الفلسطينيون في لبنان: نحو نضال مشترك

أهالي مخيم نهر البارد أمام مكتب الأنروا في المخيم يطالبون بحقوقهم المشروعة - مركز بديل، ٢٠١١ أهالي مخيم نهر البارد أمام مكتب الأنروا في المخيم يطالبون بحقوقهم المشروعة - مركز بديل، ٢٠١١

بقلم: د. سعود المولى*

شكل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان عام 1948 حوالي 13.8 % من مجموع اللاجئين الفلسطينيين، والذين قدر عددهم من قبل لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، والمعروفة باسم لجنة "كلاببحوالي 760 ألف لاجئ. وجاء ذلك في تقرير اللجنة المقدم للجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1949، وقد تبنت الأونروا عند مباشرة مهامها عام 1950 أرقام اللجنة المذكورة.

وبخصوص اللاجئين الفلسطينيين الى لبنان؛ أفاد تقرير لبعثة الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان أنه من شمال فلسطين (حيفا وعكا وصفد) لجأ قرابة 300.000 شخص إلى كل من سوريا ولبنان في الفترة من أبريل/ نيسان 1948 وحتى آب/ أغسطس 1948. وبحسب معلومات متضاربة استقيتها من مصادر فلسطينية ولبنانية مختلفة، تراوح عدد الذين نزحوا الى لبنان عام 1948 ما بين 100 ألف و130 ألف لاجىْ فلسطيني. قدموا من منطقة الجليل (عكا- بيسان- الحولة- صفد- الناصرة- طبريا- حيفاونزح قسم من مناطق يافا- اللد- الرملة مع أقلية نزحت من القدس وجوارها وقسم من الضفة الغربية (نابلس- جنين)، وان كانت نسبتهم قليلة. والسبب الرئيسي لتوجه هؤلاء إلى لبنان يعود الى قرب الحدود اللبنانية من قراهم ومناطق سكناهم، وهم كانوا يأملون أن تقوم الجيوش العربية بطرد العصابات الصهيونية خلال فترة قصيرة جداّ .كما ان حالة التزاوج والمصاهرة بين سكان الجليل وشمال فلسطين عموماّ واللبنانيين، كانت ظاهرة واضحة نجد خلفياتها في التواصل والتبادل التجاري بين عكا وصيدا في جنوب لبنان (يوم كانتا ولاية واحدة أيام الدولة العثمانية ).

 في حين كان يلجأ العديد من الفلسطينيين إلى لبنان للاصطياف، هذا عدا عن وجود الأسواق التجارية الحدودية التي كانت تجمع بين مواطني لبنان وفلسطين وسوريا. ويمكن القول إن الحدود بين فلسطين ولبنان تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي لم تكن مغلقة أمام حركة المواطنين من البلدين، ويشهد على ذلك النسبة العالية من اللبنانيين الذين كانوا يعيشون في فلسطين. فقد كانت الجالية اللبنانية من أكبر الجاليات في فلسطين قياسا بغيرها من الجاليات العربية، حين كان ميناء حيفا وشركة النفط فيه وغيرها من الاماكن تشكل نقاط جذب للعمالة اللبنانية. كما إن التسامح الديني في أواسط الفلسطينيين شكل عامل اطمئنان لدى الكثير من اللبنانيين الذين لجأوا إلى فلسطين بسبب اضطرابات طائفية في مراحل سابقة لنكبة 1948. انعكاسا لهذه العلاقة المميزة بين لبنان وفلسطين، فقد كان في فلسطين ثلاث قنصليات لبنانية في كل من القدس، حيفا، ويافا، إضافة إلى وجود قنصل عام لتسيير أمور الجالية اللبنانية في فلسطين تحت الانتداب. وقد تبلورت أماكن انتشار المخيمات والتجمعات الفلسطينية على أساس قروي وعائلي (خصوصاً قرب بيروت وصور وصيدا وطرابلسأو على أساس الانتماء الديني (تبرعت الأوقاف الأورثوذكسية بأرض أقيم عليها مخيم مار إلياس غرب بيروت في حين سمح للاجئين الكاثوليك بالاقامة في منطقة ضبية شرق بيروت على أرض للوقف الكاثوليكي). وكان مخيم البص أول المخيمات التي استقبلت اللاجئين نظراً الى انه كان جاهزاً للعمل بسبب بنائه واستخدامه سابقاً لايواء اللاجئين الأرمن. وقد بقي عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من الألغاز المحيرّة؛ إذ لا توجد أرقام نهائية لدى الجهات المختلفة؛ سواء أكانت الدولة اللبنانية أم المنظمات الدولية أم منظمة التحرير الفلسطينية.

