الفلسطينيون في هولندا: بين مطرقة الاستعمار الإسرائيلي، وسندان السياسات الهولندية

خيمة اعتصام في ذكرى النكبة أمام البرلمان الهولندي - تصوير وكالة وفا، ١٥أيار٢٠١٢ خيمة اعتصام في ذكرى النكبة أمام البرلمان الهولندي - تصوير وكالة وفا، ١٥أيار٢٠١٢

بقلم: بيسان قسيس*
وصلت الموجة الأولى من الفلسطينيين إلى هولندا عقب نكبة الشعب الفلسطيني في العام 1948. وكان جلهم قد نزحوا من مدنهم وقراهم التي هجروا منها قسراً، تحت وطأة هجمات الميليشيات الصهيونية آنذاك. أما الموجة الثانية لهجرة الفلسطينيين إلى هولندا فقد وقعت في بداية عقد الستينيات. حيث تركز استقرارهم في مدنية "روتردام" والقرى المحيطة بها، شأنهم شأن معظم مجتمعات اللاجئين في هولندا. هذا نظرا إلى أن مدينة روتردام تعد من أهم الموانئ الأوروبية، مما يجعلها وجهة مرغوبة لمن يحاول تحسين ظروف عيشه خارج بلده الأم.

وبما أن الدافع وراء الهجرة إلى دول أوروبا الوسطى في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، كان العثور على فرص عمل، فقد أطلق على المهاجرين مسمى"العمال الضيوفبمعنى أن إقامتهم كانت مؤقتة ومرتبطة بفترة العمل الذي يحصلون عليه. وبناءً على هذه الحقيقة، لم تعمل مؤسسات الدولة الهولندية على إدماجهم في المجتمع بجدية. وهذا ساهم في خلق طبقة عمالية جديدة متعددة الاثنيات، وغير منسجمة مع باقي مكونات المجتمع.

لكن الحال يختلف فيما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين هناك، إذ أن معظمهم قد أتقن اللغة الهولندية في مراحل مبكرة من وصولهم إلى الأراضي الهولندية، إضافة إلى تمتعهم بمستوى أوسع من الاندماج مقارنةً بمجتمعات المهاجرين الأخرى في هولندا، وهذا مرده إلى إدراك طبيعة مفهوم "الإقامة المؤقتةالذي من وجهة نظرهم، من الممكن أن يتمدد لعقود، نظراً لاستمرارية تعطيل ممارستهم لحقهم بالعودة إلى بلدهم الأم.

ولقد برزت نقطة تحول جذرية على حياة الفلسطينيين الموجودين في هولندا، تتمثل في حرب حزيران1967، حيث فقدوا الإمكانية لزيارة الأرض الفلسطينية التي لم تكن قد احتلت ما بين النكبة وحرب حزيران. ووفقاً لهذا التحول التاريخي فقد ارتفع عدد اللاجئين الفلسطينيين في هولندا، لا سيما أن إسرائيل منعت من هم من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة من الدخول إليهما، في حال تواجدهم خارج هذه المناطق عشية حرب حزيران واحتلالهما.

إلا أن المعلومات المتوفرة -بما فيها الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء الهولندي-، لم تحدد العدد الحقيقي للفلسطينيين الموجودين في هولندا. وهذا ناتج عن أن تسجيل الفلسطينيين قد تم تحت مسميات الدول التي قدموا منها، إذ أن العديد منهم لم يلجأوا بشكل مباشر إلى هولندا، وإنما قدموا من دول الطوق مثل سوريا والأردن ولبنان التي لجأوا إليها إبان النكبة. ومثل العديد من الدول الأوروبية، فان هولندا لا تعترف بوجود دولة فلسطينية، لذلك فان من هم مسجلون كمواليد فلسطين، قد تم اعتبارهم عديمي الجنسية. وتشير التقديرات في العام 2005 بان عدد المسجلين تحت صفة عديمي الجنسية في هولندا بحوالي (10000لاجئويقدر بان الفلسطينيين يشكلون نصف هذه المجموعة، إلى جانب من هم مسجلون بأسماء الدول التي قدموا منها كما سبق بالذكر.

