طباعة

النكبة المستمرة

عرب الرشايدة، غور الأردن، يتهددهم خطر التهجير بعد أن هجروا في المرة الأولى من "عين جدي" في ٤٨ ٫ )بديل، نيسان ٢٠١٢ ( عرب الرشايدة، غور الأردن، يتهددهم خطر التهجير بعد أن هجروا في المرة الأولى من "عين جدي" في ٤٨ ٫ )بديل، نيسان ٢٠١٢ (


بقلم: امجد القسيس*

تعبر السياسات الإسرائيلية في فلسطين اليوم، عن مزيج من ممارسة الفصل العنصري، والاحتلال العسكري، وكذلك الاستعمار الاحلالي. حيث يتم استثمار هذه الممارسات بهدف إتمام عملية تطهير عرقي في ارض فلسطين التاريخية من وجود السكان الفلسطينيين الأصليين. وعندما قامت الحركة الصهيونية برسم ملامح المشهد الاستعماري المنوي تنفيذه في فلسطين منذ العام 1897، في إطار الفرضية القائلة "شعب بلا أرض، لشعب بلا أرض " فإنها قد واجهت ثلاث عقبات أساسية تتمثل في:

- الوجود الفعلي للسكان الفلسطينيين الأصليين الذين كانوا في تلك الأراضي.
- حقوق الملكية للأراضي والعقارات التي يملكها الفلسطينيين في ارض فلسطين.
- جلب السكان المستعمرين اليهود، وإسكانهم في تلك الأراضي

وفي سبيل التغلب على العقبات الثلاث الانف ذكرها، فقد برزت الحاجة أمام الكيان الإسرائيلي الناشئ، إلى أن تتم عملية تأسيس نظام قانوني يسهم، بل يضمن، الحفاظ على الوضع الناشئ حديثاً نتيجة قيام دولة إسرائيل على أنقاض المجتمع الفلسطيني، بعد أن تم تهجير سواده الأعظم قسرياً. وقد كانت الحركة الصهيونية ومن ثم إسرائيل بعد إنشائها، غير مهتمة بإنشاء نظام قانوني يشرع هيمنة مجموعة عرقية/ عنصرية على أخرى. كما أن  الهدف الإسرائيلي كان ولا زال كامناً، ليس في استغلال القوة العاملة الأصلية، أو بشكل أكثر تبسيطا، الحد من فعالية مشاركتها السياسية والاجتماعية؛ بل إن الهدف الإسرائيلي، او الصهيوني بشكل أكثر صوابية، كان دوما يرمي باتجاه إقامة دولة يهودية متجانسة تكون محصورة على "الشعب اليهودي".

وهذا ما كان واضحا منذ البدايات الأولى للحركة الصهيونية، ويتأكد بشكل اكبر عبر حقيقة أن إسرائيل حتى الآن ليس لديها حدود ثابتة ودائمة أو معرفة كباقي الدول في العالم. كما يتبين ذلك من خلال ما أوضحته غولدا مائير، قائلة: "الحدود تقع أينما يعيش اليهود، وليست كخطوط موضوعة على الخارطة".1 بالنظر إلى هذا التصريح، جنباً إلى جنب مع ما كتبه دايفيد بن غوريون في العام 1937، حيث قال: "إن عملية الترحيل القسري للعرب من أودية الدولة اليهودية المنوي بنائها، إنما يكفل تقديم شيء لنا لم نحصل عليه من قبل... لذلك؛ علينا التمسك بهذا الاستنتاج بذات الشكل الذي تم فيه انتزاع وعد بلفور، بل أكثر من هذا، يجب أن يتم التمسك بها على غرار الطريقة التي تبنينا وتمسكنا بالصهيونية عبرها".2 وهنا بات من الواضح حديثه حول الاحتمالات غير المحدودة لتهجير الفلسطينيين وتوطين المستعمرين اليهود مكانهم. وكما يوضح نور مصالحة، بين العامين 1930 و1948، قامت الحركة الصهيونية بالتخطيط لترحيل السكان الفلسطينيين الأصليين وفقاً لتسعة مخططات متباينة، بدءاً من خطة وايتزمان للعام 1930 لترحيل الفلسطينيين حتى الخطة "دالت" التي تم تنفيذها في العام 1948. 3

 

