كيف يمكن إعادة بناء ودمقرطة م.ت.ف في ظل الوضع الحالي؟

أثناء إحدى جولات المصالحة في القاهرة، ٢٠١١ - المصدر: الأيام، أثناء إحدى جولات المصالحة في القاهرة، ٢٠١١ - المصدر: الأيام،

بقلم: صلاح صلاح*
انها ليست المرة الاولى التي تتعرض فيها منظمة التحرير الفلسطينية للخلافات السياسية والصراعات الداخلية. لكن إتفاق أوسلو وما تلاه واستمرار تداعياته حتى الان، ولمدى زمني غير منظور يعد الاخطر من بين جملة التحديات التي واجهتها م ت ف على امتداد عمرها.

بعد إقرار البرنامج المرحلي في المجلس الوطني الفلسطيني، والذي قوبل بمعارضة شديدة بين أوساط واسعة من الشعب الفلسطيني، لما يحمله من مؤشرات التساوق مع مشاريع التسوية غير العادلة، وقع أول إنقسام فلسطيني، عندما قامت أربعة فصائل فلسطينية بتشكيل "جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية –جبهة الرفض". وإستمر ذلك حتى قام السادات بزيارته المستنكرة فلسطينياً وعربياً الى القدس، التي تلاها توقيع الانحراف الاستراتيجي الهائل عام 1978 ممثلاً ب "إتفاق كامب ديفيدالذي قوبل بردة فعل بعض الدول العربية مثل (الجزائر، اليمن، سوريا، العراق، ليبيا) ومعها م.ت.ف وفصائل جبهة الرفض لتعلن قيام "الجبهة القومية للصمود والتصدي". 

في ظل هذه المستجدات؛ جرى حوار بين جميع الفصائل الفلسطينية، وكان قد نتج عنه ما عرف باسم: "وثيقة طرابلسالتي اعلنت: رفض نهج التسوية وإرتباطه بمؤتمر السلام للشرق الاوسط في جنيف، وتؤكد على أن لا تفاوض مع الاحتلال الصهيوني، وتربط اي هدف مرحلي للثوره الفلسطينية بالشروط والضوابط التي تجعله خطوة على طريق الهدف الاستراتيجي (تحرير كل فلسطين) وليس بديلاً عنه.

أما الانقسام الحاد الثاني حصل بعد خروج المنظمة ومؤسساتها وقياداتها من لبنان عام 82، حين أخذت قيادة حركة فتح نهج التقرب من الغرب وحلفائه، وهو ما فهم على أنه ميل نحو اللحاق بركب التسوية الساداتية. تُرجم ذلك بالمطالبة بعودة مصر الى عضوية الجامعة العربية، والتنسيق مع النظام الاردني، والوصول نتيجة هذه الجولات المكوكية، الى ما سمي "اتفاق عمانوتصريح الملك حسين بعد لقائه الرئيس الاميركي ريجان الذي اوضح فيه عن "استعداد عرفات الاعتراف بقراري مجلس الامن 242 و 338"، إضافة الى الانشقاق داخل فتح. كل هذا أدى الى تشكيل "جبهة الانقاذ الوطني الفلسطيني" عام 84. وكان تشكيل هذه الجبهة ناجما عن الاتفاق بين ستة من فصائل العمل الوطني الفلسطيني، على ضرورة، ليس فقط رفض هذا النهج، وإنما التصدي له ووقفه بالتحريض عليه جماهيرياً والعمل على إسقاطه. وقد تم ذلك – أي إسقاطه- في دوره المجلس الوطني ال 18 المنعقده في الجزائر.

وبعد جلسة المجلس الوطني المشار اليها في الجزائر، عقد الدكتور جورج حبش مؤتمراً صحفياً، أعلن فيه "أن الاسباب التي دعت الى تشكيل جبهة الانقاد قد إنتهت "بإلغاء إتفاق عمان، ورفض قراري مجلس الامن 242 و 338".