وقد بدأ الفلسطينيون في هولندا بالاستجابة لحاجاتهم كمجتمع/جالية في مطلع الستينيات. وتبع ذلك تأسيس أول جمعية لهم في العام 1969 تحت اسم الجمعية الفلسطينية في مدنية "فلارندجن". تبع ذلك تأسيس العديد من الشبكات والجمعيات الفلسطينية في هولندا، بهدف متابعة شؤون الجالية الفلسطينية والحفاظ على الهوية والثقافة الفلسطينية، إلى جانب إظهار حقيقة قضيتهم ومدى عدالتها للمجتمع الهولندي.

أسست منظمة التحرير الفلسطينية مركزا فلسطينيا للمعلومات في لاهاي عام 1983. وهذا في ظل الوجود الفاعل للعديد من الجمعيات والاتحادات الفلسطينية، التي كانت تعمل بنوع من التوافق والتنسيق فيما بينها وصولا إلى عقد اتفاقيات اوسلو.

هنا بدأت مرحلة جديدة من العلاقات الفلسطينية-الفلسطينية في هولندا، حيث سبب توقيع هذه الاتفاقيات من قبل م ت ف، شرخاً عميقاً داخل الجالية الفلسطينية بين مؤيد ومعارض لها. إلا أن عمل هذه الجمعيات قد استمر وان كان قد تأثر بهذه الاختلافات التي انعكست على مدى الانسجام في العمل والموقف الفلسطيني في هولندا.

ومن الجدير الإشارة إلى أن الفلسطينيين اليوم يتمتعون بمكانة بارزة في مجال التعليم والحياة المهنية في هولندا. وهذا مرده إلى حرص الأهالي من الجيل الأول للاجئين الفلسطينيين في هولندا على تعليم أبنائهم، وهذا ساهم في أن يتبوأ الفلسطينيون العديد من الوظائف سواء في المؤسسات الحكومية أو غير الحكومية، والقطاع الخاص. كما أن مشاركتهم في الحقل الثقافي والأدبي وحتى الإعلامي، تعد من أكثر تجارب اللاجئين في هولندا لمعاناً، إذ أن حضورهم في الفضاء العام، بات ملحوظاً، نتيجة حضور العديد من الفنانين الفلسطينيين في مختلف القطاعات الأدبية والفنية. فعلى سبيل المثال، نجد أن لقب شاعر هولندا، الذي يعطي للشاعر الذي تحقق أعماله أوسع تأثير على المجتمع، قد تم منحه للشاعر الفلسطيني رمزي ناصر.

تعاني الدولة الهولندية اليوم من فشل سياسيات الاندماج للحكومات المتعاقبة منذ سبعينيات القرن الماضي. إذ يلاحظ تقصير من جهة الدولة وأصحاب المسؤولية في الوقوف أمام مسؤولياتهم، وعوضاً عن ذلك تم إلقاء مسؤوليات فشل الاندماج على عاتق مجتمعات اللاجئين والمهاجرين، الذين تم تصنيفهم كأقليات. كما أن الحكومة قد خصصت تعريفاً مجددا لهم في الدستور، على أنهم يتمتعون بالمواطنة الكاملة كوضع قانوني لكنهم مصنفون كسكان غير أصليين، مقابل تصنيف الهولنديين كسكان أصليين. وقد خلقت هذه التصنيفات فجوة، بل فجوات بين مكونات المجتمع المختلفة من مهاجرين ولاجئين وهولنديين. وعلى الرغم من الوضعية القانونية الكاملة للاجئين المصنفين" كأقليات" على أنهم مواطنون، إلا أنهم يواجهون شكلا من التعاطي العنصري معهم على مختلف الصعد، وبشكل خاص فيما يتعلق بتبوء مناصب رفيعة في أجهزة الدولة و المؤسسات الهولندية بمختلف قطاعاتها، دون النظر إلى الكفاءة والمعايير المهنية، وهذا ما تتحمل المسؤولية الكاملة عنه مؤسسات الدولة الهولندية وتشريعاتها.