 الارقام حول الفلسطينيين في لبنان هي قصة بحد ذاتها:

قدرت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني عام 1992 عدد فلسطينيي لبنان بـ 600 ألف لاجئ. ولأسباب مختلفة تماما، أهمها إظهار عدم قدرة لبنان على استيعاب أعداد وفيرة من الفلسطينيين، يميل الرسميون اللبنانيون الى تضخيم عدد الفلسطينيين اللاجئين في لبنان، حيث صرح الوزير اللبناني السابق المرحوم شوقي فاخوري (الذي كان عضوا في اللجنة الوزارية المكلفة بالحوار مع الفلسطينيين) بأن عددهم في لبنان يتراوح بين 400 ألف و 500 ألف نسمة. وكان المدير العام السابق لمديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في وزارة الداخلية اللبنانية السيد يوسف صبرا اعتبر في آخر سنة 1982 ان العدد الإجمالي للفلسطينيين بلغ قبل الاجتياح “الإسرائيلي” حوالي 650 ألف. وبغية الإقلال من أهمية قضية اللاجئين بحد ذاتها يأخذ “الإسرائيليون” بالتقديرات الأكثر انخفاضاً. "موشي افرات" مثلا، خلص في مقالة خصصها لدحض ما يعتبره تضخيما لأعداد الفلسطينيين في لبنان الى أن عددهم سنة 1982 كان في حدود 203 ألف نسمة. أما وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) فقد أفاد تقديرها لسنة 1992 أن عدد اللاجئين في لبنان المسجلين لديها بلغ 319.427 نسمة وأنه كان 127.600 نسمة سنة 1950 وقد بلغ عدد الفلسطينيين في لبنان حوالي 387 ألف نسمة بحسب احصاءات المسجلين لدى الاونروا نهاية العام 2003، يضاف اليهم حوالي 41000 نسمة وهم الفلسطينيون المقيمون في المخيمات وغير المسجلين لدى الاونروا، منهم 26000 نسمة حصلوا على وثيقة سفر من شؤون اللاجئين في وزارة الداخلية في لبنان، و 15000 فلسطيني ليس لديهم اي اوراق ثبوتية وهم محرومون من خدمات الاونروا (باستثناء التعليموبسبب عدم تجديدهم لاقاماتهم يتعرضون للملاحقة أو لغرامات كبيرة من قبل الدولة اللبنانية، رغم انهم دخلوا الى لبنان بطريقة مشروعة، وكان اتفاق القاهرة (1969) الذي قامت الدولة اللبنانية في ما بعد بالغائه من طرف واحد، قد نظّم وجودهم في لبنان.

أطفال مخيم عين الحلو في لبنان - مركز بديل، 2011

اللاجئون الفلسطينيون والوضع اللبناني:

لم يمض على استقلال لبنان أكثر من 5 سنوات، حتى كانت نكبة فلسطين زلزالاً على حدوده الجنوبية استمرت تداعياته الى يومنا هذا. ذلك ان البلد الصغير، الحديث التشكيل، المعقد التركيب، الدقيق التوازنات، وجد نفسه في خضم  أمواج عاتية لا قدرة له على خوض غمارها. ولم يكن الامر ليتعلق فقط بأفواج اللاجئين الهاربين الى جنوب لبنان من مجازر عصابات الصهاينة، وقد كان لبنان الرسمي والشعبي حريصاً على التضامن والتعاطف معهم. فحين وقعت النكبة ردد لبنان كله كلام وزير خارجيته حميد فرنجية وصرخته الإنسانية: "نستقبل في لبنان اللاجئين الفلسطينيين مهما كان عددهم ومهما طالت اقامتهم، ولا يمكن أن نحجز عنهم شيئاً ولا نتسامح بأقل امتهان يلحقهم دوننا، وما يصيبنا يصيبهم وسنقتسم في ما بيننا وبينهم آخر لقمة من الخبز". وبالفعل بادر لبنان حكومة وشعباً وعلى رأسه رموزه الكبيرة مثل رياض الصلح وبشارة الخوري وحميد فرنجية وكمال جنبلاط وصبرى حمادة وعادل عسيران وأحمد الأسعد ومعروف سعد، إلى تشكيل فرق الدعم والانقاذ التي عملت مع الصليب الأحمر ومع الجمعيات والهيئات الأهلية على إغاثة اللاجئين وتقديم العون لهم. وبلغ إجمالي ما صرفته الحكومة اللبنانية على المساعدات يومذاك 5،2 ملايين ليرة من أصل موازنة تقدر بسبعين مليون ليرة لبنانية.

وبلغ التضامن والتأييد اللبناني للفلسطينيين أن الجيش اللبناني شارك في المعارك ضد الاسرائيليين عام 1948 كما أن مئات المتطوعين اللبنانيين خاضوا المعارك بكل تضحية وشجاعة إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين. ولم يتوان اللبنانيون عن فتح منازلهم للاجئين وتقديم كل ما أمكن تقديمه إليهم، وهذا ما فعلته المؤسسات الحكومية والمنظمات والجمعيات. لا بل ان هذا التعاطف استمر طوال الخمسينيات حيث كان اللبنانيون يرافقون المتسللين الفلسطينيين الى ديارهم المحتلة لتفقد منازلهم وأرزاقهم.

وبين آذار وأيار 1948، وصل نحو 52 ألف لاجىء فلسطيني إلى مناطق لبنان الجنوبية، وتلاهم نحو 15 ألفاً بين حزيران وتموز من العام نفسه. وفي صيف العام 1949 بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان نحو 130 الف نسمة.

ولسنوات، عاش اللاجئون الفلسطينيون، مثلهم مثل كل العرب، على وهم قدرة الجيوش العربية على سحق "فلول العصابات الصهيونية". ورغم الهزيمة واتفاقت الهدنة، لم يفارق اللاجئون أمل وحلم العودة القريبة، وتشبثوا بالانتظار في خيام نصبت لهم خارج بيروت -وبعيداً عن المناطق المسيحية-. ولم تنشأ المخيمات حول بيروت في صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة والضبية وتل الزعترالنبعة والمسلخ- الكرنتينا وغيرها، إلا في مرحلة متأخرة وبسبب احتياج الصناعة اللبنانية الفتية الى يد عاملة رخيصة تفتقر في الوقت نفسه الى حقوق أو ضمانات.