أما الانقسام الثالث والاخطر فهو القائم الان، الذي نحن بصدده، ويستوجب آلية لمعالجته تختلف عن الحالتين السابقتين. والسؤال لماذا؟ فيما سبق: كان الخلاف والانقسام يحافظ على قوانين الحوار الديمقراطي، لم يصل الى حد الاقتتال والاعتقال المتبادل، ولم يمنع، حق كل طرف أن يطرح وجهة نظره المخالفة، بل النقيضة لوجهة نظر الطرف الاخر،

لم يكن الخلاف على منظمة التحرير الفلسطينية، بل كان لتأكيد الحرص عليها وحمايتها من الانحراف، وللحفاظ على بقائها إطاراً وحدوياً جامعاً، تمثل مختلف قطاعات وفئات الشعب الفلسطيني (داخل الوطن المحتل وخارجه، في أي مكان من بقاع العالم). حتى تكون كذلك يجب الحفاظ على القياده الجماعية والالتزام بقراراتها، وتحديد صلاحيات هيئاتها والتقيد بها، ولجم نزعة التفرد في صنع القرارات، خصوصا ذات البعد الاستراتيجي والعام.

كانت المواقف السياسيةهي الاساس في تفجير الخلافات، ورغم تمحور كل طرف حول وجهة نظره بشأنها، كان يجري الاحتكام فيها الى البرنامج السياسي للمنظمة، وهو "الميثاق الوطني الفلسطيني" وقرارات "الاجماع" الصادرة عن دورات المجلس الوطني المتعاقبة. فكانت مواجهة المحاولات المتكرره للأنحراف عن الخط السياسي للمنظمة والخروج عن برنامجها، تحتكم بالعودة الى الالتزام بميثاق م.ت.ف وإحترام قرارات الاجماع الوطني، وليس بالرؤوية الخاصة لكل طرف.

أستحضر تلك التجارب أعلاه، كي أصل الى:
أن نزعة الهيمنة والتفرد والتسلط، وغياب الديمقراطية وضعف المعارضة وتبعية بعضها، كل هذا يحشر المسار الفلسطيني ضمن خيار واحد هو: "لا بديل للمفاوضات الا المفاوضات". وهذا لا يشمل إجماعاً وطنياً، بل هو عامل أساسي في تكريس الانقسام.

فقدت الحركة الوطنية الفلسطينية إطارها الجامع "منظمة التحرير الفلسطينية"، التي تحولت من مرجعية لكل الشعب الفلسطيني تُحسم الخلافات والتباينات في وجهات النظر من داخلها، الى غطاء لمفاوضات يعترف الجميع بعبثيتها، وثوب بمقاس يناسب المفاوضين وحدهم، ولا يتسع لغير نهج التفاوض. ولهذه الغاية، تم تحجيم م. ت. ف لتلائم مقاس المفاوضين؛ ببرنامجها ومؤسساتها وممثلياتها، وليس من دور للفصائل الأخرى -المنضوية اسما في كنفها- إلا أن تلعب دور شهود زور أو تقف بمنأى عنه، مثل الحال مع فصائل التحالف- دمشق، أو منافسة لها مثل حركتي حماس والجهاد الاسلامي.

تبرأت م.ت.ف من برنامجها السياسي المستند الى "الميثاق الوطني الفلسطيني"؛ وبذلك فُقدت المرجعية السياسية التي تحتكم لها القوى والفصائل الفلسطينية لحسم أي خلاف بينها في الرؤيا والتحليل والموقف. وغيبت الفصائل الفلسطينية جميعها – لسبب أو لآخر – برامجها وأصبحت أسيرة المناخ السياسي السائد بعد اتفاقات أوسلو. ترافقا مع ذلك، لم تعد الفصائل تبشر بما تتضمنه برامجها والدعوة إلى تحقيقها وممارستها: بتحرير كامل التراب الوطني من البحر الى النهر، والتصدي للاحتلال بكافة أشكال المقاومة، بما في ذلك الكفاح المسلح. وبالتأكيد خلقت هذه الحالة، بذريعة الواقعية وموازين القوى ومراعاة الرأي العام الدولي. في حين أن الاحتلال الإسرائيلي لا يعطي وزناً لأي ذرائع، ويتمادى ويصعّد في أعماله العدوانية، التي لم تعد خافية ليس فقط على الطفل الفلسطيني، بل ولا على أوساط واسعة من الرأي العام الدولي كذلك. ولا يتردد قادة الكيان الصهيوني في الاعلان جهاراً نهاراً بأنهم أصحاب هذه الا رض، وليسوا غرباء عنها منذ آلاف السنين. في حين أننا أصحاب الأرض الحقيقيين الذين نعيش فوقها وفي بطنها منذ آلاف السنين، نتهيب من إعلان حقنا فيها وملكيتنا الشرعية لها حتى لا نتهم "بالعدمية" و "التحجر" والأفكار "الخشبية". وهذا يدفعني لاستذكار المقولة التي تقول: "عندما تفقد "الحقيقة" أصحابها لن تجد من يدافع عنها".

