مقالات ودراسات

مقالات ودراسات


نظــرة الــى الخلــف، نظرتــان الى الأمــام

تمثل الذكرى الستينية للنكبة مناسبة للنظر للوراء والتفكير في الماضي لاستلهام دروسه، وفي نفس الوقت النظر للأمام والتخطيط للمستقبل، ولذلك لذكرى النكبة هذا العام أهمية إضافية لسببين على الأقل؛ السبب الأول، مع مرور كل سنة يتقلص بالتدريج عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين شهدوا النكبة جراء حرب عام 1948 ونجوا منها، وإذا نظرنا للوراء؛ فمن المحتمل أن نجد عددا قليلا من هؤلاء كان يستطيع أن يتصور، في تلك الأيام، أن اللجوء المؤقت لأسابيع وشهور سيمتد لسنوات وعقود طويلة، ومن ثم يتحول الى منفى طويل الأمد. ولم يكن يستطيع أن يتنبأ بأن التطهير العرقي لفلسطين سوف يستمر طويلا بعد سكوت مدافع الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى. إن قصصهم تستحق الاستماع إليها، وتسجيلها وإحيائها وإعادة سردها، فهذه القصص والحكايات هي عناصر محورية في الجهود الجارية لمواجهة الإنكار المستمر للنكبة.


والسبب الثاني؛ هو وصول الجهود الرامية لإيجاد حل للصراع الذي طال أمده إلى منعطف حاسم؛ حيث يواجه الفلسطينيون ضغوطا سياسية واقتصادية غير مسبوقة لدفعهم لقبول الوضع القائم والتسليم بالتهجير والتجريد من الأملاك والبقاء في المنافي، وحتى ان مسئولون إسرائيليون بدءوا بالمطالبة بأن يتوقف الفلسطينيون عن استخدام مصطلح النكبة كشرط مسبق لتسوية نهائية. وقد لا تكون هناك خيارات أكثر وضوحا من: إما "حل" مبنى على أساس استعباد عرقي – قومي، وتمييز وتفتيت الشعب الفلسطيني؛ أو حل مبني على أساس المبادئ العالمية للديمقراطية؛ المساواة وحقوق الإنسان الأساسية.

والذكرى الستينية للنكبة هي أيضا مناسبة لمركز بديل لتقييم الماضي والتفكير في المستقبل؛ فقد شرع مركز بديل في عمله قبل عشر سنوات؛ بناء على أجندة تم وضعها من قبل المؤتمرات الشعبية للاجئين وورشات عمل محلية، شارك فيها نشطاء من مؤسسات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، وتركز العمل في البداية على توضيح حقوق اللاجئين وتسهيل الاتصالات والروابط بين مجتمعات اللاجئين في المنطقة وخارجها، وأعقب ذلك العمل على كيفية  وضع هذه الحقوق موضع التطبيق. وقد عززت الانتفاضة الثانية ضرورة العمل من أجل حماية الحقوق اليومية الأساسية (كمثال: المأوى، حرية الحركة) جنبا إلى جنب مع حق العودة، استعادة الممتلكات، والتعويض.

واحد من الدروس الأساسية في عمل مركز بديل خلال العقد الأخير؛ هو اتضاح إمكانية التغيير الاجتماعي الذي تولد عن الشراكة بين منظمات مثل مركز بديل، وبين مجتمع اللاجئين المنظم الذي يحشد قواه من اجل الدفاع عن حقوقه. وقد كان لمركز بديل دورا هاما في رفع وتعزيز صوت اللاجئين ومطالبهم بحل عادل على أساس القرارات 194، 237، 3236، 242 وعلى أساس المنظومة الواسعة للقانون الدولي، فمن خلال وجود هذه القاعدة الشعبية، اكتسب مركز بديل طابعه الفريد، بوصفه منظمة غير حكومية متداخلة في المجتمع المحلي، وكذلك قيمتها الإضافية بوصفها مدافعا عن حقوق اللاجئين والنازحين الفلسطينيين.

