعل في المجتمع العربي عموماً والفلسطيني على وجه التحديد، على الرغم من انتشار "الأسرة النووية" وسوادها. لكن تبقى الأسرة الممتدة "العشائرية"، تشكل نسبة لا يستهان بها من إجمالي المجتمع الفلسطيني في سوريا.

وإن كانت الأسرة الفلسطينية اللاجئة إلى سورية تنقلت إبان نكبة العام 1948، بشكل جماعي للإقامة بين لبنان وسورية ـ تشير التقديرات إلى أن نحو 67% من الأسر الفلسطينية اللاجئة في سورية مرت بلبنان أولاً كبلد لجوء مفضل ومنها نقلتهم السلطات اللبنانية إلى سوريةـ ولاحقاً، مع انشطار محدود بالأسرة النووية التي بقيت للإقامة داخل حدود فلسطين الانتدابية، فإن دائرة الانشطار اتسعت في الجيلين الثاني والثالث، وهذا يعود لسببين رئيسيين هما:
1ـ البحث عن فرص عمل أفضل وخصوصاً في دول الخليج وليبيا؛
2ـ طلباً للعلم المرتبط أساساً بانسداد سبل العودة أو للحصول على مركز وظيفي لائق في حال العودة إلى بلد اللجوء الاول.

تفكك العائلة الواسعة:

ولقد أدت النكبة من ضمن آثارها السلبية العامة، إلى إضعاف الترابط والتواصل العائلي عبر الأجيال، وداخل كل جيل. وخصوصاً في العائلة الممتدة، التي شهدت ضعفاً شديداً في الروابط العائلية وتواصل الأقرباء. ويمكن الاستنتاج أن من أهم عوامل هذا الوهن في العلاقات العائلية الفلسطينية في الشتات يقف وراءه:
1 ـ البعد الجغرافي وما يترتب عليه من أبعاد نفسية اجتماعية، مع ميل الأقارب المقيمين خارج المخيم إلى عدم زيارته، فما تلبث العلاقة أن تضمحل وتتلاشى،
2 ـ التباين الاجتماعي بين الأقرباء، وخصوصاً إن كان شاسعاً، فإن له أثر كبير على فتور العلاقات الاجتماعية العائلية،
3 ـ التباين الثقافي الكبير بين الأقرباء أدى غالباً إلى ابتعاد المثقفين وأصحاب المهن العلمية والعليا عن أقربائهم من ذوي الثقافة المحدودة والمستوى العلمي المتواضع.

من الأسرة السلطوية إلى الأسرة الديمقراطية:

إن ملاحظة التغيير البنيوي في أسرة الشتات الفلسطيني؛ تظهر أن سلطة الزوج على زوجته والأب على أبنائه كانت سلطة شبه مطلقة في الجيل الأول. غير أن اللجوء والشتات وفقدان القاعدة الاقتصادية، التي قامت عليها سلطة الرجل، والتغيرات التي طرأت على حياتها، ومنها تبلور حركة التحرر الوطني الفلسطيني وارتفاع مستوى التحصيل العلمي والثقافي، وانخراط المرأة في العمل لسد الحاجة او لسد غياب الزوج، جميعها أمور ساعدت على إحداث تغيير جذري في السلطة داخل الأسرة النووية الفلسطينية. وقد قادت إلى إضعاف السلطة الأبوية، وتسهيل نشوء توزيع أكثر تكافؤاً للسلطة بين أفراد الأسرة عامة، وتزايد سلطة الزوجة "الأم" بصورة خاصة، كما صار للأبناء-المتعلمين خصوصاً-، رأي لا يستهان به داخل الأسرة، في مقابل مزيد من التراجع في سلطة الأب داخل الأسرة النووية جيلاً بعد آخر. وهو ليس بالأمر السلبي إذا ما وضعنا في الحسبان نشوئه كنتيجة لتغلب العلاقات الديمقراطية على العلاقات السلطوية المستبدة داخل الأسرة.

واقــــع المــــرأة:

طرأ تغيير كبير على واقع المرأة الفلسطينية في الشتات مقارنةً بالجيل الأول، وما أصاب حقوقها من تحسن على الصعيدين الإنساني والقانوني، وإن كان تطوراً متدرجاً وعلى مراحل في الجيلين الثاني والثالث وحتى الرابع، إنما يعود ذلك أساساً إلى جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية والمعرفية. فإلى جانب اضطرار المرأة لدخول سوق العمل، والتحاق الفتيات بالتعليم الإلزامي، فقد لعبت الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة بفصائل م.ت.ف. دوراً كبيراً في حركة الاستقطاب للمرأة، وإشراكها بالنضال بمختلف مستوياته.

مشـاهــــدات:

مثلت العائلة الفلسطينية ما قبل النكبة، شبكة من العلاقات القائمة على رابطة الدم والمصاهرة المحصورة إلى حد بعيد بالقرية أو العشيرة الواحدة، وطغى عليها طابع العلاقات الأسرية، وجاء مجتمع المخيم ليجمع بين أهالي القرى المهجرة ومختلف تشكيلاتهم العائلية في مساحة ضيقة سكنياً. الأمر الذي أفسح المجال أمام انطلاق الزواج الخارجي، وهو ما حدث بالتدريج وببطء. غير أن غالبية الزيجات لا تزال تتم بين الفلسطينيين أنفسهم، وهذا لا ينفي ان العائلات الفلسطينية شهدت انفتاحاً معتدلاً على الزواج من سوريات. كما يمكن أن نتلمس طريقنا نحو رسم ملامح عامة للتطورات التي أصابت الأسرة الفلسطينية في سورية من خلال تدوين الملاحظات الآتية:

١ ـ طغى زواج الأقارب في الجيل الأول، وهو ما اختلف في الجيلين الثاني والثالث، حيث تزوج معظم أفرادهما في الشتات، كما اختفى عملياً نظام تعدد الزيجات. وحل مكانه نظام الطلاق والدخول في زواج جدي، ليس فقط عملياً بل وقيمياً أيضاً.
٢ ـ تراجع ظاهرة الزواج المبكر في أفراد عينة الجيلين الثاني والثالث عما في الأول، لأسباب أهمها الوضع الاقتصادي، والتركيز على التعليم، وتأمين عمل ودخل يسمح ببدء حياة زوجية وتحمل مسؤولية تنشئة أسرة وإعالتها
٣ ـ اختفى التمييز القائم على أساس تصنيف الأسر ما بين (حضرية، ريفية، بدوية)، بعد اندماج اللاجئين في المجتمعات الحضرية للمدن السورية
٤ ـ حصلت قفزة لا يستهان بها على صعيد التحصيل العلمي بشكل متدرج اعتباراً من الجيل الثاني، وهو ما لم يكن موجوداً في أوساط الجيل الأول، مستفيدين بشكل خاص من مجانية التعليم في مدراس الـ(أونروا) في مرحلة التعليم الأساسي، والثانوي في مدارس الحكومة السورية التي ساوت بينهم وبين الطلاب السوريين، ورمزيته في مرحلة التعليم الجامعي.
٥ ـ انتهى وانتفى عملياً مفهوم الالتزام العائلي الواسع لدى أفراد الجيلين الثالث والرابع
٦ ـ الأسرة الفلسطينية في سورية لم تستقر على شكل محدد جديد، فهي تعيش إعادة تشكيل لمضمونها وعلاقات القربى
-----------------

*ضياء أيوب: باحث في علم الاجتماع، وناشط فلسطيني لاجئ في مخيم اليرموك.