التشكّل الثقافي الفلسطيني؛ هدم البُنية وتحقيق القيامة

جانب من الهدم الذي شهده قطاع غزة في الحرب )تصوير: شبكة معاً، ٦ -١٠- ٢٠١٠ ( جانب من الهدم الذي شهده قطاع غزة في الحرب )تصوير: شبكة معاً، ٦ -١٠- ٢٠١٠ (

بقلم: مجد كيّال*
زردٌ أساسي يُحكِم علاقة النكبة بالثقافة الفلسطينية، إذ أن الحدث التاريخي "النكبة" لا يصمم هوية ثقافية بمفهومها الجامد الثابت، بل هو حدث يواصل بلورة الثقافة كحالة دائمة التشكّل بدافع التوق إلى نشوء حدث آخر يغيّر مجرى التاريخ- "العودة".

وللعلاقة بين الحدثين- النكبة والعودة- أن تُشبّه بالعلاقة الأسطورية بين الصلب والقيامة، ليس فقط في استعارة الفداء، بل في أن "العودة" ليست خروجًا من دوامة تيه في الصحراء والشتات، بل استعادة للوجود بعد العدم؛ بما اننا نتحدث عن التشكّل الثقافي كتوق لاستعادة الكيان- القيامة، أي التكوّن، من العدم الناتج عن إعدام، أي عن استعمار حيّز الوجود بتطهير المكان من أهله (في حال اللاجئين) وتطهير ذاكرة الأهل من المكان (في حالة من بقي في الوطن). وتَشَكُّل القيامة، في هذه الحالة، حرفيًا ومجازًا، هو عبارة عن صيرورة ما نعرفه بالنهضة. 

تلعب النكبة خاصةً (والمأساة عامةً)، دورًا في أنها تفرض على الثقافة أن تُضمِّن الصراعَ هواجسَ المستضعف الذي سحقته المأساة. النكبة تشكّل الثقافة بحيث تفرض عليها طرح الهواجس الإنسانية بقوّة لكي تشتغل الثقافة بالخروج على السلطة التي أنتجت المأساة. وخروج الثقافة على السلطة- وهي سلطة الاستعمار في الحالة الفلسطينية- هي لحظة توحّد المثقف والفعل السياسي في مشروع التحرر.

الثقافة الفلسطينية هي خطٌ يتشكّل واصلاً بين "النكبة" و"العودة"، فما حال الثقافة في حال التنازل عن أحد هذين القطبين أو فقدانه؟ ربما التنازل عن "العودة" أكثر شيوعًا ووضوحًا في ظل ما واجهناه في السنوات الأخيرة من تنازلات سياسية منفلتة، إنما للتنازل عن "النكبة" – ليس بالضرورة كحقيقة تاريخية- أوجه كثيرة مبطنة وغير مباشرة تبدأ، بالسياسة، في آراء تستهجن "غلطة" رفض قرار التقسيم، ولا تنتهي بتهميش النكبة عن المشهد اليومي، و"التحرر" من وصمتها تحت ادعاء التحرر من الكليشيهات، وليست هذه هي المساحة لتفصيل هذه الأوجه كاملةً.

إن غياب "النكبة" و"العودة" أو التنازل عن إحدى هذه الأسس في بناء جسر الثقافة هو انحراف التشكّل الثقافي عن أرضيته وبالتالي عن الواقع. ويؤدي غياب "النكبة " و"العودة" إلى انفصال الثقافة عن المأساة الإنسانية، وبهذا الانفصال تبطل وظيفة الثقافة بجَسرها ما بين الهاجس الإنساني والسياسة. أي يبطل الارتباط بين الإنساني والسياسي، وهذا ينعكس بشكل واضح بانحسار دور الجماهير في العمل السياسي، ويأتي هذا كله لصالح حسابات الربح والخسارة في السياسة.

في هذه الحال، يفقد الناس انخراطهم في تشكيل الضغط ومقاومة تراكمات وإسقاطات المأساة عن طريق فرض إرادتهم على الواقع، أي بمعنى آخر عن طريق النضال لأجل حل العدم بالوجود، وحل الصلب بالقيامة، حل الاستعمار بالتحرر وحل النكبة بالعودة.

انحسار الهاجس الإنساني أمام مهنة السياسة وما يرتبط بها من حسابات الربح والخسارة في تصميم المشهد السياسي يظهر في تراجع العمل الشعبي، وحالة اللامبالاة السائدة، وتحويل السياسة إلى مجال عمل تختلف فيه المهن بين كبير مفاوضين ووزير شؤون لبس "الشورتات". وتراجع علاقة الناس بالفعل السياسي يشكّل تعبيرًا لحال الثقافة المهيمنة، وفي هذه الحالة يواجه المثقف خطورة ارتباطه بسياسة الربح والخسارة، وبارتباطه بجماعة "الباتروناج" التي تفاوض صباحًا على خمس الحق وترعى مساءً أمسياتٍ شعرية. والوضع لا يقل سوءًا حين يُستبدل احتكار التاجر للسياسة باحتكار رجل الدين للسياسة، فالوضع ذاته ما دام حساب الربح والخسارة (المادية أو الغيبيّة) يأتي على هواجس المأساة اليومية للإنسان الفلسطيني.

