ملاحظات على بوابة اللجوء في سورية

مخيم جرمانة، دمشق- سوريا - المصدر: وفا، ٢٠١٠ مخيم جرمانة، دمشق- سوريا - المصدر: وفا، ٢٠١٠

بقلم: رانيا ماضي*
لم أتردد في المشاركة في بعثة تقصي حقائق مكونة من جمعيات أهلية أوروبية، تم الاتفاق عليها للذهاب إلى سورية لمراقبة الأحداث عن قرب والوقوف على الحقيقة التي غابت ما بين التناقض الإعلامي في عرض الأحداث. بالنسبة لي كان الوقوف على وضعية الفلسطيني اللاجئ هناك، ومدى تأثره بالأحداث هو هاجسي الأول. وما عزز رغبتي تلك هو أنني على اطلاع تام على ما حدث وما زال يحدث للفلسطينيين في العراق وكنت أتوقع كارثة أخرى تحل بهم!

لقد كان وما زال الفلسطينيون يدفعون ضريبة لجوئهم إلى إي دوله عربية، فأي تغيير سياسي يحصل، يكونون دائماً الأوائل في دفع الثمن، والتاريخ سجل ذلك. فما زلنا نذكر ما حصل في الأردن ومن ثم في لبنان ومؤخراً في العراق والآن نخشى ما يمكن ان يقع في سوريا. أثناء زيارتي إلى سورية، كان لي لقاءات مع كل ما يرتبط بالوجود الفلسطيني من مؤسسات رسمية إلى دوائر شعبية وممثلين عن التجمعات حاولت من خلالها رصد الحالة، وهذا ما سأحاول في هذه المقالة إلقاء الضوء عليه. لقد قمت بزيارة أكثر من موقع وتجمع لأرى بأم عيني واسمع من الفلسطينيين أنفسهم. وللحقيقة أقول أن محاولات الزج بالفلسطينيين في معمعان الأحداث لم تنجح، وأكثر من ذلك، يمكن التأكيد أن الظروف الأمنية في سورية لا تستهدف الفلسطينيين، كما أن الخشية على أوضاع الفلسطينيين هي خشية مستقبلية مرتبطة بانهيار كلي للأوضاع في سورية. وعليه، يمكنني القول أن القيود الأمنية على الفلسطيني في سورية ليست قيودا خاصة أو تزيد على تلك التي تمس المواطن السوري العادي أي غير المتورط/المنخرط في الأحداث. من هنا وددت أن أسجل بعض الملاحظات السريعة بشأن اللجوء الفلسطيني في سورية عموما، لأن الأزمة الحالية في سورية، ليس فيها حاليا، ولم ينتج عنها ما يمس وضع الفلسطينيين على وجه الخصوص، رغم أن الخشية المستقبلية على حالهم تظل قائمة.

اثر الفلسطينيين على الصالحية:

ان أول تواجد عبر التاريخ للفلسطينيين في سورية، في منطقة الصالحية، وهي منطقة سكنية من الممكن رؤيتها من عدة زاويا؛ فبوابة الصالحية من أكثر المناطق شهرة بسبب أهميتها التجارية والاقتصادية. والسؤال هنا يدور حول: كيف وصل الفلسطينيون إلى سورية ؟.

الحقيقة التي قد يجهلها الكثيرون ، و هي مؤكدة وموثقة في العديد من المراجع والكتب التاريخية، ألا وهي أن الصالحية كانت قبل ٨ قرون مدينة فلسطينية. ففي عام ٥٥١ هجري وصلت أول قافلة للاجئين الفلسطينيين من منطقة نابلس ومن قرية جماعين إلى دمشق هربا من الاضطهاد الصليبي وكان عددهم مئتي شخص، مات منهم أربعين لأسباب مختلفة. وبعدها ساعدهم السلطان نور الدين للرحيل إلى جبال قاصيون والتي كانت خالية من البيوت. لكن بعد سنوات أصبحت هناك عشرات من البيوت ثم المئات وسمي المكان الصالحية نسبة لصلاح آل قدامة، وأصبحت الصالحية مدينة علمية يقصدها طلاب العلم من دمشق وغيرها من المدن ويخرج منها العلماء والمشايخ إلى مساجد دمشق، وخاصة المسجد الأموي لإعطاء الدروس، حتى انتشر المذهب الحنبلي وخرج إلى العديد من المناطق وصارت الصالحية محط أنظار العلماء والأعيان.