يمثل التنظيم والتحرك الذاتي للاجئين واحتشادهم وراء حقوقهم المشروعة أمرا حاسما لعدة أسباب؛ فمن جهة: يعتمد تنفيذ القانون الدولي إلى حد كبير على النوايا الحسنة للدول، أو على توفر الإرادة السياسية للمجتمع الدولي الأوسع عند غياب النية الحسنة للدول. ومن الواضح أن كلا الإرادتين مفقودتين عندما يتعلق الأمر بحقوق اللاجئين الفلسطينيين. ومن الجهة الأخرى: في حين تعتبر منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، فإن انهيار هياكلها الديمقراطية وقاعدتها الجماهيرية خلال العقود الماضية، قد أضعف بشدة قدرتها على تمثيل اللاجئين الفلسطينيين بشكل فعال، وأضعف قدرتها في الدفاع عن حقوقهم، ولذلك، فإن مشاركة اللاجئين في العملية السياسية لمعالجة محنتهم ليست فقط مجرد حق، ولكنها أيضا، تلعب دورا حاسما في مواجهة وتحدي الحكومات التي ترفض تنفيذ حقوق اللاجئين، وفي تلافي أوجه القصور في النظام الدولي لإنفاذ حقوق اللاجئين، وكذلك في تقوية دور القيادة الخاصة باللاجئين في أي حل تفاوضي يحترم حقوقهم. أيضا، فإن مواجهة هذه الصعوبات والتحديات هي التي تجعل من حملة مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها في غاية الأهمية.

لقد تم بحث دور حملة المقاطعة في تجارب أخرى مثل جنوب أفريقيا في مكان آخر، وربما يكون المثال الأفضل لما يمكن تحقيقه من خلال هذه الشراكات بين اللاجئين والمنظمات غير الحكومية المعتمدة على المجتمع المحلي، كما تم وصفها أعلاه، هو حالة اللاجئين الغواتيماليين، حيث كانت النتيجة النهائية بأن قيادة اللاجئين المنتخبة ديمقراطيا والآتية من المخيمات في المكسيك؛ كانت قادرة على التفاوض حول الحلول الخاصة بهم، والتي تعكس الإرادة الشعبية لمجتمع اللاجئين نفسه، بينما وافقت الحكومة الغواتيمالية على عودة اللاجئين – وهو فارق كبير عندما يتعلق الأمر بإسرائيل – وكان للتنظيم الذاتي وتعبئة الموارد التي استطاع اللاجئون الغواتيماليون تجنيدها، من خلال الشراكات؛ قد أثرت على مختلف المنظمات غير الحكومية، كما لعبت المفوضية السامية لشئون اللاجئين دورا هاما، وبدون شك، فقد كان لهذه الشراكات ولطريقة العمل دورا حاسما في تأمين مكان للاجئين على طاولة المفاوضات، وفي ترجمة حقوقهم إلى واقع ملموس.

وتحوي التجربة الغواتيمالية دروسا إضافية يستطيع الفلسطينيون الاستفادة منها في هذه الأوقات، حيث زيادة الأعداد باتت تتطلب التفكير الجدي في بدائل للوضع القائم، وقد لعب المجتمع المدني دورا رئيسيا في تحديد جدول أعمال المفاوضات في غواتيمالا، وذلك عبر عملية مستندة لمشاركة قاعدة شعبية واسعة تقوم بالتداول في المسائل المحددة التي بحاجة لطرحها، لتكون جزءا من التسوية الشاملة. فقد قامت مجموعات السكان الأصليين، النساء، ونشطاء حقوق الإنسان ومجوعات أخرى، بمناقشة المسائل التي لها أهمية بالنسبة لكل مجموعة، وكيف يودون طرح هذه المسائل في اتفاقية سلام. وهناك أمثلة مشابهة في بلدان أخرى، وبعضها يجري الآن بالفعل في فلسطين/إسرائيل، وحديثا مشروع "كافيتاس" للاجئين الفلسطينيين هو أحد الأمثلة، مسودات الدساتير التي تمت صياغتها من قبل منظمات غير حكومية فلسطينية في إسرائيل وتم توزيعها من أجل التداول والنقاش العام هي مثال آخر.