البديل المطروح للمنظمة وبرنامجها هو ما أفرزته اتفاقات أوسلو أي "سلطة حكم ذاتي" تحت الاحتلال والحصار في غزه والضفة، أقرب لأن تكون شركة توظيف وتقديم خدمات، تعتمد في مصادرها المالية على ما يقدمه لها المانحون الأوروبيون بشكل خاص. أخذت مكان م.ت.ف بالتفاوض والتمثيل السياسي، وأسقطتها كمرجعية سياسية وتنظيمية وقيادية للشعب الفلسطيني. حتى هذه السلطة إنقسمت الى سلطتين: واحدة برأس فتح في الضفة، والأخرى برأس حماس في غزه، شكلتا عنوانين للصراع الفلسطيني. حيث لم تنجح كل المحاولات والاتفاقات للمصالحة بينهما، ولن تنجح، ليس تشاؤماً، انما لأنها لا تهدف الى الوصول لصيغة تحل مشكلة الوحدة الوطنية الفلسطينية بقدر ما تسعى "للصلحة" بين طرفين يتنازعان على مراكز النفوذ ومواقع القرار وتقاسم الغنائم.

واستناداً لما، ذكرناه، فان الحل في ظل الوضع الحالي، في رأيي، يجب أن يتبع الخطوات التالية:
الاولى: أن تلتقى جميع الفصائل الفلسطينية داخل م.ت.ف وخارجها حول طاولة واحدة، وتتخذ خطوة جريئة وشجاعة بفتح حوار موضوعي، هادىء، شامل، مسؤول حول كل مسيرة الرهان على حل سياسي من خلال المفاوضات، عنوانه "إتفاق أوسلو".

الثانية: على ضوء النتائج التي يصل لها التقييم من خلال الحوار الوطني الشامل، يتشارك الجميع في وضع رؤيا جديدة، ومهمات مرحلة جديدة تأخذ بعين الاعتبار معطيات الواقع العربي والدولي والقدرات والإمكانيات الذاتية، مع اخذ جوهر ثوابت البرنامج الوطني الذي انطلقت على أساسه الثورة الفلسطينية وتأسست م.ت.ف بعين الاعتبار والأهمية.

الثالثة: على أرضية هذه الرؤيا الجديدة، المتبلورة في برنامج يمثل الإجماع الوطني، يجري البحث بإعادة تشكيل وبناء منظمة التحرير الفلسطينية من خلال إنتخابات ديمقراطية، على قاعدة التمثيل النسبي، والتخلي كلياً عن اعتماد "الكوتا".

الرابعة: الى أن تتم الخطوات السابقة، من المفيد والضروري "إنعاش" مؤسسات م.ت.ف، وجعل الحياة تدب فيها بالدعوة لاجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني في ظروف تتيح المشاركة لجميع أعضائه، بتنشيط وتفعيل الدوائر في اللجنة التنفيذية واللجان في المجلس الوطني، خاصة، تلك المعنية بمواضيع حساسة ولها أهمية خاصة مثل: القدس، واللاجئين، والأسرى.
-----------------------
*صلاح صلاح: عضو المجلس الوطني الفلسطيني، رئيس لجنة اللاجئين.