هجرة ومواطنة متميزتان

استخدمت الحركة الصهيونية سلسلة من الإجراءات الاستباقية والوقائية، بهدف التغلب على العقبات الثلاث المذكورة أعلاه، والتي اتخذت شكل سياسات وممارسات وقوانين. وللتدليل على ذلك، يكفي النظر إلى قانون العودة الإسرائيلي لعام 1950، الذي ينص على أن: "لكل شخص يهودي في العالم الحق بالحصول على (المواطنة اليهودية)، والهجرة إلى إسرائيل كما الحصول على الجنسية الإسرائيلية فيها". ويظهر من خلال هذا القانون تسهيل وتشجيع هجرة اليهود إلى إسرائيل في سبيل خلق وتحقيق الدولة اليهودية وفقاً للتصورات الصهيونية

 

حقوق الملكية:  

اعتمدت إسرائيل على قانون أملاك الغائبين 1950، في سبيل مصادرة غالبية أملاك السكان الفلسطينيين، والتي تعود ملكيتها القانونية لهؤلاء السكان الذين هجروا من أماكنهم الأصلية ليصبحوا فيما بعد إما لاجئين وإما مهجرين في وطنهم يحملون صفة ال"مهجرين داخليا". وفي اللحظة التي تمت مصادرة هذه الأملاك فيها، أصبحت تعتبر وفقاً للقانون الإسرائيلي ملكاً لصالح الدولة.4 وكنتيجة للنظام الإسرائيلي بشأن الأراضي، فان الفلسطينيين اليوم لا يملكون سوى النذر اليسير من ارض فلسطين التاريخية وفقاً لخارطة فلسطين الانتدابية.5

وتم فرض القيود المشددة على توسع التجمعات الفلسطينية الموجودة في داخل الخط الأخضر والأراضي الفلسطينية المحتلة، كنتيجة للسياسات التخطيطية التمييزية الإسرائيلية. فمنذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، منذ العام 1967، لم تسمح إسرائيل بإنشاء تجمع أو بلدية فلسطينية واحدة.6

وقد فتح الأمر العسكري 418 الباب أمام إنشاء نظام تخطيط وبناء إسرائيلي، تشرع من خلاله إسرائيل لنفسها، عملية السيطرة على كافة المجالات المتعلقة بالتخطيط والتنمية في الأرض الفلسطينية المحتلةوكنتيجة لذلك، فان سكان التجمعات الفلسطينية غالباً ما يجدون أنفسهم معزولين تماماً عن الأراضي المحيطة بهم

أما في التجمعات اليهودية، فالصورة معكوسة تماماً، إذ نجد أن اصغر التجمعات اليهودية وأكثرها نأيا لديه من المخططات لاستخدام الأراضي وعمليات البناء، ما هو مفصل وكفيل بالحفاظ على تنميته.7 

وفي سبيل تكثيف المشهد، "فان الفضاء الإسرائيلي يمتاز بديناميكية عالية، ومجمل التغيرات الجارية ضمنه تتخذ اتجاها واحدا، وهو توسيع السيطرة اليهودية على الأراضي بمختلف الوسائل، بما فيها الاستيطان المستمر. في حين أن العرب لا زالوا محصورين في جغرافية تنحصر باستمرار.8

 

ترحيل السكان

إن العقبة الأساسية أمام المشروع الصهيوني في فلسطين منذ بداياته حتى اليوم، تكمن في وجود الشعب الفلسطيني بحد ذاته. وهذا ما اجتهدت الأوساط الصهيونية ملياً عبر التاريخ في مواجهته بشتى الأساليب، على الأقل خلال العقود الستة الماضية. فمنذ بداية هذا المشروع تم اقتلاع أكثر من 2 مليون فلسطيني من منازلهم بشكل مباشر- ناهيك عن أبنائهم وأحفادهم-. وقد ساهمت القوانين الإسرائيلية مثل قانون منع التسلل لعام 1954، والأمرين العسكريين 1649 و 1650 في منع الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم،9 إذ أنها صممت أساسا لخدمة هذه الغاية. وتجدر الإشارة في هذا الموضع، إلى أن عمليات التهجير القسري المخطط والمتعمد، يمكن وصفها بأنها ترتقي إلى حد ممارسة النقل القسري للسكان، أو بالأحرى ممارسة التطهير العرقي بحقهم. وهذه النكبة المستمرة، خلقت بدورها حقيقة تفيد بان 67% من الفلسطينيين حول العالم هم إما لاجئون او مهجرون داخلياً.10  