ومثلما يقوم الفلسطينيون وآخرون بإحياء الذكرى الستينية للنكبة، فلا زال هناك الكثير من العمل التي يتوجب القيام به، لضمان إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين اساسها حقوقهم في العودة واستعادة الممتلكات، والتعويض، وهذا العمل ليس بحاجة للانتظار، ويجب أن لا ينتظر بدء عملية التفاوض حول اتفاق سلام نهائي؛  فقد حان الوقت الذي يجب أن يتم فيه تصميم خطة للعودة، وتطوير آليات لمعالجة مطالبات استعادة الممتلكات، والتعويض، ولوضع مسودات ومشاريع القوانين لتيسير العودة الى الديار، وتسهيل استعادة الأملاك والتعويض، ولتحديد الموارد الاجتماعية والاقتصادية اللازمة لضمان إعادة دمج وتكامل اللاجئين في مجتمعاتهم الوطنية عند تنفيذ العودة للديار، أو في أماكن أخرى يختارون العيش فيها. وقد حان الوقت أيضا، للبدء في وضع نظام قوي لحقوق الإنسان يستطيع أن يضمن المساواة ويحمي حقوق الأشخاص جميعا؛ الفلسطينيين، اليهود وغيرهم، وعلى المدى البعيد بعد أن تحل قضية اللاجئين. إن البحث والتخطيط المتعلقان بهذه القضايا وأخرى عديدة؛ تستطيع بالفعل أن تلعب دورا هاما في كسب التأييد والدعم لحقوق اللاجئين، ولقد قامت منظمة التحرير الفلسطينية بعمل كبير من خلال وحدة دعم المفاوضات، ولا شك أن التنسيق والتعاون ضروريان لمنع التداخل والازدواجية.

صحيح أن كل هذه القضايا تتطلب خبرة تقنية، ولكن نقطة البداية يجب أن تكون اللاجئين أنفسهم، فأكثر الحلول استدامة هي تلك التي يحركها اللاجئون. فعندما زارت بعثة من مركز بديل كل من البوسنة والهرسك في عام 2002، على سبيل المثال، عبر الكثير من اللاجئين العائدين عن عدم رضاهم بسبب عدم التشاور معهم قبل عودتهم، وكان البعض يرغب في إخبار المجتمع الدولي بأنهم كانوا بحاجة للمساعدة في إعادة بناء المدارس لجعل العودة خيارا قابلا للتطبيق، وأشار آخرون إلى الحاجة للمساعدة في خلق فرص عمل للجيل الجديد الذي يدخل سوق العمل، والبعض الآخر قد أثار مسألة إعادة المعاشات التقاعدية وضمانات اجتماعية أخرى لصالح مجتمعاتهم الوطنية من اجل جعل العودة خيارا عمليا. وباختصار، التسلح بمعرفة أساسية حول الظروف في ديارهم الأصلية، ويعلم اللاجئون ما يحتاجون إليه لجعل العودة واقعية ومستدامة على المدى البعيد، وأي شخص قام بمطالعة تقرير لجنة تقصي الحقائق البرلمانية البريطانية، التي عقدت جلسات استماع في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين عشية الانتفاضة الثانية وتم نشره لاحقا يفهم معنى ذلك، كما يدرك تقرير "كافيتاس" جيدا الكثير من الحلول الإبداعية التي يمكن أن يقدمها اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم على طاولة المفاوضات حينما يتعلق الأمر بإيجاد حلول لمحنتهم.

الذكرى الستينية للنكبة هي مناسبة للنظر إلى الوراء، ومناسبة للتطلع للمستقبل؛ والمبادرة إلى تأسيس مركز توثيق وبحث وتعليم حول النكبة؛ هو عمل ضروري من أجل حفظ الذاكرة الفلسطينية للماضي، وفي نفس الوقت للبناء المستقبلي، وقد بدأ البعض التفكير بالفعل في مثل هذا المشرع، ومن بين المكونات المختلفة لمشروع كهذا؛ يمكنه أن يتضمن مركزا للتعليم العالي، أرشيفات ومكتبة عامة، وبرنامج للتدريب ما بعد المرحلة الثانوية للفلسطينيين حول قضايا اللاجئين، وبالتعاون مع الجامعات في أنحاء العالم، وذلك بهدف بناء جيل جديد من الخبراء الفلسطينيين حول قضية اللاجئين، وصندوق للمنح التعليمية لدعم الطلبة الفلسطينيين الذين يعملون على قضية اللاجئين، وصندوق للهبات من أجل دعم أبحاث الخبراء في قضايا محددة.

