منظمة التحرير واللاجئون: الإصلاح الديمقراطي لصون حق العودة

فعاليات إحياء ذكرى النكبة في رام الله - تصوير: مركز بديل، ١٥ أيار ٢٠١١ فعاليات إحياء ذكرى النكبة في رام الله - تصوير: مركز بديل، ١٥ أيار ٢٠١١

 بقلم: معتصم حمادة*

 صعدت منظمة التحرير الفلسطينية إلى موقعها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، عبر تبنيها برنامجها الوطني المرحلي في دوائره الثلاث ( الشتات ـ المناطق المحتلة عام 67 ـ الفلسطينيون داخل الأرض المحتلة عام 48)، والربط بين هذا البرنامج وبين الحل الناجز للمسألة الفلسطينية بدولة ديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني. وبالتالي، قامت المنظمة بتوحيد الشعب الفلسطيني بمجمل فئاته وتجمعاته، ونظرت إلى الأرض باعتبارها وحدة جغرافية واحدة، على الرغم من كونها قد تبنت في الوقت عينه، ولأسباب معروفة، ما اصطلح عليه النضال المرحلي في التحرير.

الاهتزاز في الموقع التمثيلي للمنظمة بدأ مع مغامرة أوسلو التي غيبت قضايا مركزية مثل القدس واللاجئين، وحولت البرنامج المرحلي إلى حل نهائي من منظور القيادة السياسية للمنظمة، فأسقطت من حساباتها الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 48، كما أسقطت وحدة الأرض الفلسطينية كتحصيل حاصل.

وقد تعمقت التشققات في موقع المنظمة، عبر ما تكشف لاحقاً من بروتوكولات وتفاهمات واتفاقات مبدئية وسيناريوهات لحلول نزلت عن الحد الأدنى، وأعادت صياغة المفردات والمفاهيم بما يخدم السياسات الجديدة للمنظمة. وفي هذا الإطار، يلاحظ سقوط تعبير "حق اللاجئين في العودة إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها منذ العام 1948" ( وهو التعبير الذي تبنته وثيقة الوفاق الوطني 2006)، من الخطاب الرسمي الفلسطيني. وكان هذا لصالح مواقف جديدة تصب كلها في خدمة الحلول البديلة لحق العودة، كالحديث مثلاً عن "الحل العادل والمتفق عليه لقضية اللاجئينأو "العودة إلى الوطن بجناحيه الضفة والقطاعأو "التمسك بالقرار 194 الذي كفل للاجئين حقهم في التعويضأو الحديث عن "توفير مكان سكن دائم للاجئين دون أن يتعارض ذلك مع سيادة الدول"؛ وهو ما وضع حق العودة في تعارض مع "سيادة إسرائيل على أرضها".

لا يمكن اخذ التحولات في برنامج م.ت.ف ومواقفها بمعزل عن تزايد ثقل البيروقراطية الفلسطينية في رسم القرار السياسي الفلسطيني، وتكلس أوضاع المؤسسة، وغياب الديمقراطية وآليات المساءلة فيها، هذا بالإضافة إلى انسداد أقنية الرقابة الشعبية على مركز القرار السياسي، وضعف دور المعارضة الفلسطينية في قطع الطريق على الاتجاهات التنازلية والثبات عند نقاط ومواقف الإجماع الوطني. كذلك لا يمكن عزل هذه التحولات عن حالة التشتت التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وحالة الجمود في مؤسساته الجامعة، كالاتحادات الشعبية؛ التي من شأنها توحيد الفئات الاجتماعية الفلسطينية على مختلف اتجاهاتها السياسية، بما يعكس مصالح الشارع ويساهم في تقويم القرار السياسي وتصويبه.

هذا يطرح على جدول أعمال الحركة الوطنية الفلسطينية، ومنها حركة اللاجئين، قضية إصلاح المؤسسة وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية. وهو الأمر الذي تنبهت له بشكل بارز وثيقة الوفاق الوطني (2006)، حين دعت إلى إعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني عبر انتخابات ديمقراطية شفافة ونزيهة، في الداخل والخارج، مع الأخذ بعين الاعتبار التأكيد على ضرورة اعتماد نظام التمثيل النسبي. وكذلك الحال فيما يتعلق بانتخاب لجنته التنفيذية، ولجانه البرلمانية المعنية بفرض الرقابة على أعمال الدوائر التابعة للجنة التنفيذية.