وقد أصبحت هذه المدينة، مدينة فاضلة على غرار مدينة أفلاطون، فقد تم تخطيطها وإنشاء البنية التحتية فيها، فأنشأت الحمامات والمدارس ودور الأيتام وانتشر العلم بهذه المنطقة. حتى أن نساء آل قدامة صرن محدثات يتلقى الرجال القادمون للمنطقة العلم منهن، كما أن المنطقة اشتهرت بصناعة الورق الذي كان يذهب إلى سائر الدنيا، ولا ننسى مسجد الشيخ عبد الغني النابلسي والمدرسة العمرية وهي اكبر مدرسة تخرج منها الألوف من الطلبة عبر تاريخها.

دور الجيش السوري:

كان مقررا أن يدخل الجيش السوري فلسطين يوم ١٥ أيار، من جنوب لبنان ويتمركز في منطقة لواء الجليل من حدود لبنان حتى مدينة الناصرة باعتبارها منطقة عربية لا توجد فيها قوات صهيونيةوصلت مقدمة الجيش إلى سهل البقاع في طريقها إلى بنت جبيل. غير أن الجيش غير رأيه فجأة، ورجع قبالة بحيرة طبريا والحولة، ثم هاجم الجيش قرية سمخ واحتلها وخسر كثيرا من قواته، ثم هاجم مستعمرة "مشمار هايردن" وهي من أقدم المستعمرات اليهودية في فلسطين، واحتلها عنوة. وقد كان الجيش السوري الجيش الوحيد من بين الجيوش العربية الذي استولى على مستعمرات يهودية.

الاونروا في سورية:

بدأت الاونروا تقدم خدماتها للاجئين الفلسطينيين في أيار 1950، بعد قرار تأسيسها رقم ٣٠٢ الصادر في ١٩٤٩. ولا ننسى هنا أن نشأتها ارتبطت بعامل سياسي لمساعدة اللاجئين على تجاوز آثار نكبتهم مع عدم الإخلال بقرار ١٩٤. تقدم الاونروا خدمة التعليم لنحو ١١٩ مدرسة ومركز مهني، تحوي بدورها حوالي ٦٦٥٠٠ طالب وطالبة، ويعمل في خدمات وكالة الغوث التعليمية، ما يقرب ٢٧٠٠ كادر تعليمي. وعلى الرغم مما تعانيه من مشاكل مثل التسرب واكتظاظ الطلاب في الصفوف، والمشاكل الناجمة عن الدوام ذو الفترتين - أي المسائي والصباحي-، إلا أن نسبة النجاح مرتفعة في مدارس الاونروا مقارنة مع المدارس السورية الحكومية.  

وقد مثلت الاونروا العامل الأكثر أهمية في الواقع الاجتماعي والحياتي للاجئين في السنوات الأولى للتهجير. لكن بعد اتفاق أوسلو تراجعت الخدمات وكذلك حصص المساعدات قلت إلى النصف، مما اثر على جوانب مختلفة من حياة اللاجئين الفلسطينيين.

اما بخصوص البرنامج الصحي؛ فقد كان مهما جدا،ً حيث تم تنفيذ برامج الرعاية، ولكنه تقلص الآن وتراجع مستوى الخدمات العلاجية، مما أدى إلى تذمر اللاجئين المستمر. وهذا نتيجة نقص عدد الأطباء وزيادة اكتظاظ المراكز الصحية، إضافة إلى خلو الصيدليات من العديد من الأدوية اللازمة بل والضرورية. مما أضاف عبئا إضافيا على كاهل اللاجئين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى اللجوء للعيادات الخاصة، وهذا ما لا يتناسب مع إمكانياتهم، وبشكل خاص انه منذ بداية الأحداث في سوريا أصبح إيجاد عمل يكاد يكون حلما.

اللاجئون الفلسطينيون في سورية وحق السفر:

رغم ان اللاجئ الفلسطيني يعامل معاملة المواطن السوري، ما عدا حق الترشح والانتخاب، أصبح السفر للفلسطيني من سورية حلما صعب التحقق. ومنذ اندلاع الأحداث منذ عام ونيف في سورية، زادت رغبات الشباب في المغادرة، ولكن تتكسر احلام الفلسطيني  في سورية لانه يعرف مدى صعوبة شروط السفر لأي دولة ولأي سبب، سواء لطلب العلم أو العمل أو حتى بهدف الهجرة. عندما سالت بعض المسؤولين في التجمعات الفلسطينية عن السبب كانت النتيجة مذهلة؛ لان شروط السفر لأي بلد عربي هي أصعب من السفر لأي بلد غربي اولا، ولان مبدأ المعاملة بالمثل لا يطبق على اللاجئين الفلسطينيين، فسورية منذ سنين تمنح حق زيارتها لكل مواطني الدول العربية دون تأشيرة دخول، وبموجب المعاملة بالمثل فان الدول العربية تطبق هذا المبدأ بالمثل على المواطنين السوريين ولكن للأسف تستثني اللاجئين الفلسطينيين الذين يحملون وثيقة السفر السورية. ان السلطات السورية لا تمنع الفلسطيني من مغادرة أراضيها لأي سبب بالمقارنة مع الدول الاخرى. ولكن لو أخذنا مثلا الأردن فهو يطبق شروطا صارمة وصعبة على دخول الفلسطيني مهما كان سبب طلب الزيارة، وبالنسبة للفلسطيني يصبح الحصول على تأشيرة لزيارة تركيا أو قبرص الأمر أسهل، ويستحيل الأمر عندما يكون لزيارة بلد خليجي أو حتى مصر التي ترفض حتى طلبات الدراسة رغم الضمانات المالية أو العلمية لمقدم الطلب.

