اثر الانقسام الفلسطيني على وحدانية التمثيل عالمياً

تظاهرة منددة بالإنقسام ومطالبة بالإصلاح والمصالحة، غزة. تصوير: اسماعيل محمد، ١١ آذار ٢٠١١ تظاهرة منددة بالإنقسام ومطالبة بالإصلاح والمصالحة، غزة. تصوير: اسماعيل محمد، ١١ آذار ٢٠١١

بقلم: د. كرمة نابلسي*
جاءت ظاهرة تقسيم الشعب الفلسطيني متناغمةً مع سرقة وتقسيم أرضه، وهناك اليوم إجماع على أن التغلب عليها أولوية أساسية لدفع نضالنا إلى الأمام. إن الوحدة الوطنية هي الهدف الجامع، الذي لا يمكن في غيابه تحقيق تحرير الأرض أو العودة إليها. كيف يمكن إذن التغلب على نظام السيطرة والتبعية والقمع الاستعماري، المترافق مع الانقسامات الداخلية والتفتيت الجغرافي الذي أبقى الفلسطينيين حتى الآن منقسمين وغير قادرين على توحيد الصفوف؟

الوضع الفلسطيني يبدو أعقد ألف مرة من أوضاع الدول العربية الشقيقة، ومن حالات الاحتلال والأبارتهايد والاستعمار الأخرى. بيد أن المخرج الوحيد من هذه الأزمة يكمن في مطلب واحد يوحد كل الفلسطينيين: السعي للوحدة الوطنية. قد تبقى الأحزاب الأساسية غير متصالحة، إلا أن هذا لا ينطبق على الشعب. إن انقسام الشعب ليس سياسي المضمون بل جغرافي، فالغالبية تسكن في مواطن اللجوء والشتات والبقية الموجودة في فلسطين مفصولة قسراً ضمن ثلاثة مواقعٍ مختلفة. و بالتالي، فإن المطلب الملح هو الدعوة إلى التمثيل الديموقراطي: كل صوت فلسطيني يحسب، وكل الأصوات متساوية. إن إنهاء أزمة الانقسام القائمة، يتطلب إذن عقد انتخابات مباشرة للمجلس الوطني الفلسطيني. فالمجلس هو البرلمان التشريعي الأعلى وهو الجسد المؤسساتي الذي يعطي الشرعية والتفويض لمنظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها دولياً باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

لقد وقعت م.ت.ف. على اتفاقات أوسلو، التي خلقت السلطة الفلسطينية - والتي كان من المفترض أن يكون وجودها مؤقتاً- في العام 1994 والمجلس التشريعي الفلسطيني في سنة 1996. كان من المفترض أن تقوم السلطة بتأسيس بنيان الدولة الفلسطينية المستقلة خلال خمس سنوات، والآن بعد مرور 16 عاماً لم تستطع الحصول على أي من الحريات الأساسية التي ما زال الشعب الفلسطيني بأمس الحاجة إليها. وعلى العكس من ذلك، ظهر فصل مؤسساتي بين الضفة الغربية وغزة وبين الفلسطينيين في داخل الوطن المحتل ككل والأغلبية اللاجئة في الشتات التي حرمت من الإدلاء بصوتها على أثر تأسيس السلطة.

في يوم من الأيام، كان المجلس الوطني الفلسطيني القلب النابض للحركة الوطنية الفلسطينية، مُمَثِلاً لشرعية حركة تحرر وطني شاملة على أساس عضويته من الفصائل المقاومة والاتحادات والمستقلين. إلا أن حال المجلس تغير اليوم، فالانتخابات غائبة، و المقاعد موزعة على أساس الكوتا الفصائلية، ولقد توفي عدد كبير من الأعضاء لكبر سنهم، ولا توجد حتى الآن لائحة عضوية نهائية مجمعٌ عليها، والأعضاء المُنَتخَبون الوحيدون هم ممثلو الضفة الغربية وغزة الذين يحصلون على مقاعدهم في المجلس الوطني بحكم عضويتهم في المجلس التشريعي. لا أحد يعرف كيف يعمل المجلس الوطني اليوم، بل و يدرك الجميع بأنه لا يمكن أن يعمل في ظل هذا الحال.