من الممكن تناول تعريف النقل أو التهجير القسري للسكان على انه ممارسة أو سياسية؛ يتمثل الغرض من ورائها في التأثير على، أو تقييد حركة السكان داخل و/أو إلى خارج منطقة معينة، أو عبر الحدود الدولية. وهنا يمكن لدور الدولة أن يتمتع بصفة ايجابية أو سلبية (بمعنى بالفعل او بالامتناع عن الفعل بما يؤدي الغرض)، ومع ذلك نجده يؤثر في الطبيعة المنهجية والقسرية لعملية حركة السكان من والى المنطقة. بالتالي، فان عنصراً من عناصر القوة الرسمية، الإكراه، أو الإهمال المتعمد يبقى حاضرا في سياسية الدولة وممارساتها. ويذكر أن دور الدولة ينطوي على توفير الدعم المالي والتخطيط والإعلام، كما من الممكن أن يظهر في شكل تدخل أو عمل عسكري وتجنيد المستوطنين، كذلك توفير التشريعات والإجراءات القضائية اللازمة، وربما الإدارة العدلية كذلك.11

 تبقى عملية النقل القسري للسكان عملية غير قانونية، بل تعد جريمة دولية منذ قرار الحلفاء المعتمد عام 1942 بشان جرائم الحرب الألمانية. ويمكن العثور على أقوى وأوضح البنود القانونية حول جريمة النقل القسري للسكان في ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يشير بوضوح على أن فعل النقل القسري للسكان وتوطين المستوطنين تعتبر "جرائم حرب".12

لا يزال جوهر عملية النقل القسري للسكان ممثلاً لسياسة دولة تميزية ومنظمة، تهدف بدورها إلى تغيير التركيبة السكانية للمنطقة، وتتم هذه العملية عبر نقل السكان عبر أو إلى خارج المنطقة التي يدور الحديث حولها.13 كما يمكن أن يتم تطبيق هذه السياسة بوسائل شتى من قبل الدولة. ففي حالة إسرائيل مثلا، هناك 11 محورا أساسيا يمكن من خلالها تحديد عملية النقل والتهجير القسري للسكان، وهذه المحاور هي

  1. إبطال أو إلغاء الحق بالإقامة، ورفض منح التصريح أو الحق بالإقامة، بما في ذلك الحرمان التام لجمع شمل الأسرة. مثل القيود المفروضة على تسجيل الطفل من أب وأم فلسطينيين مع أوضاع أو تعريفات سياسية مختلفة مثل بطاقة هوية القدس"الزرقاء"، وبطاقة هوية الضفة الغربية "الخضراء". 
  2. العمليات العسكرية والاعتداءات المستمرة من جانب إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني
  3. بناء جدار الفصل العنصري ونقاط التفتيش المرتبطة به، إضافة إلى نظام التصاريح، الذي يعيق حركة الفلسطينيين حتى داخل الأرض الفلسطينية المحتلة.
  4. سياسة تحديد المناطق وإغلاقها، كذلك الأمر فيما يتعلق بسياسيات التخطيط ومن ضمنها عمليات هدم المنازل الفلسطينية ومصادرة الأراضي
  5. توطين المستعمرين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والاعتداء والمضايقات بحق الشعب الفلسطيني من قبل المستعمرين الذين لا يقعون ضمن طائلة العقاب
  6. الترحيل الفردي والجماعي للفلسطينيين، إلى جانب قمع أي شكل من أشكال المقاومة، والإمعان في سياسات الاعتقال والتعذيب المنهجي في السجون الإسرائيلية
  7. حرمان اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى وطنهم، ومصادرة حرية التنقل للفلسطينيين في فلسطين التاريخية، بالإضافة إلى الفصل السياسي والجغرافي المتعمد ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية
  8. القيود المفروضة على الاستفادة من الموارد الأساسية، لا سيما المياه، التي تشكل مصدر معيشة أساسي لقطاع واسع من التجمعات التي تعتمد في وسائل إنتاجها على الرعي والزراعة
  9. تهميش وإقصاء الفلسطينيين، سواء ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية أو من هم من دونها، من المجتمع "اليهودي" الإسرائيلي والمنافع والامتيازات المتصلة بال "جنسية اليهودية". 
  10.  ضم ومصادرة مساحات من الأراضي بشكل رسمي آو بحكم الأمر الواقع، في سبيل المنع الدائم والحرمان للسكان الأصليين من التمتع بحق تقرير المصير.
  11.  خلق ظروف اقتصادية وانتاجية صعبة، عبر تضييق فرص العمل، أو الحركة التجارية الداخلية والخارجية، وتقييد السوق وإلحاقه...الخ وذلك لجعل سبل التنمية ومجالاتها محدودة ان لم تكن منعدمة.  