الا أن الأهم في منعطف 1948-1949 كان في افتتاح عصر جديد سمته الرئيسية الحرب الباردة بين الجبارين (موسكو وواشنطن) والتي كانت حرباً ساخنة في العالم الثالث (من كوريا وفيتنام الى افريقيا والشرق الاوسط). والسمة الثانية المميزة لذلك العصر كانت سمة الانقلابات العسكرية التي كانت البلاد العربية ساحتها الرئيسة وخصوصاً سوريا (منذ العام 1949). والسمة الثالثة النابعة من السمتين الاولى والثانية تمثلت في الانقسام العربي الذي تعاظم بعد انقلابات سوريا والعراق ثم بوصول العسكر الى الحكم في مصر(1952).

التأثير المباشر والاكثر أهمية لكل هذه التطورات أصاب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؛ فبعد سنوات قليلة من شهر العسل تفجرت الاورام على وقع دور فلسطيني في اغتيال الرئيس رياض الصلح (16 تموز 1951)، ثم الملك الاردني عبد الله الاول (20 تموز 1951) وأيضاً في المحاولة الانقلابية الفاشلة للقوميين السوريين (آخر عام 1961). وترافق ذلك مع بداية انتشار لحركة القومييين العرب في مخيمات لبنان (على يد جورج حبش ووديع حداد) ثم لحزب البعث العربي الاشتراكي، ومن بعدهما للكثير من المنظمات والحركات الثورية والقومية، بحيث صارت المخيمات مركزاً للنشاطات الراديكالية على أنواعها. وهكذا فان السلطات اللبنانية صارت تخشى من النتائج السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمكن أن تعكسها قضية اللاجئين الفلسطينيين، خاصة بعد اتضاح حجم الكارثة التي سببها الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وطرد سكانها، والدعم السياسي الذي كانت تتلقاه الدولة الصهيونية من الغرب. وفي تلك الآونة بدأت مشاريع ومخططات توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تظهر من خلال ممارسات المنظمات الدولية، وهذا ما أقلق اللبنانيين على مستقبل المعادلة الطائفية في البلد، ودفع الدولة اللبنانية إلى التعاطي أمنيا مع قضية اللاجئين، حيث باتت الأجهزة الأمنية هي المكلّفة بمتابعة قضية اللاجئين وأصبحت هذه الأجهزة تفرض الرقابة على المخيمات وتعنى برصد الأنشطة السياسية.
وبقيت هذه الأجهزة هي المسؤولة عن السجلات الشخصية للاجئين حتى تم تأسيس مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين يوم 31/3/1959 وحُددت مهام هذه المديرية التي أصبحت تابعة لوزارة الداخلية اللبنانية، من دون أن يعني ذلك إزاحة العين الأمنية عن الفلسطينيين. وبسبب ذلك عاشت المخيمات الفلسطينية حالة ارهاب فعلي تحت سلطة مخفر الدرك والامن العام والمكتب الثاني. حتى كانت انتفاضة تشرين 1969 التي "حررت" المخيمات وأخرجتها من تحت سلطة الدولة اللبنانية الى سلطة الكفاح المسلح الفلسطيني (وفقاً لبنود اتفاق القاهرة الشهير).

بين الراديكالية والعزلة الاجتماعية:

خضع وضع الفلسطينيين في لبنان للتجاذبات وللصراعات اللبنانية واستخدمهم كل الأطراف في هذا الاتجاه أو ذلك تبعاً للمصالح والمنافع السياسية المحلية، بغض النظر عن حقوق وحاجات ومطالب وآمال اللاجئين أنفسهم. ولم ينتبه المتحاورون، المتصارعون اللبنانيون، أو هم لم يريدوا ذلك- الى ان الفلسطيني اللاجىء له الحق في العيش الكريم. فحين بحثت الاونروا مع السلطات اللبنانية إمكان تحسين الوضع السكني للاجئين، رفض الطرف الفلسطيني باباء وشرف مجرد البحث في ذلك خوفاً من اتهامه بالسعي الى التوطين ولذا استمر اللاجئون يعيشون في خيام حتى عام 1959 حين قررت الدولة اللبنانية والأمم المتحدة استبدالها ببيوت التنك. وهي لم تسمح لهم بالاسمنت وسقوف المعدن قبل العام 1965. ومنذ العام 1991 أعادت السلطات اللبنانية فرض الحصار على المخيمات وقررت عدم السماح بإدخال أي مواد قد تستخدم ليس فقط للبناء وانما حتى لصيانة المساكن. وتحفل محاكمنا بالكثير من أحكام السجن والعقوبات على فلسطينيين حاولوا ادخال شاهد قبر، أو سطل دهان أو برميل ماء فارغ الى المخيمات!