ويحلوا الأمر لدى سؤال اللاجئين الفلسطينيين في سورية عن رأيهم بإعلان الدولة الفلسطينية وإنهاء معاناتهم! حيث جاءت إجاباتهم ووجهات نظرهم مفاجئة إلى حد ما، اذ لمست شبه إجماع عندهم حول أن هذا الإعلان ناقص، وخاصة انه لا يوجد ذكر لحق العودة فيه، وكذلك قالوا ان الإعلان من طرف واحد، وهذا يعني أن إسرائيل لها الحق في السيطرة على كافة المناطق خارج نطاق السلطة الفلسطينية، وكذلك حقوق الفلسطينيين في الشتات. وهذا من شانه أن يعني توطين جديد، وكذلك فأن هذا الاعلان يعني الاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية ضمن المعطيات وموازين القوى الحالية. والغريب ان كل من سألتهم هذا السؤال كان جوابهم متفقا على أن هذا وهم كبير، وان تحقق فهو على حساب تضحيات الشعب عبر التاريخ منذ النكبة وحتى الآن، بل ان احد اللاجئين قال أن هذا فصل جديد من فصول النكبة.

ملاحظات هامة حول التجمع الفلسطيني في سورية:

هناك حالة من المساواة بين اللاجئ الفلسطيني والمواطن السوري من حيث حقوق التوظيف والعمل والتجارة وحتى خدمة العلم في القوات المسلحة ثم في جيش التحرير الفلسطيني. فقانون رقم ٢٦٠ لعام ١٩٥٦ سهل عملية اندماج الفلسطيني في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. ومما يلاحظ بالنسبة للتجمع الفلسطيني في سورية؛ فانه مجتمع نشيط في كافة محاور الحياة، كما انه مجتمع شاب ساهم في بناء الجوانب الاقتصادية والثقافية والتربوية التعليمية والسياسية، وبرز منه شخصيات لامعة في كافة الميادين بما فيها خدمات البنية التحتية.

إضافة لذلك فان المجتمع الفلسطيني اللاجئ في سورية يتميز بأنه شديد الارتباط والانتماء لوطنه الأم فلسطين ومتمسك بحقه في العودة. فهو مجتمع يؤكد على هويته الوطنية وهو جزء من الحركة الوطنية الفلسطينية في الشتات من مؤسسات ونقابات واتحادات ومنظمات شعبية متميزة ومحافظة على ديمومة الحلم في العودة إلى ارض الوطن. وخير مثال على ذلك ما حصل عندما قرروا في ١٥ أيار ٢٠١١ التوقف نهائيا عن الانتظار ومعالجة الخطأ الذي حصل عام ١٩٤٨. فقرروا الزحف ليقولوا لإسرائيل نحن الجيل الرابع ولم ننسَ. وكذلك ليردوا على محاولات دفن هذا الحق والتفاوض عليه، فكان هناك ٢٣ شهيدا ممن قرروا الزحف مرة أخرى في حزيران، وكان هناك إيناس شريتح ابنة الستة عشر عاما، وقيس ابو الهيجاء الذي غادر الأردن وشارك في العودة، وعزت مسودة المولود في القدس والذي اجتاز مجدل شمس في ١٥ أيار وتمت إعادته ولكنه أصر على العودة في ٥ حزيران واستشهد على مشارف الجولان. وكذلك سامر حمدان الذي وصل قرية مجدل شمس وكان ممن خاضوا معركة مع جيش الاحتلال واضطر للعودة مع بعض الجرحى والشهداء. إن هذا يؤكد على عمق الانتماء والإصرار، كما انه يوضح للعالم اجمع أن هؤلاء الشباب قادرون بإرادتهم على تحطيم أسطورة الحدود والتي اتضح أنها هشة. فحلم العودة سيظل ملازما لشعبنا أينما كان جيلا بعد جيل.

----------

رانيا ماضي: ناشطة فلسطينية، مستشارة قانونية في مركز بديل- مكتب جنيف.