لجان المخيمات في لبنان: أداء قاصر عن مهمة وطنية

مخيم برج البراجنة، لبنان - مركز بديل، ٢٠١٠ مخيم برج البراجنة، لبنان - مركز بديل، ٢٠١٠

بقلم: سامر مناع*

خلال 64 عاماً تعددت التسميات التي أطلقت على المرجعيات المحلية في المخيمات، أو ما يطلق عليها اليوم اللجان الشعبية باعتبار انها من المفترض ان تعكس حاجة تمثيلية شعبية محلية لأهالي المخيمات.كرّس اتفاق القاهرة الموقع بين القيادة الفلسطينية والسلطات اللبنانية وجود إدارة محلية في المخيمات، وشكلت القياد الفلسطينية اللجان الشعبية على اساس مهمتين: الأولى امنية داخلية تقوم بها عناصر مسلحة تفرز للمهمة الأمنية وتسمى الكفاح المسلح. والمهمة الثانية الأساسية لادراة الحياة اليومية والشؤون المحلية في المخيمات.

إذن، تكرّست فكرة قيام لجان شعبية في المخيمات في اتفاق القاهرة الذي نص في بنوده على انشاء لجان محلية للفلسطينيين في المخيمات بهدف رعاية المصالح المعيشية اليومية بالتعاون مع السلطات اللبنانية. ميدانياً، اصطدمت فكرة وجود هذه اللجان مع وجود الكفاح المسلح، وبالرغم من أن الاتفاق أعطى صلاحيات واسعة لهذه اللجان، إلا أن الضرورات العسكرية والأمنية على الأرض ادت الى سيطرة أكبر لجهاز الكفاح المسلح، الذي كان من المفترض ان يكون الأداة التنفيذية لهذه اللجان. وكان الدور الأبرز في المخيمات لكوادر الكفاح المسلح انطلاقاً من «الهيبة» التي تمثلها القوة والسلاح في زمن عسكري بامتياز.

وكان دور اللجان الشعبية يركز بشكل رئيس على رعاية مصالح اللاجئين الفلسطينيين والسهر على تأمين حاجات الناس الحياتية من كهرباء وماء ومعالجة البنى التحتية، وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية في الدولة اللبنانية، كوزارة الداخلية، والأمن العام، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، والمؤسسات الاجتماعية والسياسية الأخرى، بالاضافة صلاحيات في موضوع حل النزاعات الفردية... وغير ذلك.

لكن، فعلياً تراجع هذا الدور الاجتماعي/الوطني لحساب الدور السياسي/الوطني، باعتبار أن هذه اللجان تحوّلت الى أداة بيد المرجعيات السياسية الفلسطينية، وكونها شكّلت وبطريقة غير مباشرة صلة وصل بين القيادة واللاجئين. بعد ذلك، تعددت المرجعيات المحلية والتي حصر اختيار أعضائها من الفصائل الفلسطينية وخاصة حركة فتح اكبر التنظيمات الفلسطينية. ومع تقدم الحالة العسكرية وتراجع التكتيكات السياسية تراجع دور اللجان، وبالتالي تراجع الاهتمام بالجوانب الحياتية بشكل عام. خلال هذه المرحلة لم يتبلور أي دور فعال لهذه اللجان بل كانت ملحقة بالمرجعية السياسية والعسكرية.

بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وتراجع الحالة العسكرية، قامت بعض الفصائل الفلسطينية باعادة تفعيل دور هذه اللجان في الاطار السابق أي باعتبارها اداة، لكن ذلك لم يدم بسبب «حرب المخيمات» التي أدت الى مشاكل كبيرة وعلى مختلف المستويات نظراً لحجم الدمار والقتل.

بعد انتهاء الحرب التي استمرت 15 عاماً، ونتيجة لدمار البنية التحتية وشبكات الكهرباء والصرف الصحي وارتفاع معدلات الفقر وانخفاض مستوى التعليم، كانت هناك حاجة لاعادة تفعيل اللجان المحلية لتولي عملية اعادة البناء ضمن امكانات محددة. وعادت تلك اللجان لتأخذ دوراً أكبر بدأ يتصاعد بشكل بطيء منذ بداية التسعينيات. وكان الاتجاه في تكوينها قائم على الاتجاهات الخدماتية والاهتمام بالمصالح والشؤون اليومية بشكل أكبر دون اخراجها من طابعها السياسي/الفصائلي الذي كان ولايزال رداؤها الوحيد خلال عشرات السنوات.