ومنذ 1959، وإثر"الثورة المعلومة" (1958) ونتائجها، خضعت المخيمات لأحكام الطوارىء وأنيط بالشعبة الثانية مسؤولية مراقبة اللاجئين وتقييد حركتهم، من دون أدنى اهتمام رسمي لمسألة "تنظيم وضعهم قانونياً على قاعدة الحقوق والواجبات". وقد قاسى اللاجئون من عمليات القمع والتنكيل على يد الجيش والمكتب الثاني "وأخضعت المخيمات لقوانين غريبة هدفت لعزل تجمعات اللاجئين عن الاتصال ببعضها، وأخضع التنقل بين مخيم وآخر لشرط الأذن العسكري والتنسيق ولجملة من التحقيقات التعسفية. ومنع دخول الصحف والمجلات والكتب السياسية الى المخيمات تحت طائلة الاعتقال والتعذيب، ومنعت التجمعات بما فيها الأعراس إذا لم تعجب رجال المكتب الثاني".1هذا وقد "أدت أحكام الطوارىء الى إخماد الحياة في المخيمات فحولتها الى ما يشبه معسكرات اعتقال: منع تجول بعد غروب الشمس، شرطة سرية، ومخبرون يسيطرون على كل أوجه الحياة، وقائد الشرطة بيده سلطات مطلقة. فأصبح إذلال الرجال وجمع الهدايا والأتاوة والسجن لفترة طويلة من دون محاكمة والضرب ووسائل التخويف والبطش، من الممارسات المألوفة في المخيمات".2 وتروي ذاكرة المخيمات قصصاً عن هذا الواقع المأساوي الذي عاشته المخيمات أشهرها إعلاميا قصة استشهاد جلال كعوش تحت التعذيب أواخر العام 1965. 

وقد عاش الفلسطينيون طوال عشرين عاماً (1949- 1969) في مخيمات تفتقد أدنى مقومات الحياة البشرية. وكان اللاجئون في غالبيتهم من الفلاحين الذين فقدوا الأرض والإقامة، وبالتالي الشرف مع شيوع تهمة بيع الأراضي للعدو، والمكانة الاجتماعية التي كانت لهم في بلادهم. وفقدوا الأمان والاستقرار وكل مقومات الحياة الاجتماعية، إذ تشتت شمل العائلات ودمرت شرائح المجتمع كافة وانهارت النخب الاجتماعية، السياسية، ولم تظهر نخبة جديدة بينهم -بسبب الشتات واللجوء وحياة الذل والهوان في المخيمات-. وهذا ما حدا بالباحث "جان فرنسوا بايار" إلى استنتاج خطير وواقعي مفاده: "اللاجئون عامة لا يشكلون قوة اجتماعية بل جماعة متباينة، وبالتالي فهم أعجز عن ان يحولوا أنفسهم إلى قوة سياسية منظمة وهم أقل استعداداً للنشاط السياسي، كما انهم يسعون وراء الفرص الاقتصادية لتحسين أوضاعهم، وإلى ملاءمة أنفسهم مع السلطات التي تتحكم بمصيرهم".

وقد تميزت السنوات الأولى للجوء في المخيمات بالعمل الحثيث على جمع شمل العائلات داخل المخيمات، الأمر الذي يفسر تجمع عائلات محددة داخل المخيم أو تشكيلها لمخيمات بذاتها. ذلك أن علاقات التراحم والتكافل العائلية شكلت لحمة وقوة وأعطت في الوقت نفسه معنى للهوية والانتماء بعد فقدان الوطن والموقع الاجتماعي. ومن هنا أعيد تكوين السلطة الاجتماعية التقليدية لمجالس المشايخ والمخاتير داخل المخيم -اللجان الشعبية لاحقاً- على أساس القرابة والمنطقة والحمولة. وقد مثلت العلاقات التقليدية المخيمات في أعمال الإدارة والإغاثة والخدمات الذاتية وبالعلاقة مع وكالة الغوث. ويمكن الإشارة هنا إلى ان المجتمع الفلسطيني في الشتات، طوّر حالة هوس بالتعليم كانت واضحة في سعيه إلى تحقيق الأمان المادي والقيمة المعنوية عبر التعويض الثقافي والتفوق العلمي، فبات الفلسطينيون في مراتب بارزة في نسبة التعليم ومستواه. وذلك إلى جانب أن المجتمع الفلسطيني من أكثر المجتمعات العربية والإسلامية تمسكاً بالتراث التقليدي الذي حافظ عليه في إطار دفاعاته الذاتية عن وجوده وعن هويته في الشتات. لقد تمسك الفلسطينيون بلهجتهم الخاصة (البدوية أو الفلاحية) وبالزي التقليدي، وبمآدب المنسف والشاي بالميرامية، إلى جانب العلاقات التكافلية العشائرية والعائلية، برغم التفوق في مستوى التعليم ونوعيته كما في مستوى الأداء الوظيفي في أعمال التعليم والتدريس وفي الخبرات التكنولوجية (في دول الخليج على سبيل المثال) .

منظر عام لمنازل مخيم شاتيلا في لبنان - مركز بديل، ٢٠١١

ما بعد 1958:

روى شهود عيان أبرزهم محسن إبراهيم، أبو ماهر أحمد اليماني، أبو عدنان عبد الكريم حمد، ووديع حداد (وهم كانوا في قيادة حركة القوميين العرب) كيف انهم شكلوا وفداً لمقابلة الرئيس فؤاد شهاب في مطلع عهده لاطلاعه على الممارسات المؤذية لمشاعر أهل المخيمات. وقد ذكروا له وقائع تتعلق بتصرفات قمعية واهانات وشتائم واذلال للأطفال والنساء من الأهالي، وختموا حديثهم بالقول إن اللاجئين وممثليهم يمكنهم مساعدة المسؤولين اللبنانيين في تعقب المسيئين إلى القوانين اللبنانية من سكان المخيمات ودعوا إلى تأليف لجنة من المخيمات تسلم الدولة من تريده من سكانها ليجري التحقيق مع المتهمين وانزال العقاب بهم، من دون التسبب بمتاعب واشكالات لا تفيد احداً. وختموا بأنه لا نية لدى الفلسطينيين سوى خدمة عهد الرئيس شهاب المتحالف مع عبد الناصر.وتدخلت الهيئة العربية العليا لفلسطين ورئيسها الحاج محمد أمين الحسيني، مراراً لدى الرئيس شهاب، خصوصاً بعد موجة القمع والتنكيل التي طالت المخيمات إثر فشل المحاولة الانقلابية القومية السورية (ليل آخر يوم من العام 1961). وبرغم ان القوميين السوريين كانوا مكروهين في الوسط الفلسطيني لوقوفهم مع الرئيس شمعون وحلف بغداد وضد عبد الناصر والوحدة المصرية- السورية، الا ان القمع لم يميز بين قومي عربي وقومي سوري، ما اضطر الرئيس شهاب، وعبر مدير عام الغرفة المدنية في رئاسة الجمهورية السفير جورج حيمري، الى ارسال رسالة شبه اعتذار الى الحاج الحسيني (بتاريخ 25/ 1/ 1962) يؤكد فيها على عدل ونزاهة السلطات اللبنانية وعلى كون التدابير القاسية التي حصلت "عابرة اقتضتها ضرورات الأمن".

 

 

وى شهود عيان أبرزهم محسن إبراهيم، أبو ماهر أحمد اليماني، أبو عدنان عبد الكريم حمد، ووديع حداد (وهم كانوا في قيادة حركة القوميين العرب) كيف انهم شكلوا وفداً لمقابلة الرئيس فؤاد شهاب في مطلع عهده لاطلاعه على الممارسات المؤذية لمشاعر أهل المخيمات. وقد ذكروا له وقائع تتعلق بتصرفات قمعية واهانات وشتائم واذلال للأطفال والنساء من الأهالي، وختموا حديثهم بالقول إن اللاجئين وممثليهم يمكنهم مساعدة المسؤولين اللبنانيين في تعقب المسيئين إلى القوانين اللبنانية من سكان المخيمات ودعوا إلى تأليف لجنة من المخيمات تسلم الدولة من تريده من سكانها ليجري التحقيق مع المتهمين وانزال العقاب بهم، من دون التسبب بمتاعب واشكالات لا تفيد احداً. وختموا بأنه لا نية لدى الفلسطينيين سوى خدمة عهد الرئيس شهاب المتحالف مع عبد الناصر.3 وتدخلت الهيئة العربية العليا لفلسطين ورئيسها الحاج محمد أمين الحسيني، مراراً لدى الرئيس شهاب، خصوصاً بعد موجة القمع والتنكيل التي طالت المخيمات إثر فشل المحاولة الانقلابية القومية السورية (ليل آخر يوم من العام 1961). وبرغم ان القوميين السوريين كانوا مكروهين في الوسط الفلسطيني لوقوفهم مع الرئيس شمعون وحلف بغداد وضد عبد الناصر والوحدة المصرية- السورية، الا ان القمع لم يميز بين قومي عربي وقومي سوري، ما اضطر الرئيس شهاب، وعبر مدير عام الغرفة المدنية في رئاسة الجمهورية السفير جورج حيمري، الى ارسال رسالة شبه اعتذار الى الحاج الحسيني (بتاريخ 25/ 1/ 1962) يؤكد فيها على عدل ونزاهة السلطات اللبنانية وعلى كون التدابير القاسية التي حصلت "عابرة اقتضتها ضرورات الأمن".4

لم يجد فلسطينيو المخيمات في الأحزاب السياسية اللبنانية المحلية والعربية ملجأ لهم أو تعويضاً عن الهجرة واللجوء والشتات. فهي في برامجها لا تعود عليهم بنفع مباشر فبرامجها وأولوياتها لم تلحظ الأوضاع المعيشية اليومية لأهالي المخيمات. وباستثناء انتساب بعض الفلسطينيين الى "حزب النجادة" المحلي، لم تنشغل الأحزاب اللبنانية المحلية بالهم الفلسطيني.

أما حضور فلسطينيي المخيمات في الأحزاب اللبنانية ذات الامتداد الإقليمي ( القومي السوري، البعث، حركة القوميين العرب، حزب التحرير، الأخوان المسلمون)، فكان أيضاً طفيفاً. بيد أن بعض النخب الفلسطينية خارج المخيمات شاركت في تأسيس حركة القوميين العرب. وظلت مشاركة المخيمات في الأحزاب في السنوات العشر الأولى التي تلت النكبة (1949- 1959) تقليدية؛ إذ هي كانت امتداداً للنشاط الحزبي ما قبل التهجير والشتات. وقد حملت النخب المدينية، الفلسطينية من الطبقة الوسطى، ومن مسيحيي المدن تحديداً، همً اعادة تشكيل الوعي الوطني- القومي وتأسيسه تنظيمياً: الخلايا الأولى لما أصبح لاحقاً "حركة القوميين العرب"، والامتدادات القديمة للحزب القومي السوري منذ أيام العمل المسلح ضد الاحتلال، وصولاً الى جيش الانقاذ، فيما حمل الفلاحون والمزارعون وأبناء القرى الروابط السابقة مع الحاج محمد أمين الحسيني ومن خلاله في حركة الاخوان المسلمين، وصولاً الى النخب الجديدة المنتسبة الى حزب التحرير الشاب.