هذا البيت المتآكل المُفَرّغ من محتواه كان يحوي يوماً النضال الفلسطيني من أجل الحرية، مليئاً بالديناميكية والنقاش والحوار. ولا سبيل إلى تجديده واستعادته كمؤسسة تمثيلية التي يطالب بها الشعب، إلا عبر القوة التعبوية الكامنة في الانتخابات المباشرة التي يقوم من خلالها كل الفلسطينيين بالتأكيد على حقهم في المشاركة بعملية رسم الإستراتيجيات والبرامج الوطنية.

إن الدعوة إلى انتخابات مباشرة للمجلس الوطني الفلسطيني هي المطلب الوحيد الذي يجتمع حوله كل الفلسطينيين، لأنه يرقى فوق الفصيل والايديولوجيا والتوجه السياسي. انه المطلب الثوري الوحيد الذي نستطيع باجتماعنا حوله تحطيم أسوار السجن السياسي الذي نعيش فيه اليوم، لأنه مبني على المبدأ السيادي الذي ينص على أن كل الفلسطينيين في الوطن أو المنفى لهم نفس الحقوق الإنسانية، وهم متساوون في حقهم بتقرير سياسات وأسس ومؤسسات واستراتيجيات الشعب الفلسطيني. إن التجمع حول هذا المبدأ يمكننا من إخراج عملية اتخاذ القرارات من أيدي القلــة وإعادتها إلى أيدي الشعب بكل أطيافه، إسلاميين أو علمانيين، الذين يؤمنون بحل الدولة أو الدولتين، محافظين أو راديكاليين. إننا بحاجة لكل القطاعات في هذه اللحظة، والشعب وحده هو القادر على القيادة.

ولا شك بأن أي سياسة أخرى ستبوء بالفشل: لا يمكن تحقيق التمثيل الديمقراطي والوحدة من خلال انتخابات رئاسية جديدة للسلطة الفلسطينية، ولا يمكن الوصول إليهما عن طريق انتخابات للمجلس التشريعي تعقد في غزة والضفة فقط وتستثني صوت الأغلبية الموجودة في المنافي والشتات. لن يأتي التمثيل من خلال استقالة القيادة أو نقل صلاحياتها إلى جبهة إنقاذ وطني أو حكومة انتقالية. حتى المصالحة المنشودة بين فتح وحماس ووصولهما إلى اتفاق حول إعادة تفعيل منظمة التحرير على أساس تقاسم مقاعد المجلس الوطني بين الحركتين لن يؤدي إلى التمثيل الديمقراطي، لأننا بحاجة إلى وحدة الشعب ولأن الأحزاب يجب أن تخضع لقانون الشعب وبرلمانه وعليها أن تخدمه بدل أن تحكمه و تتعالى عليه.

إن الوضع الحالي يبقي السلطة بعيدة عن أيدي الشعب الفلسطيني ويكرس نهج تهميش الملايين من الفلسطينيين الذين لم يمارسوا قط حق التصويت، وعاشوا حياة مليئة بالنضال في سجــون الأنظمة العربية ومخيمات اللاجئين. أصوات هؤلاء لها أهمية وكرامة مساوية لكل صوت فلسطيني آخر والتحدي الماثل أمام شعبنا اليوم هو التمسك بالمطلب الأساسي في وجه كل الضغوطات التي ستمارس من قبل الذين بودهم الإبقاء على النظام القديم، أو الذين يريدون أن يصبحوا قادة نظام جديد. الإجماع الوطني هو أن تكون كل أصواتنا متساوية؛ أن لا يملك أي فلسطيني حقوقاً سياسية أكثر من غيره من أبناء شعبه.

----------------
*كرمة نابلسي: ناشطة فلسطينية مقيمة في المملكة المتحدة، بروفيسور في جامعة اوكسفورد.