وقد ظهر مؤخرا العديد من النقاشات والمحاولات لتخطي هذه الأزمة، كما أن مجتمعات "الأقليات" قد تعاطت مع هذه الظواهر بآليات متباينة، فمنهم من انغلق على ذاته وعلى الجماعة العرقية التي ينتمي إليها، ومنهم من ذاب كلياً في المجتمع الهولندي، إلا أن هذا لا ينفي أن هناك قطاعا واسعا قد نجح في التكيف وتحقيق الانسجام بين هويته وجذوره والمجتمع الذي يعيش فيه.

لكن الأمور تزداد تعقيدا عند النظر إلى دور الإعلام، بشكل خاص بعد التأمل في موجات العداء للعرب والمسلمين في أوروبا في العقد الأخير. فمن الواضح للعيان، أن الفلسطيني في الإعلام الهولندي يتم إظهاره غالباً بصورة "الإرهابيوكذلك المسلمين. وبما أن العديد من الفلسطينيين هم مسلمون، فان هذا يزيد من تعقيد وتركيب الصورة النمطية التي رسمت لهم في الذهنية الهولندية. وهنا يمسي الفلسطيني في مواجهة شبكة مركبة من العنصرية الموجهة ضده نتيجة وقوعه في دائرة التنميط من قبل الآلة الإعلامية التي تزيد من تغذية التوجه العنصري المتطرف في المجتمع الأوروبي بشكل عام والهولندي بشكل أكثر تحديداً.

ومما يزيد من التحديات أمام الفلسطيني في هولندا، ليس فقط تصويره بالإرهابي في الإعلام الهولندي، إنما الدعم السياسي والإعلامي الهولندي لإسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين وعدالة قضيتهم. هذا إلى جانب تزايد نفوذ اليمين والأحزاب الفاشية في هولندا في دوائر صنع القرار. إضافة إلى وصول حزب الحرية اليميني المتطرف بقيادة غيرت وايلدرز، إلى 27 مقعد من أصل 150 في البرلمان الهولندي. وهو – اي زعيم الحزب- يفاخر بتجربته في التطوع في احد "الكيبوتسات" الاستعمارية الإسرائيلية، وبتقديره واحترامه لكل من بنيامين نتنياهو وافيغدور ليبرمان. وهو كذلك صاحب التصريح الشهير ب "ضرورة ترحيل الفلسطينيين للأردن، البلد الذي يملكون الحق فيه وليس فلسطين". وكذلك الحال مع وزير الخارجية الهولندي السيد روزنديل، صاحب الفكر الصهيوني والمتزوج من إسرائيلية، الذي مارس ضغوطات حثيثة على المؤسسات الهولندية التي تدعم موقع "الانتفاضة الالكترونية" لوقف دعمها، وذلك لان الموقع مؤيد لحقوق الفلسطينيين ومناهض للسياسات الإسرائيلية.

إن ما سبق من شأنه أن يعطي صورة عامة عن التحديات التي تواجه الفلسطينيين المقيمين في هولندا اليوم، وفي مواجهة ذلك فإنهم مستمرون ومن خلال مؤسساتهم وجمعياتهم، بإقامة أنشطة وفعاليات وتكثيف العمل الإعلامي في سبيل إيصال الصورة الحقيقية حول الصراع الذي سبب لجوئهم إلى هولندا.

---------------
*بيسان قسيس: منسقة المناصرة في مبادرة الدفاع المشتركة- جمعية الشبان المسيحية.