بيد أن السمة العامة لحياة المخيمات كانت سمة الاستبعاد عن الحياة السياسية، والهامشية أو التهميش السياسي- الاجتماعي، وذلك بفعل الممارسات الاستنسابية لقوى الأمن والمخابرات. ولم يكن هناك من قوانين واضحة تحكم العلاقة بين الدولة والمخيمات، بحيث سيطرت الرشاوى وهيمنت العلاقات التسلطية والارتزاقية والمخابراتية. الأمر الذي عنى وراثة كل علاقات الارتباط- التبعية القائمة من خلال المخاتير ومجالس المشايخ، ومن خلال عمليات الرشوة والاستزلام للحصول على بعض الامتيازات، كتصاريح الخروج من المخيم أو للتجول، وبطاقات الإغاثة. وشارك الفلسطينيون في أحداث لبنانية داخلية بدءاً من عام 1951 (طرد أول مجموعة طلاب فلسطينيين من الجامعة الأميركية في بيروت) ومروراً بالتظاهرات ضد حلف بغداد وضد المشاريع الأميركية للتوطين (طرد مجموعة ثانية من طلاب الجامعة الأميركية- 1955) أو تأييداً لعبد الناصر وتأميم قناة السويس وضد العدوان الثلاثي (1956) أو مع الوحدة المصرية – السورية (1958)، وصولاً الى حمل السلاح الى جانب الثوار ضد حكم الرئيس كميل شمعون، خصوصاً في صيدا وصور وطرابلس (1958). ويمكن القول إن أبناء المخيمات شكلوا قاعدة للكثير من الحركات والأحزاب السياسية التي استخدمتهم فدفعوا ثمن فشل الانقلاب القومي السوري (1961- 1962) أكثر من اللبنانيين، كما دفعوا اثمان حركة القوميين العرب أكثر من اللبنانيين.

لكن حكم الرئيس شمعون، شهد أول عملية تجنيس لدفعات من الفلسطينيين (بالاتفاق مع الرئيس سامي الصلح)، وذلك لأسباب طائفية (مسيحيون خصوصاً)، وسياسية (دعم الصلح إلى جانب تجنيس أكراد مؤيدين له) ولم يحصل الفلسطينيون لا على وثائق سفر ولا على بطاقات هوية ولا على أي حقوق مدنية في حدودها الأدنى. ورغم ذلك ظلوا يرفضون محاولات التعويض والتوطين كلها، ويقاومون مشاريعها وخصوصاً المشروع الأميركي المعروف باسم "جونستون" والذي طرح بوضوح فكرة التوطين في البلاد العربية، ومنها لبنان، مقابل تعويضات مالية كبيرة ومشاريع انمائية كثيرة.

الانهيار الكبير:

شهدت الأعوام 1964- 1967 تطورات عاصفة عجلت بانهيارات وانفجارات سبقت هزيمة الخامس من حزيران. فمن المشروع الإسرائيلي لتحويل روافد نهر الأردن وما أثاره من قلق واضطراب عند العرب الذين سارعوا إلى عقد قمة عربية تمخضت عنها قرارات "دفاع مشترك"، أبرزها إعلان تشكيل "منظمة التحرير الفلسطينية" 1964، إلى انطلاق حركة "فتح" (1965)، إلى مؤتمر بتخنيه للمزارعين والعمال وتأسيس جبهة القوى والأحزاب الوطنية والتقدمية بقيادة كمال جنبلاط (1965)، إلى أزمة بنك انترا وذيولها (1964-1966)، إلى الانقلاب اليساري البعثي في سورية ضد الجناح الآخر (1966). تراجعت الشهابية على المستوى العربي واللبناني وانسحب حليفان رئيسيان لها (الكتائب وجنبلاط) ما أدى إلى انكشافها شعبياً، وجعل منها بقايا جهاز أمني يتحرك لتأييد "نهج" يحتضر. وجاءت هزيمة حزيران لتكشف الوضع العربي مع انهيار قطبه الثوري (التجربة الناصرية) واضطراره للمصالحة مع عدوه "الرجعي" (السعودية والأردن) "واليساري" (البعث السوري)، مما وضع نهاية للتورط المصري في اليمن، وأدى إلى انقلابات جذرية في دول عربية عدة مثل، العراق 1968، ليبيا والسودان 1969، وأخيراً سورية 1970. وانعكس هذا الوضع على لبنان وعلى دور مصر فيه تحديداً. وهو الدور "المميز" الذي تكرس خلال عهد الوحدة المصرية- السورية ونفوذ عبد الحميد السراج. وما ان مر صيف 1967 حتى كانت الشهابية تنهار يوم اكتسح الحلف الثلاثي الماروني (الجميل، شمعون، إده) انتخابات جبل لبنان في 7 نيسان 1968. ولم تفلح بقايا الأجهزة التي نشطت بين عامي 1968-1970 لايصال مرشح النهج إلى الرئاسة، في تأمين شروط ومتطلبات المشروع الشهابي في ظروف دولية- إقليمية وأوضاع داخلية متغيرة. فكان انتصار حلف فرنجيه- سلام- الأسعد المدعوم من الحلف الثلاثي إعلاناً لبدء مرحلة جديدة من تاريخ لبنان.

وفي ظل انهيار الشهابية وتراجع الدور المصري ونجاح الحلف الثلاثي، والانقلابات العربية المستجدة، سارع طرفان إثنان إلى محاولة وراثة الدور المصري في لبنان عبر بوابة العمل الفلسطيني المسلح. وهذان الطرفان كانا حركة فتح من جهة (مدعومة من مصر) والحكم البعثي الشاب في سورية من جهة أخرى. ولم تكن صدفة أن تشهد الحرب اللبنانية وعبر محطات كثيرة فصولاً من النزاع المسلح بين هذين القطبين.

