تقرير المصير والتضامن الدولي: الحقوق، الكرامة، والاحترام المتبادل

بوستر دعوي ضمن فعاليات النكبة في شوارع بيت لحم بوستر دعوي ضمن فعاليات النكبة في شوارع بيت لحم

بقلم: عمر البرغوثي*

إن حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، المعروفة عالمياً بـ BDS، تشكل مثالاً جيداً في بناء تحالفات قوية وفعالة مع أطر المجتمع المدني الدولي، بحيث تُحترم في هذه العلاقات حقوقنا ومبادؤنا.

أهم ما يميّز النشطاء الفلسطينيين الذين يخوضون غمار المقاطعة وينسجون شبكة علاقات قوية حول العالم، هو إصرارهم على تقرير المصير والكرامة. إن تقرير المصير لا يعني فقط حقنا كشعب في أن نقرر مستقبلنا الوطني على أرضنا، بل يعني كذلك حقنا في أن نقرر ما نحتاجه من حلفائنا الدوليين لدعم نضالنا التحرري ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري الإسرائيلي. هم يقررون، بالطبع، ما إذا كان بوسعهم ورغبتهم أن يلبوا نداءنا وكيف يلبونه، ولكن لا يمكن لهم أن يصادروا حقنا في تقرير ما نريد وما نطمح إليه

نجد بعض أطر التضامن، بالذات في الغرب، تحاول بذكاء أن تفرض على نظرائها الفلسطينيين أن يكونوا "برغماتيين"، بأن يركزوا على إنهاء الاحتلال وحسب، دون التطرق للقضايا "المعقدة" والراديكالية التي لا تتيح المجال لبناء تحالفات عريضة عالمياً. المقصود تحديداً هو أن نتناسى حق العودة إلى الديار وحقوق شعبنا في مناطق 48، وأهمها التخلص من نظام الأبارتهايد الصهيوني. إن هذه النزعة ذات الجذور الاستعمارية لا تزال متفشية في الغرب، حتى بين بعض من يدّعون "دعم حقوق الشعب الفلسطينيللأسف، وهي مبنية على نظرة دونية ذات طابع استشراقي لنا، تفترض عدم قدرتنا على التفكير العقلاني السويّ وحاجتنا الماسّة لمثقفين غربيين "ليساعدونا" في فهم ما نريد وكيف نصل إليه. وبعضهم يتضامن معنا طالما ظل نضالنا محصورا بمكافحة احتلال 1967 فقط، وذلك انطلاقاً من حرصهم لا على حقوق شعبنا فعلياً، بل على "إنقاذ إسرائيل" أولاً وآخراً. فالاحتلال، برأي هؤلاء، يفاقم "الخطر الديمغرافي: الذي يهدد إسرائيل بفقدان غالبيتها اليهودية، وذلك يعد كارثة الكوارث، من وجهة نظرهم. هل هؤلاء حلفاء يُعتمد عليهم أو يوثق بهم؟

لا يمكننا أن نلوم أنصاف المتضامنين هؤلاء وحدهم على ذلك، فكما يقول مارتن لوثر كنغ، "لا يستطيع أحد أن يمتطيك إن لم يكن ظهرك محنيًافبعض الفلسطينيين يقبل، مقابل امتيازات أو تمويل، بلعب دور الضحية المسكينة التي تحتاج للشفقة والنصح، بل والمساعدة على التفكير. وأهم ما يجب أن نصر عليه في أي علاقة مع حركات التضامن الغربي وغيرها هو أن حقوقنا الأساسية كشعب لا تتجزأ، كما أن شعبنا لا يقبل التجزئة، رغم التشرذم والحصار والشتات. حسب إحصائيات 2011 الصادرة عن مركز الإحصاء الفلسطيني، فإن الشعب الفلسطيني اليوم يبلغ 11.22 مليون نسمة، نصفهم في الشتات والنصف الآخر في الوطن (فلسطين التاريخية). تبلغ نسبة اللاجئين في الشعب الفلسطيني ككل 69%، وهذا يشمل اللاجئين والمهجرين داخل الوطن، سواء في مناطق 67 أو 48. إن 12% من شعبنا هم مواطنون يحملون الجنسية الإسرائيلية، قسراً، ويرزحون تحت نظام أبارتهايد، بينما يعيش في المناطق المحتلة عام 1967 فقط 38% من الشعب الفلسطيني (44% منهم لاجئون). إذن، من يدعم حقوق الشعب الفلسطيني، حتى بموجب القانون الدولي، لا يمكن إلا أن يدعم الحقوق الأساسية لشعبنا في مناطق 67 و48 وفي الشتات. لذلك، لا يمكن اعتبار حق العودة مطلباً "متطرفاً" أو القبول بتأجيل المطالبة به من أجل توسيع دائرة تحالفاتنا، فهو قلب قضية فلسطين، معنوياً وأخلاقياً، بل وحسابياً كذلك.

