إضراب الأسرى: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"

إضراب الأسرى: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"

بقلم: عيسى قراقع

نقف أمام منعطف جديد من خلال هبة الأسرى التي تجاوزت مجرد تحسين شروط حياتهم المعيشية في السجون ورفع الإجراءات التعسفية بحقهم، فقضية الأسرى أصبحت رافعة سياسية ومدخلاً قانونياً وإنسانيا وأخلاقيا نحو تعزيز التمسك بحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، والانعتاق من براثن الاحتلال وسيطرته، ودربا من دروب مقاومة النكبة المستمرة منذ أكثر من أربعة وستين عاما.

انظر إلى إضراب الأمعاء الخاوية، بانفجار غضب الأسرى بعد أن تصاعد الضغط عليهم وبعد أن وصل إلى المساس بهويتهم الوطنية والإنسانية كتعبير ساخن عن واقع استمرار النكبة الفلسطينية، هذا الواقع الذي يستبيح كل فلسطيني إنسانا وأرضا وكرامة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. انظر إلى بطولة الأسرى باعتبارها مواجهة مباشرة بين الإنسان والجلاد في صراع لإسقاط القيد ورؤية النور والحرية والحياة

جوع الأسرى المتواصل، الواقفين الآن بين الحياة والممات، المكبلين بالسلاسل والبرودة وأشباح الفزع، الصامتين مع أرواحهم يستعدون للكلام بعد قليل أو للسكوت بعد قليل أيضا، يخرجون من أجسادهم ويسبحون ذرات في الكون كما لو كانوا يطيرون. يرون الضوء ابيض، والهواء ابيض وينتظرون أن يصعدوا ثم يصعدوا كي يروا أن الفراغ ليس فراغاً، وان أقدامهم تسير على ارض يابسة تقع بين الأرض والسماء تسمى فلسطين...

الأسرى يفتحون أفقا آخر تجاوز جدران السجن، وتعدى نظام الحواجز والفصل العنصري، واظهر استحالة العيش مع الاحتلال وبلا كرامة... يقولون بصوت يشبه صوت الشهداء: إننا لا زلنا نملك الأمل، نقطع المسافة من الزنزانة الضيقة إلى رحاب المكان والزمان الذي اخترناه نحن...

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، هو صوت انتفاضة الأسرى في سجونهم ومعسكراتهم... لا كنتين ولا راتب يسكتنا، ولا امتيازات شكلية تجعلنا نتنازل عن كرامتنا، فالكرامة هي مفتاح الحرية، ومن لا كرامة له يصبح شريكاً للسجان، يطفئ النور ويغلق أبواب الحديد.

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، قالها اليسوع الفلسطيني من على خشبة الصليب، معتقلاً ينزف متمسكاً برؤيته للمحبة والحرية والعدالة والسلام، ينتشر بعده الضوء أوسع، يسير بنا في رحلة الآلام إلى الصلاة أحرارا مؤمنين، لنا أسماؤنا ورموزنا وطقوسنا وفرائضنا الخمس ليل نهار.

وعلينا أن نقرأ تمرد الأسرى بافق أوسع من حدود السجن وممراته الضيقة، ونأخذه معنا إلى طاولة الأمم المتحدة لنقول للعالم: لقد حان الوقت لحماية المركز الشرعي والقانوني لأسرانا وأسيراتنا باعتبارهم أسرى حرب، ومناضلون من اجل الحرية... وان انكسار الأسير تحت بساطير السجانين هو هزيمة للثقافة الإنسانية والعدالة الكونية وكل ما صدر عنها من شرائع ومبادئ لحماية حقوق الإنسان...

لا ينتهي إضراب الأسرى بتحقيق مطالب إنسانية؛ بل بتوظيف آلامهم وصبرهم وصمودهم سياسياً وقانونياً والتحليق بقضيتهم العادلة في كل رحاب الكون كرمز لتعطش الشعب الفلسطيني للتحرر من قيود الاحتلال على طريق إنهاء النكبة المستمرة.

أن يسقط بلال ذياب أو ثائر حلاحلة مغشياً عليهما في قاعة محكمة العدل العليا، أعلى سلطة قضائية في إسرائيل بعد 77 يوماً من إضرابهما الملحمي عن الطعام، هو زلزال يهز العدالة الدولية بكافة أركانها. وعندما تتحول سلطة القانون في إسرائيل إلى أداة للقتل وغطاء لاستمرار الاضطهاد والاستعمار ولتشريع الاحتلال، على العالم أن يقف منحنيا أمام بلال وحلاحلة ليشكرهما على كشف زيف مدعي حقوق الإنسان والديمقراطية.

هو أيار الملتبس شهر العواصف والنكبات والحنين إلى الخبز والزيت حيث يطل الربيع كخاطرة في مساء طويل، وفيه كل شيء يوقظ الذكريات تحت ضغط الموت عندما يقترب الغروب.

الآن في أيار يقف الأسيران بلال وثائر على شجر السرو شرق الإبادة وشمال الرحيل، يصرخون: يا خالق الموت أمهلنا كي نعود مع الرياح إلى خطى الحمامات في بلادنا ونسقي الأسماء ثم نموت.

الحرية والعودة يلسعان الجسد في ورد أيار، تولد أول مرة وآخر مرة، وأنت تطارد موعدك مع غدك كي لا تتأخر عن أرض حكايتك وحبيبتك وهي تقول لك: هذا هو الباب ، خذني، شهوتي مثل مطر القدس لا تؤجل.

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، هذا حال لسان الأسرى المضربين في ردهم على الخطاب الثقافي والفكري لدولة الاحتلال التي اعتقدت أنها تستطيع تضليل العالم بادعائها المتواصل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ليكشف جوع لأسرى عن جرائم تفوح رائحتها في كل جسد وصوت هناك خلف القضبان.

والقيء، والدوخة، والصداع، والعزل والعقوبات والضغوطات النفسية، واستفزازات السجانين المسعورين، وانخفاض ضغط الدم، وهبوط دقات القلب وفقدان الوزن، الاستسلام للبياض الإنساني، الصعود على شجر لا يراه السجانون، الدخول في الحامض والغامض والاستعانة بلحسة الملح، وبإيقاع البحر والإيمان للعبور من الليل إلى الفجر... هي حكاية الأسرى في صراعهم مع الاحتلال، ولا يريدون رثاءً، وإنما فرصة للإقلاع شهداءَ أو أحرارا...

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وإنما بالحرية: القيمة الأعلى والمقدسة للإنسان الفلسطيني، الحرية غير المجزوءة والمشروطة، الحرية التي تفاوض وتحاور وتقرر وتضرب بأجنحتها على الطاولة، حرية الأسرى بداية حرية الآخرين، ومقدمة أولى للتخلص من بقائهم جلادين يعيشون في ظلام رواية عنصرية، كاذبة ودموية...

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان... هي ثقافتنا منذ أن خلقنا على ارض فيها درب الآلام، تقع بين الإسراء والمعراج، نرى شمس الكرامة تشرق من حولنا، لا من جهة السجن ولا من المنفى، وهي امتلاء أمانينا بأحلامنا التي تتسلل رويداً رويداً من ثقوب الجدار.

--------------------

* عيسى قراقع، وزير شؤون الأسرى والمحررين، عضو مجلس تشريعي، عضو جمعية عامة في مركز بديل.