المقاومة الفلسطينية وأثرها في لبنان:

شهدت سنوات 1970-1975 تمددا وانتشارا فلسطينيا في جنوب لبنان، تردفه عناصر لبنانية يسارية أو فتحاوية وجدت في الثورة الفلسطينية ولأسباب مختلفة، الحلم والأمل في التغيير. إلى جانب الأسباب اللبنانية الإسلامية المتعلقة بانهيار التوازن الذي قام عليه الكيان اللبناني. فكان التموضع الفلسطيني في جنوب لبنان بعد أيلول الأسود ووفاة عبد الناصر (أيلول 1970) وانقلاب الرئيس الأسد (تشرين الثاني 1970) وكان شعار حرية العمل الفدائي ودعم الثورة الفلسطينية واعتبار الجنوب بوابة التحرير آية كل ذلك اتفاق القاهرة الشهير في 3 تشرين الثاني 1969. ولذا فانه لم يكن غريبا أن تروج في تلك الفترة مقولة المطالب الإسلامية-الوطنية (محسن ابراهيم ومنير شفيق)، والطبقة-الطائفة (جورج حاوي)، أو المارونية السياسية (منح الصلح ثم جريدة السفير). وكان كل ذلك التمدد والانتشار محمولا على استراتيجية مصرية في دعم حركة فتح والمنظمات السنية الناصرية ومعظمها كان مرتبطا بالمكتب الثاني اللبناني (الاستخبارات العسكرية)، وفي مشاغلة وارباك العدو وإضعافه عبر لبنان، وعلى استراتيجية سورية - المتمثلة بمنظمات الصاعقة والجبهة الشعبية-القيادة العامة والجبهة الثورية وغيرها من الشلل الصغيرة التي فرّخت مثل الفطر على ضفاف التجربة الفلسطينية في لبنان- فقد اسهمت في زعزعة الاستقرار اللبناني وبناء وضع جديد، سمح تاليا في إشعال وإذكاء واستمرار الحرب الأهلية. ومحمولاً أيضا على أزمة داخلية تتعلق بالمطالب الإسلامية في المشاركة. فكان دعم الفدائيين هو رافعة تصحيح الخلل. وبعد عام 1973 صار هذا التمدد أيضا محمولا على هجوم سوفياتي كاسح في الشرق الأوسط الأمر الذي جعله يصطدم وبقوة بمحاولات التسوية الداخلية اللبنانية. ومخطىء وواهم من لا يعيد قراءة تلك التجربة ومن لا يعترف بالدور السوفياتي وبالأدوار العربية المختلفة في إبقاء الصراع مفتوحا على جبهة الجنوب، وفي تأثير ذلك على مجريات الوضع، وعلى العلاقات اللبنانية-الفلسطينية.

فقد صارت المقاومة الفلسطينية بالنسبة للكثير من اللبنانيين جزءاً لا يتجزأ مما كان يسمى حركة التحرر الوطني العربية ومن اليسار الدولي والإقليمي ومن استراتيجيات مصرية وسورية وسوفياتية وفلسطينية (ولاحقا ليبية وعراقية وغيرها) وجدت في بقاء جبهة الجنوب مفتوحة وفي استمرار الحرب الأهلية اللبنانية خير جسر للعبور إلى ما تريد أو لإيصال الرسائل أو لخدمة مصالحها الخ. وفي حين انه لم يكن هناك من مشروع عربي للمواجهة خصوصاً بعد حرب تشرين 1973 ثم اتفاقيات فك الاشتباك الاولى في سيناء 1975 ونشوء جبهة الصمود والتصدي 1975 وصولاً الى اتفاقية كامب ديفيد المصرية-الاسرائيلية 1977-1979، فانه لم يكن هناك ايضاً من هوية لبنانية وطنية جامعة ومستقلة تحمل عنوان المقاومة، بل يمكن القول حتى أن القوات المشتركة في الجنوب كانت جزءا من الانقسام الداخلي كما أنها كانت تغذيه من جهة أخرى. لكل ذلك اضطربت العلاقات اللبنانية-الفلسطينية وخضعت للانقسام الدولي من جهة (يمين- يسار) وللانقسام الطائفي اللبناني من جهة اخرى (مسلمين-مسيحيين) وللانقسامات العربية من جهة ثالثة (اعتدال في مقابل الصمود والتصدي). وقد تميزت المرحلة من 1978 الى 1982 بصراعات لبنانية-لبنانية خصوصاً بين شيعة الجنوب (بعد خطف السيد موسى الصدر) وأحزاب اليسار اللبناني والفلسطيني. ثم كان اجتياح 1982 الذي اخرج منظمة التحرير من بيروت واستكملت سوريا مهمة اخراج المنظمة من البقاع والشمال، ثم الاجهاز على قواها المستقلة في حروب المخيمات (طرابلس 1983-1985 وبيروت والجنوب 1985-1987). ورغم ذلك استطاع الشعب الفلسطيني اطلاق الانتفاضة الاولى (كانون الاول 1987) واعلان خروج العامل الفلسطيني من الوضع الداخلي اللبناني.

