كلمات على هامش 64 عاما من النكبة

مسيرة العودة السنوية التي ينظمها فلسطينيو٤٨، قرى الكويكات وعمقا٫ تصوير: أحمد الشيخ محمد، ٢٩ -٤- ٢٠١٢ مسيرة العودة السنوية التي ينظمها فلسطينيو٤٨، قرى الكويكات وعمقا٫ تصوير: أحمد الشيخ محمد، ٢٩ -٤- ٢٠١٢

بقلم: محمود العالول*
يحي الإنسان الفلسطيني ذكرى النكبة بالوقوف بكبريائه على إطلالات التاريخ الحديث، ليستذكر قيمته الإنسانية الحية، وليؤكد على عزته، وكرامته وانتمائه. ففي هذا الوقت وقبل ما يزيد عن ستين عاماً، أستهدف الفلسطيني بمجتمعه الحضاري ووجوده الإنساني وأرضه السيدة في محاولة لمحو هويته، واقتلاع المكان من صاحبه وساكنه ونبضه وروحه. غير أن هذه الأرض المرتبطة بمستودع الحضارات، والتي أجاد الإنسان الفلسطيني فيها رسم صورة الشرق المنير بسماء الكون وأرضه بنور الديانات السماوية الثلاث، رفضت الإنسلاخ عن روحها وأصرت على الوقوف بوجه الاغتصاب والتغريب، متجذرة بحجم ما يحمله إنسانها من قيمة ارتباط روحي معها.

وفي هذه الوقفة نطرق باب العدالة، بأن التهجير المستمر، والقتل، والمجازر، والخذلان، ومحاولات سلب الأماكن أسماءها، ومحاولات سلخ الأرض عن روحهاأي الإنسان الفلسطيني- لم ولن تنجح. بل إن شواهد المجازر والإرهاب المتواصل بما يعتليه من قتل وتخريب وتقطيع للشجر وعزل للإنسان والسلب المتواصل للأرض، لهو الدلالة الطبيعية القطعية بأننا هنا كنا وباقون وسنبقى رغم الألم المشرع، وأن الأرض وإنسانها مرتبطان وباقيان في سيرهما الدائري لتبقى الصورة الناتجة احتضان الأرض لإنسانها، وتجذره بعروق شجرها وينابيع وديانها وتاريخ كل أفراد وأسماء أبنائها، شهداء وأحياء لاجئين وصامدين.

وفي كل عام نحي به هذه الذكرى، نغذي ذاكرتنا ونحملها بوعينا الجمعي، بأن العودة آتية لأنها حق طبيعي، وأن تفاعل الزمن مع الذاكرة مؤكد، كما أنه سيبقى على الثابت الجامع بحتمية تحقيق هذا الحق. لقد اغتصبت أماكن، وحرفت أسماء أماكن، وغيرت ملامح أماكن، وأفرغت أماكن أخرى من أصحابها، ولكن بكل ما جرى بها وعليها وبإنسانها - ساكنها وصاحبها الأصيل، إلا أنها مازالت تحمل في وعي الفلسطينيين جيلاً بعد جيل ويوماً بعد يوم حنين اللقاء الطبيعي، ما بين غارس زيتونها وصبارها ولوزها وبرتقالها اليافوي والأرض سيدة الجرح الأعلى والأكبر.

إن إحياء هذه الذكرى هو تأكيد شعبي ورسمي فردي وجماعي بأن المقولة الأساس باقية: "نحاول... قد نفشل أو نتأخر بعض الوقت لكننا سنصل حتماً مهما طال الزمان إلى طريق اخترناه"، وأن العدالة هي المفهوم الأخلاقي الذي يقوم على الحق والأخلاق والعقلانية والقانون والإنصاف، لا قيمة له سوى بتحقيقه واقعاً يحق الحق لصاحبه المُشرد والمُقتلع من أرضه ومكانه.

والنكبة الحدث والواقعة لم تقف عند زمانها أو بيئة وقوعها، بل استمرت وتعددت أشكالها وتوسعت دائرة ضحاياها، فلا تكاد تمر بعض سنوات إلا ويصر الاحتلال أن يعيدها واقعاً إجراميا يمتد على كل مزايا تاريخ شعبنا. فمجزرة نحالين والحرم الإبراهيمي وغيرها الكثير من المجازر، وآخرها معركة الانتصار والبطولة في مخيم جنين، وكذلك الجرائم التي ما زالت ترتكب حتى يومنا هذا بحق الشجر والأرض والتي يمثلها يومياً التوسع الإستيطاني عدو الأرض والشجر والإنسان، لهو التعبير الصريح عن شهوة الاحتلال الدائمة بالمحو والإلغاء.

وذكرى النكبة مرتبطة بوجهها الآخر، الا وهو حق العودة الذي لا بد من إخراجه من حدود الشعار إلى مجال النضال في سبيل تحقيقه. وحق العودة هو جزء من ثوابتنا الأساسية المترابطة معاً، وهي الأرض والقدس وتحريرهما وإزالة الاستيطان وعودة اللاجئين، إضافة للأسرى وحريتهم. ولا بد من رؤية واضحة في هذا المجال، لأننا ندرك أن هنالك من يدعي أن حق العودة يستحيل تطبيقه، وهؤلاء نسألهم: متى كان هذا العدو المُحتل جاهزا لتطبيق البنودالاستحقاقات الأخرى؟

إننا ندرك أن حق العودة هو الأكثر تعارضاً مع إستراتيجية الحركة الصهيونية التي تسعى إلى دولة يهودية "نقية"، رغم أن هذه الإستراتيجية قد ضربت أساساً من خلال وجود وصمود أهلنا خلف الخط الأخضر. نعم، فالتمسك بالثوابت وحق العودة لا بد أن يكون بصلابة ودون أي هامش للمرونة، لكن لذلك متطلبات أساسية لا بد من تحقيقها؛ أولها السعي الحثيث للوحدة الوطنية، التي غيابها يمثل الخطر الأساس على مجمل القضية الفلسطينية ومسيرتها، مع أهمية إعادة الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني في كل مكان في الوطن والشتات. وكذلك من المهم إيقاف كل أشكال الصراع والتناحر الداخلي بإعادة الاعتبار والتمسك بأن التناقض الأساس هو مع الاحتلال وأي تناقض آخر هو ثانوي. ومن الضروري هنا إعادة الاعتبار للعمق والوضع العربي والإنساني الذي لا بد أن يُعاد بموقف أكثر وضوحاً ودعماً للشعب الفلسطيني.

ربما يرى البعض استحالة تحقيق ذلك، لكن على الجميع، والأمة أن يُجيب على سؤال الهوية والانتماء وأن التغيير وتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يتم إلا بتغيير ميزان القوى، وليس بالنصح والإرشاد والتمنيات، لكن أن نبقى دائماً متفائلين مؤمنين بحتمية النصر والانتصار، مُدركين أن وجودنا واستمراره على هذه الأرض وتمسكنا بها يشكل قلقاً دائماً لهذا العدو المُحتل في إطار صراعنا الدائم والطويل.

وسنبقى نغني الآن وغداً بأن لنا الشمس والقدس والنصر وساحات فلسطين... وان العودة والنصر لموعدهما المؤكد فجرٌ آت.

--------------
*محمود العالول: مناضل فلسطيني، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح مسؤول التعبئة والتنظيم.