إن التنازل التاريخي عن الحق الفلسطيني، عن متانة مفهومي النكبة والعودة، كما تكلل في أوسلو، أسّس (أو عزز كما في حال الأراضي المحتلة عام 1948) لتعددية غير محدودة في أشكال التواطؤ عند الفلسطيني؛ ونحن لا نتحدث بالضرورة عن الموقف السياسي لمنظمة التحرير فقط، بل ننظر نظرةً عامة للتصرف السياسي الذي تمارسه الفصائل والمؤسسات وكذلك الأفراد. والمشترك لهذه التعددية هو انحدارها دون حواجز وإلى كل الاتجاهات. فهي تعبّر عن انفصامات جيلين – الأول أختتم حياته بمرحلة أوسلو والثاني صنعت المرحلة حياته. ومثلما قلنا بأن الثقافة تتشكل على محور بين المأساة والتحرر، فإن التجارة السائدة تتشكل على محور بين العجز والجشع، وتتستر بتسطيح الواقع في الوقت الذي تتهم فيه الآخرين بتسطيح الحق وتجاهل الواقع، والعلاقة بين المحورين، عكسيّةً بالضرورة.

نناقش أمور كثيرة، أهمها إعادة بناء منظمة التحرير، السلطة الفلسطينية، المصالحة وما إلى ذلك... لكن النقاش عاجز عن إنتاج جدل يغيّر وجه الواقع، ليس فقط لأن في النقاش ما فقد قيمة صدقه لتورط الأغلبية الساحقة منّا بأسباب المأزق بشكلٍ أو بآخر، بل لأننا نعرف أن الواقع أسوأ بكثير مما نصفه؛ نحن نتحدث عن أشكالٍ مختلفة من العلاقات: المصالحة ومنظمة التحرير والسلطة، هي كلها علاقات سيئة الحال بين مؤسسات وتنظيمات حالها أسوأ من حال العلاقة بينها، ويمكن أن تنزل في هذا الترتيب إلى أن تصل صعيد الفرد المشتغل في السياسة، فتجده جزءًا من منظومات تطور العمى مع الوقت وتغيّب الدوافع الأولية للعمل ثم سرعان ما تغيّب الثقافة التي يجب ألا تنفصل عن العمل أبدًا.

أليس من العبث التحدث عن إصلاح منظمة التحرير ما لم نشر إلى المصائب التي تعيشها التنظيمات الفلسطينية؟ وأزمة الأخيرة ليست تنظيمية فقط، بل هي أزمة هوية بالأساس؛ أزمة ثائر انتهت ثورته، لا يريد أن يترك البندقية لأنه لا يساوي شيئا دونها، ولا يريد أن يستمر بإطلاق النار لئلا يخرج دون غنيمة. علينا أن نشير بجديّة إلى انحسار دور الفصائل وتأثيرها وانحرافها عن مشروع التحرر الوطني ما أن وقعت تحت مظلة أوسلو لاهثةً وراء الشرعية السياسية، قبل أن نتحدث عن طبيعة المنظمة التي ستوحّد هذه الفصائل.

لكن النقاش بوضعه الحالي مستمر، ليس لأننا نراه نقاشًا سليمًا، بل لأن رعبًا (يمكن فهمه) يتملّكنا من فكرة هدم القائم، حيث أن نفسية الملاحقة التي تعيش عليها الفصائل الفلسطينية والحقيقة التاريخية بأنها كلها كانت فصائل مستهدفة من قبل الاستعمار، يردعنا عن التفكير بهدم القائم من بنى سياسية فلسطينية.

اختتمت مرحلة أوسلو حياة جيل ورفعت حياة جيلٍ آخر، لكن نتائجها الكارثية شكلت مسقط رأسٍ لجيل ثالث ولد في قعر أوسلو. لهذا الجيل، جيلنا، أن يهدم؛ والهدم ليس انتظار الانهيار بلا مبالاة، بل المواظبة على تحويل الهدم إلى معطى جدلي ذي رؤية، وليس من وظيفته البناء قدر ما هي وظيفته تحديد حيّز البناء السياسي القادم بالخطوط الحمراء التي هي الثوابت، ولكن ليست الثوابت بمعنى الشعارات التي نجترها تاريخيًا، بل الثوابت كمنظومة أفكار تشكّل هويّتنا من القصة الإنسانية اليوميّة لهذا الجيل ولا تستوعب نفسها إلا جزءًا من تشكل الثقافة بين مأساةٍ تشكّل الهويّة وعودةٍ ننهض إليها.

تواجهنا مهمة استرداد الثقافة إلى جذورها- بين النكبة والعودة. ما سيجعلها عبر إعادة الربط بين الهاجس الإنساني والسياسية، قادرة على أن تميّز منظومات السلطة التي عليها أن تقاومها وتعمل على هدمها، وتفهم أن الكثيرين ممن تعتبرهم حلفاءها، رغم تاريخهم النضالي وتضحياتهم في السابق، إلا أنهم قطعوا عملهم السياسي عن القيمة الثقافية الواصلة بين النكبة والعودة، وأن حالةً سافرة من التواطؤ مع الاستعمار تنخر البنية السياسية الفلسطينية القائمة بأسرها.

لا نساوي بين الفصائل الفلسطينية، ولا نساوي بين الأشخاص، ولا نساوي بين المواقف، لكن البنية السياسية الفلسطينية بكاملها متورطة في احتكار السياسة بمنأى عن الهاجس الإنساني والفعل الجماهيري، أو نقول، بمنأى عن الثقافة.
-------------
*مجد كيال: صحفي وكاتب فلسطيني، مقيم في حيفا المحتلة.