إن إعادة بناء العلاقة بين المؤسسة والشارع على أسس ديمقراطية- أي عبر الانتخاب-، تشكل مصلحة وطنية كبرى لقضية اللاجئين وحقوقهم، وفي مقدمتها حقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948. فشتان ما بين مجلس وطني فلسطيني مبني من فوق، على أساس كوتا تتحاصص فيها الفصائل، بما في ذلك الاتفاق المسبق على ممثلي الاتحادات الشعبية (التي لم تعرف هي الأخرى معنى الانتخابات الديمقراطية حتى الآن، وما زالت تقوم على أسس بيروقراطية ما جعلها تابعاً للمؤسسة ومركز القرار أفقدها وظيفتها وقدرتها على الرقابة والمساءلة والمساهمة في رسم القرار السياسي)، وما بين مجلس وطني يقوم على الانتخاب الحر والنزيه والشفاف، تكون فيه الكلمة للناخب الفلسطيني، لاجئاً كان أم غير لاجئ. فالمجلس المبني على الكوتا، يتخذ قراراته بالتوافق، مع ملاحظة ثقل دور البيروقراطية الفلسطينية في رسم هذا القرار، وما من ضامن أن يعكس التوافق على الدوام مزاج الشارع الفلسطيني ومصالحه المباشرة. ومن الجدير ذكره أن المرات التي قام فيها التوافق على قاعدة المصالح الفئوية ليست قليلة، وكان ذلك دون اعتبار لمصالح الشرائح الأوسع من الفلسطينيين.

أما المجلس المبني على الانتخاب، فانه بالضرورة خاضع لرقابة الناخب الذي سيبقى على الدوام حاضراً في حسابات أعضاء المجلس، بيد أن الناخب هو الذي يصنع مجلسه الوطني، وهو الذي يعيد بناءه ويسمي أعضاءه ويكافئهم على حسن أدائهم أو يعفيهم من التفويض في حال عدم الرضا عنه. كما يمكن القول، في هذا الموضع، أن معركة إصلاح أوضاع المنظمة عبر إصلاح أوضاع المجلس ستشكل الرد العملي على تفلت البيروقراطية الفلسطينية من ارتباطها بالبرنامج الوطني لصالح مغامرة أوسلو وتداعياتها.

ويبقى السؤال لماذا المجلس الوطني؟

يتوجب الإقرار؛ أن القيادة الفلسطينية المنخرطة في العملية التفاوضية، وبرغم استعدادها لتقديم دفعة كبيرة من التنازلات للوصول إلى تسوية (غير متوازنة)، إلا أنها مازالت تجد في طريقها صعوبات من شكلين:

* أولهما يتمثل في التعنت الإسرائيلي ورفض المفاوض في "تل أبيب" الإقرار بحل "الدولتين لشعبين"، وتمسكه بحل، هو في جوهره تحسين لشروط الحكم الذاتي القائم حالياً تحت مسمى السلطة الفلسطينية، دون الوصول إلى ملامح الدولة الفلسطينية المستقلة. أساس هذا التعنت يظهر في طبيعة المشروع الصهيوني وتعارضه مع المشروع الوطني الفلسطيني، بالإضافة إلى عدم تعرض المفاوض الإسرائيلي لضغوط ترغمه على الالتزام بمتطلبات التسوية المتوازنة كما ينص عليها البرنامج الوطني الفلسطيني - أي العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة ذات السيادة.

* أما الشكل الأخر من هذه الصعوبات؛ فهو ما يتعرض له المفاوض الفلسطيني من ضغوط شعبية، إن كان على مستوى قاعدة حركة فتح، والتي ينتمي إليها الفريق الفلسطيني المفاوض، أو على مستوى باقي القوى وفعاليات المجتمع الفلسطيني ومنه المجتمع المدني. لذلك حاول المفاوض الفلسطيني الهروب إلى الأمام، حين أعلن أن أي اتفاق سيتم التوصل إليه مع الجانب الإسرائيلي سيعرض على الاستفتاء الشعبي، وفي حال تعذر ذلك سيعرض على المجلس الوطني الفلسطيني.

التقديرات في معظمها، تستبعد إمكانية تنظيم استفتاء شعبي يشرك الفلسطينيين في مناطق تجمعهم كافة -أي على مستوى الكرة الأرضية-، مما يجعل من المجلس الوطني صاحب القرار الأخير في البت بالخيارات السياسية. وبناءً عليه، تنبع الضرورة الوطنية لإصلاح أوضاع المؤسسة، في مقدمها المجلس الوطني الفلسطيني، وباقي المؤسسات الأخرى كالاتحادات الشعبية وسواها. فإصلاح أوضاع المجلس، إنما يعني إشراك الشارع عبر التفويض بالبت باتفاقات التسوية مع الجانب الإسرائيلي، وهو ما يشكل ضمانة وطنية لعدم التنازل عن حق العودة.

وفي الختام نقول إن إفلات قيادة المنظمة وخروجها في مواقفها على حدود البرنامج الوطني، بما في ذلك حق العودة، لا يعني إسقاط الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير، بل النضال لأجل إصلاح أوضاعها وتحريرها من قبضة البيروقراطية وإقامتها على أسس ديمقراطية، بحيث تشكل هذه الأسس الضمان بان يكون للشارع الفلسطيني (أي للاجئ) رأيه وكلمته في تقرير مصيره.

إن معركة إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية ليست مسألة فصائلية- في حال جواز التعبير-، بل هي واحدة من المهام الرئيسية المطروحة على جدول أعمال حركة اللاجئين في سباق نضالهم لصون حقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948.

----------------
*معتصم حمادة: صحفي فلسطيني مقيم في سورية، والمستشار السياسي للمجموعة 194.