أما الكرامة في التعامل مع الآخرين، حتى المتضامنين، فهي ضرورة، لا رفاهية. من لا كرامة له، لا احترام له ولحقوقه، وعوضاً عن التضامن الفعلي لا يمكنه الحصول إلا على الشفقة والصدقات. ولا تعني الكرامة هنا فرض الرأي على الآخرين ولا الإصرار على خطأ، بل تعني احترام الذات والإصرار على الحقوق الكاملة التي يجب أن يتمتع بها كل البشر، ومن ثم احترام الآخرين. أي إن الكرامة تستوجب الاحترام المتبادل وتغذّيه في آن واحد.

ولكن لا يمكن لعلاقة نديّة أن تنشأ أو تدوم دون توفر القدرات والمهارات لدى طرفي المعادلة، إذا افترضنا توفر حسن النوايا. فأي شراكة تلك التي يكون فيها أحد "الشركاء" لا يملك سوى ضعفه؟ لنفترض مشروعاً للمتضامنين الدوليين لدعم نضال قرية ما في فلسطين المحتلة تعاني من اعتداءات المستعمرين الوحشية على الأراضي الزراعية والمنازل. وإذا افترضنا أن التصدي لهذه الاعتداءات يستوجب عملاً إعلاميا وقانونياً وميدانياً (مواجهة على الأرض) وكل ذلك ضمن رؤية وإستراتيجية كفاحية واضحة المعالم والأهداف. ولنفترض جدلاً أن الطرف الفلسطيني لا يملك مهارات في معظم الجوانب المذكورة ويتكئ على المتضامنين لوضع الرؤية وخطة التحرك وأيضاً للقيام بالمهام الرئيسية على الصعيد الإعلامي والقانوني واللوجستي. إن هذه الظروف تخلق تبعية تفقدنا القدرة على بلورة أهدافنا وتحديد مسارنا. إذا أصر الجانب الدولي، والحال كهذه، أن يفرض علاقات تطبيعية بين الفلسطينيين وجهات إسرائيلية أو أن يسقط من الحسبان أي توجه نحو المقاضاة الدولية، مثلاً، فلا حول ولا قوة للجانب الفلسطيني في رفض ذلك وإلا سيفقد كل شيء. قد يقدّم أي مشروع غير متوازن كهذا خدمات عينية ملموسة لمجموعة فلسطينية هنا أو هناك في زمن أغبر، ولكنه في نفس الوقت يعمق التبعية ويعيق الوصول إلى أهداف عملنا الوطني الأبعد.

نعتز في اللجنة الوطنية للمقاطعة التي تقود الحركة الدولية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها بإرسائنا قواعد مبدئية واضحة من البداية، بكرامة وباحترام متبادل مع حلفائنا حول العالم، تحفظ حقوقنا الأساسية، كما تحفظ لنا حق تقرير إستراتيجية النضال وأهدافه وحق صياغة وتطوير معايير المقاطعة المختلفة. نعم نحتاج كل تضامن دولي ممكن لمواجهة جبروت الاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي، ولكن ليس بأي شرط. فالهدف هو، في النهاية، ممارستنا لحقنا غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وما يشمله ذلك، بالحد الأدنى، من إنهاء الاحتلال والأبارتهايد وتحقيق حق العودة إلى الديار التي هُجّر منها معظم شعبنا خلال نكبة 1948 وبعدها.

ولنحافظ على استقلاليتنا واتساق قراراتنا مع أهداف شعبنا الوطنية، نطور قدراتنا في كافة مجالات العمل، ونخترق ساحات العمل الدولية ونكسب المؤيدين بين النقابات العمالية الضخمة والفنانين والكنائس والمجموعات اليهودية المعادية للصهيونية وطلبة الجامعات وقطاع الشباب بشكل عام. وكل هذا دون التضحية بأي من حقوقنا ولا تلوين خطابنا.

في زمن الجهل والردة من جهة، وزمن الثورات الشعبية العربية والعالمية من جهة أخرى، نشق طريقنا نحو تحقيق أهدافنا بقدراتنا وتحالفاتنا وبكرامتنا وإصرارنا على تقرير مصيرنا. لم ينفع أي عبد الاستجداء والانصياع لأوامر السيد في تحقيق العدالة ونيل حريته. فقط بنضاله المثابر والذكي، ورؤيته التي تستوعب العلاقات الدولية وكيفية صنع النصر بالعمل الدؤوب مع الجماهير في كل مكان يستطيع أن يقلب موازين القوى.

-----------------------------------

*عمر البرغوثي: ناشط حقوق إنسان وعضو مؤسس في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها BDS .