الذكرى الستينية للنكبة هي مناسبة للبرامج والمشاريع الابداعية، وللمزيد تتوفر معلومات عن المشاريع والبرامج التي يجري التخطيط لها في فلسطين وفي أنحاء العالم المختلفة على الموقع الإلكتروني النكبة 60 (http://www.badil.org/campaign40-60/index.html). ويحضر في الذهن اثنين من المشاريع المحتملة التي يمكنها مضاعفة الفائدة المتأتية من الشراكة بين اللاجئين وبين المنظمات غير الحكومية المعتمدة على المجتمع المحلي والعاملة في قضية اللاجئين؛ فواحد من المصادر المتوفرة من أجل دعاوي استعادة الممتلكات، والتعويض، والتي ينبغي جمعها وتصنيفها وحفظها، لا زالت محفوظة لدى اللاجئين أنفسهم، وهذا أمر متروك للاجئين ليقرروا إذا ما كانوا يريدون نسخا عن هذه الوثائق التي يمكن دمجها في قاعدة بيانات واحدة، بيد أن الشغل الشاغل اليوم يجب أن يتركز على حفظها، وهذا مشروع سهل يمكن أن تضطلع به منظمات اللاجئين، بمساعدة خبراء تقنيين أينما يكون ذلك ضروريا لتنظيم مشروع يحركه اللاجئون؛ من مسح لهذه الوثائق، وبعدها يمكن للاجئين الحصول على النسخة الأصلية وعلى نسخة الكترونية على قرص مدمج CD-Rom، ومثل هذا المشروع كانت قد اضطلعت به مجموعة من اللاجئين من "بوتان"، الذين جمعوا بعد ذلك قرصا مدمجا واحدا حول دعاويهم ومطالبهم، واستخدموه في الضغط من أجل عودتهم واستعادة ممتلكاته. وفي نفس الوقت؛ فإن اللاجئين الذين لا يملكون وثائق، أو أن الوثائق التي بحوزتهم لا تغطي كامل أملاكهم ومطالبهم؛ يمكنهم أن يسجلوا وصفا لمطالبهم وممتلكاتهم بصورة كتابية أو شفهية.

وهناك مشروع آخر يمكن النظر فيه وأخذه بالاعتبار بمناسبة الذكرى الستينية للنكبة، وهو تأسيس "لجنة حقيقة" يشرف عليها اللاجئون، فقد شهدت سنوات التسعينات من القرن الماضي ظهور لجان الحقيقة ومن أجل جلاء الحقائق، وتحديد المسئولية عن انتهاكات حقوق الإنسان في العديد من الأماكن على امتداد العالم، أكثرها شهرة هي "لجنة الحقيقة والمصالحة" في جنوب أفريقيا، وقد تشكلت هذه اللجان في معظم الحالات في أعقاب التوقيع على اتفاقيات سلام من أجل تعزيز ثقافة السلام والمصالحة. وبصورة متزايدة، أصبح ينظر لهذه اللجان على أنها تنطوي على إمكانيات لخلق فرص جديدة، أو أنها يمكن أن تقوم بتحفيز الجهود الرامية لحل الصراعات طويلة الأجل. والهدف من مثل هذا المشروع قد يكون من ثلاثة جوانب: إنه يعطي الجيل الأول من اللاجئين الفلسطينيين الفضاء الذي يحفظ كرامتهم؛ لوضع قصصهم وذكرياتهم في سجل التاريخ العام أمام فريق دولي من الأشخاص ذوي المكانة المعروفة؛ كما يوفر فرصة لتسجيل وحفظ روايتهم لأجيال المستقبل، وبكلمات أخرى، هو نوع من مشروع تاريخ شفوي ضخم؛ وثالث هذه الأبعاد، فمن شأن مثل هذه العملية أن تعرض أمام اليهود الإسرائيليين والمجتمع الدولي لهذه التجارب الفلسطينية، بطريقة شخصية ومتواصلة حتى يقوم جميع اللاجئين الراغبين بعمل ذلك بالظهور أمام مثل هذه اللجنة. ويمكن لليهود الإسرائيليين الذين شاركوا في حرب عام 1948 أن يشتركوا، أو يمكن عقد جلسات استماع موازية تتبع نفس الطريقة في داخل إسرائيل. ومثل هذا النوع من المداولات العامة والمستمرة حول الماضي يمكنه، في النهاية، أن يجد طريقا للمستقبل.

_______________

تيري رامبل هو زميل باحث ومرشح لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة "اكستير"، وهو عضو مؤسس في بديل، وترأس وحدة الأبحاث والمصادر في مؤسسة بديل حتى نهاية العام 2004.