المراجعات الفلسطينية واللبنانية: نحو رؤية مشتركة

حين كان اللبنانيون يسيرون في اتجاه اقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف (1989)، كان الفلسطينيون قد بدأوا مسيرة تصويب نضالهم من خلال الانتفاضة الاولى (كانون الاول 1987)، وقد روتها دماء الشهداء من كبار القادة والكوادر من كل المنظمات. ثم كانت وثيقة اعلان استقلال دولة فلسطين في المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد بالجزائر (15 تشرين الثاني 1988) وصولاً الى المشاركة في مؤتمر مدريد (تشرين الثاني 1991) وانجاز اتفاقية اوسلو (13 أيلول 1993) ثم الانتقال الى الارض المحتلة لاقامة السلطة الوطنية (1 تموز 1994). وبغض النظر عن تقييمنا لهذه المسيرة (من الجزائر الى مدريد الى اوسلو الى اليوم) الا ان ما نريد ابرازه هنا هو ان الشعب الفلسطيني ومن خلال منظمة التحرير الفلسطينية (ممثله الشرعي الوحيد) لم يعد له اي مشروع أمني أو سياسي في لبنان أو انطلاقاً منه، ولا عاد أداة (أو رافعة) في خدمة أي مشروع على أرض لبنان....

وقد جاء إعلان فلسطين في لبنان الذي صدر كوثيقة رسمية عن منظمة التحرير في لبنان (9 كانون الثاني 2008) ليفتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية الفلسطينية اساسها الاعتراف بأخطاء وخطايا الماضي والدعوة الى تجاوزها من الطرفين وانجاز مصالحة حقيقية بين الشعبين. والوثيقة تؤكد على الموقف الرسمي الفلسطيني الذي ما انفكت تؤيده كل القيادات الفلسطينية، في الداخل والخارج، في منظمة التحرير والسلطة الوطنية وخارجها، في حماس والجهاد والفصائل التي كان مركزها في دمشق، والذي يعلن الالتزام الكامل وبلا تحفظ بسيادة لبنان واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. الا ان الاهم في الوثيقة كما في المواقف التي أعلنها ويعلنها الاخوة في فتح وحماس على السواء، هو الاعلان عن التمسك بحزم وثبات بحق العودة ورفض كل اشكال التوطين والتهجير مع التمسك بالحق في العيش بكرامة. والاعلان بان السلاح الفلسطيني في لبنان يخضع لسيادة الدولة اللبنانية وقوانينها وعن استعداد منظمة التحرير للتفاهم مع الشرعية اللبنانية على موضوع السلاح وعلى الحقوق المشروعة للاجئين الفلسطينيين في لبنان. وكنا السباقين في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني الى طرح رؤية متكاملة للعلاقات اللبنانية الفلسطينية وذلك في اعلان بيروت (17 حزيران 2004) الذي قلنا فيه:

"نريد أن نقول لأشقائنا الفلسطينيين: لقد طوينا نهائياً صفحة الحرب المشؤومة، التي كنا، نحن وأنتم، من ضحاياها، على اختلاف المواقع والتصوّرات والرهانات والأوهام .من الدروس الأساسية التي استفدناها معاً، ودفعنا ثمنها معاً، أن خلاص لبنان لا يكتمل إلا باستقرار الشعب الفلسطيني في دولة سيّدة مستقلة، بالشروط التي يرتضيها الشعب الفلسطيني لنفسه: فليس لنا أن نعلّمكم أو أن نملي عليكم أي خيار. ومن الدروس الأساسية التي استفدناها معاً، ودفعنا ثمنها معاً، أن لبنان المعافى داخلياً هو خير عونٍ لقضية فلسطين ولكل القضايا العربية: وليس لكم أن تحدّدوا لنا مواصفات موقفنا القومي. بإمكانكم التأكد من حقيقة هذه الخلاصة حين ترون اليوم هذا الاجماع اللبناني، من مختلف الطوائف والاحزاب، على تأييد قضيتكم بعد انتقال مركز نضالكم الى داخل فلسطين، وبعد إعلانكم، قولاً وعملاً، أنه لم يعد لديكم أي مشروع سياسي أو أمني في لبنان، أو عبر لبنان: لم تعد القضية الفلسطينية مسألة خلافية بين اللبنانيين. وعليه فإننا نرفض معكم الاستغلال السياسي الذي يتعرّض له وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، كما نتضامن معكم للحصول على كامل حقوقكم الانسانية. كذلك ينبغي أن نعمل معاً على بسط سيادة الدولة اللبنانية على جميع المخيمات. وهذا الأمر يتحقق عبر اتفاق مباشر بين الحكومة اللبنانية والقيادة الفلسطينية الشرعية. نحن نؤمن، أخيراً، بأن قيام دولة فلسطينية مستقلّة في حدود العام 1967 وعاصمتها القدس، تكون مسؤولة عن الفلسطينيين في الداخل كما في بلدان الشتات، سيساهم إلى حدٍ بعيد في حلّ مشكلة اللاجئين، وسيطرد عملياً شبح التوطين الذي نرفضه وإياكم على السواء.".

-------------------
* د. سعود المولى: أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، بيروت.


 الهوامش:

١. عدنان بدر- جريدة بيروت ١٥-٦-١٩٧٥
٢. حسن شريف- بالإنكليزية، جنوب لبنان: التاريخ والجغرافيا السياسية
٣. راجع مجلة الحوادث بتاريخ ١-١٠-١٩٩٣، صفحـ٩ـة
٤. مجلة فلسطين- الصادرة عن الهيئة العربية العليا لفلسطين، العدد ١٢ (شباط ١٩٦٢).