من الناحية الرسمية، فقدت اللجان شرعيتها بالغاء اتفاق القاهرة، لكنها استمرت واقعياً، وكانت بشكل غير مباشر أداة بيد الفصائل المنضوية في منظمة التحرير الفلسطينية - كل بحجمه، وبموازنات داخلية بكل فصيل انعكست على اأفراد الفصيل الموجودين في اللجان. وساهم ذلك بانشاء لجان موازية لقوى التحالف الفلسطيني خارج منظمة التحرير بقيادة حركة حماس. وادى التنافس في كثير من الأحيان الى تفعيل نسبي بدورها في هذا المخيم او ذاك. ولكنه في الوقت نفسه تبلور كانقسام في الحالة الفلسطينية على صعيد المخيمات.

تصاعد دور اللجان الشعبية بشكل بطيء جداً مع رفع مستوى الاهتمام بالمخيمات من جهة، وتطور الوعي بالأهمية التمثيلية للاجئين الفلسطينيين من جهة اخرى. وبدأت مشاريع البنى التحتية واعادة توزيع شبكات الصرف الصحي خاصة في مخيمات: عين الحلوة، شاتيلا، برج البراجنة، برج الشمالي والرشيدية. ومع تطور عمل المؤسسات الاجتماعية والحقوقية الفلسطينية واللبنانية والدولية، تطور أداء اللجان الشعبية وساهمت حالة الاستقرار العام النسبي في تحسين هذا الأداء، وترافق ذلك مع اطلاق برامج متنوعة للأطفال والشباب والنساء، كما تطور مستوى التنسيق خاصة مع الأونروا ووصل في بعض المشاريع الى درجة الأشراف المباشر على تنفيذ مشاريع البنى التحتية التي تنفذها الأونروا.

خلال السنوات الثلاث الماضية، طرحت أكثر من جهة حقوقية امكانية انتخاب اللجان الشعبية كحل للكثير من القضايا والخروج من حالة الانقسام واضفاء شرعية شعبية عليها، وكانت هناك تجربة انتخابية متواضعة في مخيم شاتيلا في العام 2007 لكنها لم تنجح بسبب اهمالها من القوى الفلسطينية بالدرجة الأولى. ويمكن اعتبار أن هناك رفضا غير معلن من بعض الفصائل الفلسطينية الرئيسية لفكرة الانتخابات، وتمثل ذلك بالسرعة في تخصيص موازنات لعدد من اللجان الموجودة للقيام بمشاريع تحت عنوان «احياء دور اللجان الشعبية» كمناورة بديلة عن الانتخابات.

اليوم، تلعب اللجان الشعبية دوراً أكبر لكنه لا زال بحاجة إلى تطوير، وأهم تلك الادوار تمتين أواصل الأمن الاجتماعي من خلال متابعة المشاريع التنموية ومشاكل البناء العشوائي والسعي لادخال مواد الاعمار الى المخيمات، وصيانة الوحدات السكنية الآيلة للسقوط، وتحسين البيئة من خلال التفاعل مع البلديات، ومحاولة ايجاد حلول للمشاكل التربوية من خلال تفعيل الحوار مع المعنيين المباشرين، أي المدرسة والأهل والتلميذ، ومعالجة مشاكل الرسوب والتسرب والبطالة. هذا بالإضافة إلى الدور الكبير والاهتمام بالموضوع الصحي بشكل أكبر، بالتعاون مع المؤسسات الصحية كالأونروا والهلال الاحمر الفلسطيني، واقامة ندوات التوعية الصحية من نمط مخاطر الادمان والنفايات الطبية... كل هذه الأدوار وضرورة تطويرها تعتمد على الاهتمام بشكل أكبر بهذه اللجان على اساس ان الاهتمام بشؤون الناس هو واجب وطني بالدرجة الأولى.

ولا شك ان عملية رفع الوعي السياسي للاجئين في المخيمات والتجمّعات بمختلف فئاتهم لا تزال من أهم الأولويات في تطوير عمل هذه اللجان، لتشكل انعكاسا حقيقيا للمجتمع وتعبر عن مصالحه بشكل أكبر من خلال التأسيس لعملية انتخاب اللجان الشعبية من اللاجئين. وذلك يتطلب تعزيز الوعي بالحق في ممارسة الديمقراطية من خلال انتخاب ممثليهم في الهيئات والمؤسسات، وفتح ابواب الانخراط الطوعي للشباب والمرأة والقطاعات التخصصية بالتمثيل الانتخابي لهيئاتها، وبالتالي الرقي بمستوى تنظيم المجتمع الفلسطيني من خلال هيئات وممثلين بالانتخاب الديمقراطي والتشجيع على ترسيم التمثيل للهيئات بشكل شرعي، ديمقراطي ازاء المجتمع اللبناني المضيف. بالاضافة الى تعزيز تقنيات الممارسة الانتخابية وخاصة الرقابة على ديمقراطية الانتخابات وشفافيتها. هذه الخطوات تشكل ابرز التحديات للمجتمع الفلسطيني بكل مكوناته السياسية والاجتماعية.

-------------
*سامر مناع: صحفي، ومدير البرامج في مركز التنمية الإنسانية- لبنان.