إن مجمل هذه المحاور المعبرة عن واقع وطبيعة السياسيات الإسرائيلية اتجاه الفلسطينيين، إنما تهدف إلى الاستمرار في عمليات التهجير القسري ضد الفلسطينيين بل والتوسع في تطبيق هذه السياسات. وهذا من خلال خلق ظروف حيوية قاسية لا يمكن معايشتها، بالتالي عدم ترك أي خيار مفتوح أمام السكان سوى ترك منازلهم وأمكنتهم الأصلية للانتقال إلى مكان آخر خارج المنطقة التي يتم تفعيل ورعاية هذه السياسات فيها. وهنا نجد  اقتباس موشيه شاريت مفيداً، وهو-احد الموقعين على إعلان استقلال إسرائيل-عندما قال: "ينبغي علينا اعتماد سياسة تقوم على أساس الحد الأدنى من العدالة باتجاه العرب الذين لا يميلون للمغادرة".14

إذن، يتضح مما سبق أن إسرائيل لا تسعى للسيطرة على السكان الفلسطينيين وإنما تسعى جاهدة للتخلص منهم عبر ترحيلهم القسري وبالتالي تطهيرهم عرقياً من أماكن تواجدهم الأصلية. وعليه فان أي نقاش يدور حول الواقع أو الحالة المختصة بالصراع مع الصهيونية في فلسطين، ينبغي أن يرتكز بشكل أساسي على الحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف للفلسطينيين، إلى جانب العمل الجاد على وقف جريمة التهجير القسري المستمرة منذ ستة عقود بحق الفلسطينيين.

--------------------

*امجد القسيس: باحث وكاتب فلسطيني متخصص في القانون الدولي، ومنسق المناصرة القانونية في مركز بديل.  

     

  1.  Noam Chomsky, “Middle East Diplomacy: Continuities and Changes”, Z Magazine (December 1991).
  2.  Nur Masalha, Expulsion of the Palestinians: the concept of "transfer" in Zionist political thought, 1882-1948 (Institute for Palestine Studies 1992), p. 210.
  3.  Ibid, p. 140.
  4. See Salman Abu Sitta, “Dividing War Spoils: Israel’s Seizure, Confiscation and Sale of Palestinian Property” (August 2009), available at: "http://www.plands.org/store/pdf/Selling%20Refugees%20Land.pdf
  5.  See BADIL, “Palestinian Refugees and Internally Displaced Persons Survey of 2008 - 2009” (2009).
  6.  See Salman Abu Sitta,Tthe Palestinian Nakba 1948 (The Palestinian Return Centre 2000).
  7.  See A. Cohen-Liftshitz and N. Shalev, The Prohibited Zone: Israeli Planning Policy in the Palestinian Villages in Area C (Bimkom, Jerusalem: 2008).
  8.  Kedar, S., Khamaisi, R., and Yiftachel, O., “Land and Planning” in After the Rift: New Directions for Government Policy Towards the Arab Population in Israel (Ghanem, A., Rabinowtiz, D., and Yiftachel, O. eds), p. 17.
  9. Al-Haq, “Al-Haq’s Legal Analysis of Israeli Military Orders 1649 & 1650: Deportation and Forcible Transfer as International Crimes” (April 2010), available at: "http://www.alzaytouna.net/english/Docs/2010/Al-Haq-April2010-Legal-Analysis.pdf.
  10.  See BADIL, “Palestinian Refugees and Internally Displaced Persons Survey of 2008 - 2009” (2009).p. 57.
  11.  Conclusions of the special Rapporteurs, Awn al-Khasawneh and Ribot Hatano, The Human Rights Dimensions of Population Transfer, including the implantation of settlers and settlements, UN document E/CN.4/Sub.2/1993/17 of 6 July 1993 at 14-15.
  12.  Emily Haslam, “Unlawful Population Transfer and the Limits of International Criminal Law”, The Cambridge Law Journal Vol. 61, No. 1 (March 2002), pp. 66-75.
  13.  BADIL, “Applying International Criminal Law to Israel’s Treatment of the Palestinian People”, BADIL Working Paper No. 12 (October 2011), p. 30.
  14.  Nur Masalha, A Land without a People: Israel, Transfer and the Palestinians 1949-96 (Faber and Farber Limited 1997), p. 3.