×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

تمثيلات اللاجئ الفلسطيني في سينما الحرب الأهلية اللبنانية عبر فلم "بيروت الغربية"

بوستر ترويجي للفيلم "وسط بيروت" بوستر ترويجي للفيلم "وسط بيروت"

بقلم: نضال الزغير*

لماذا الكتابة عن هذا الفلم؟ قد يكون هذا السؤال الأكثر إشكالية لدى الانطلاق في محاولة فهم تمثيلات الفلسطيني الذي عاش لاجئاً في لبنان، من خلال فلم أو "الفلم". لكن هذا العمل بحبكته، بل بحبكاته المتفاعلة معاً في بينته الداخلية، إنما ينم عن براعة سينمائية مرتبطة بانسجام مع السياق التاريخي الذي أنتج الظواهر التي عالجها الفلم في مشاهده. وقد وقع الاختيار فيه - سعياً لتصوير الواقع-، على أعين مراهقين لبنانين وصديقة ثالثة تنضم لهم، قادمة من بيروت الشرقية – قاعدة وفضاء القوى الانعزالية الطائفية آنذاك-، إلى بيروت الغربية، وهي القاعدة التي جمعت القوى الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية إبان الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1991.1 يرصد العمل عبر مائة وخمسة دقائق من "التوثيق" السينمائي الدرامي، تجربة هؤلاء المراهقين وانفعالاتهم النفسية/الاجتماعية عبر ما عاصروه أثناء وبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وذلك من خلال عدسة المخرج زياد دويري الذي اصدر العمل عام 1998.

أما فيما يتعلق بالشروط التاريخية التي دفعت لخلق الشريط النفسي-الاجتماعي في العمل، فإنها تتكثف في تناول ظروف الحرب الأهلية في لبنان وانعكاسها ضمن حركة الواقع في المجتمع اللبناني آنذاك، ومنه مجتمع اللاجئين الفلسطينيين وحركة المقاومة، نظرا لحضورهما الدائم في المشهد اللبناني خلال تلك السنوات؛ حيث تعاطى الفلم مع إبراز تمثيلات لهما عبر مشاهد الفلم، في ستة عشر موضعاً تمكنا من رصدها من خلال تتبع البنية الداخلية للعمل. وهذا ما نصبو لتقديم رؤية تحليلية بشأنه؛ من منظور رصد التفاعل ما بين البنية الداخلية وما يقابلها في بيئة العمل السينمائي.  وتأخذ هذه العملية مسارها عبر التصدي لرسم علاقة التقابل والتمثيل ما بين العام والخاص، وشكلهما في الشريط السينمائي. كذلك تقابلات الوطني- "القومي" والطبقي من جهة أخرى، إلى جانب التطرق إلى تمثيلات المرأة والرجل وما بني عليهما، على درب الوصول لفهم الصورة أو الصور التي يرسمها هذا الشريط السينمائي للاجئ الفلسطيني عبر الحرب الأهلية اللبنانية. 

يأتي الارتكاز إلى الفلم كنموذج لعملية تناول ومعاجلة التمثيلات لواقع معين، ليس فقط بناء على ما قدمه هذا الفلم بحد عينه، إنما للاعتقاد بالارتباط بين الإنتاج الأدبي وبيئته كفاعل أساسي في ترسيم معالمه. حيث يأتي موقع الأدب النقدي في المجتمع كحصيلة للإبداع الذاتي في التعبير عن انعكاس حركات الواقع، محملاً إياها بموقف ورسالة "الكاتب الوسيط" كما عرفه لوسيان غولدمان،2 الذي – أي الكاتب الوسيط- يضطلع بمهمة تقديم بنية أدبية قد تأخذ شكلاً روائيا أو سينمائياً كأمثلة غير حصرية  لحقول الأدب الإنساني، حيث "إن الثورة بتعبير آخر لا تقول أن الفن الثوري هو فن الذات، أي فن الإبداع الشخصي، إلا لأن الذات كانت غائبة: لم تكن ثمة ذات، بل أشياء ومنظومات ومؤسسات إلا لأنها تريد إعادة الوحدة بين الذات والموضوع".3 بالتالي نصل إلى  هذه البنية المقدمة لتصورات مبنية على شبكة من التواطئات والتفاهمات بين مجال رؤية هذا الكاتب الوسيط والجماعة الإنسانية التي ينطق بلسانها من خلال إنتاجه الأدبي، سواء اتخذت شكل طبقة، جماعة عرقية، شعب، آو أي إطار ناظم آخر للجماعات الإنسانية.

كذلك يأتي دور النقد ليرصد ويلتقط هذه المحاولات في العمل، تقديما لتأسيس وعي بوجود هذا الأدب، على الرغم من صعوبة حصر المحتوى التعبيري حول تاريخ حقبة معينة من مسيرة شعب مستعمر، وهذا منبعه التشابك المكثف للعلاقات الكولينيالية بالطبقية وبالقومية منها، الأمر الذي يفرض فهماً مغايراً لما هو قائم في أي مجتمع آخر. هذا حتى لو أثبتت الحفريات المعرفية عناصر التقاء فيما يتعلق بنمط الإنتاج واللغة والثقافة كمعطيات نسبية.  ويعزى السبب في ذلك، إلى أن تفكيك العلاقات والبنيات – على سبيل فهمها- في المجتمع اللبناني؛ لا يتم بأي شكل ضمن ذات التصدي التفكيكي للمجتمع الجزائري في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، أو الأرض المحتلة في الثمانينيات مثلاً، بل يمكن سحب هذه المقاربة على مجتمع الشتات الفلسطيني في لبنان كذلك، على الرغم من وفرة العناصر المشتركة ما بين الأخير والمجتمع اللبناني. وهنا تبرز أهمية التعاطي النسبي والمتسق مع السياقات التاريخية لإنتاج الظواهر، بعيدا عن أي نزوع للحتمية، تجنباً للتنميط الطوباوي، لصالح عقد علاقة معرفية تنبثق من الواقع الذي أنتج الظاهرة، وعلى المستوى ذاته العمل الأدبي الذي يتناولها.

وفي سبيل تكثيف التأطير لتقابل البنى الداخلية للأدب مع البنى الخارجية للواقع، نجد أن "هناك في الحقيقة واقعان لا واقع واحد، على الأقل في هذا المجال الذي نتحدث فيه، هناك واقع الخطاب الروائي نفسه، وهناك الواقع الإنساني بكل ما يحتدم فيه من حياة وإنتاج وممارسات، وان يكن الواقع الروائي جزءا منه".4 وفي الإيضاح وسبيل تقديم فهم أعمق وأكثر شمولا لجوانب أكثر اتساعا، يقدم محمود أمين العالم خلاصة مكثفة مفادها "أن الأدب والفن عامة، والخطاب الروائي بشكل خاص، هو بنية حية تزخر بكل ما تمثله البنية الحية من تشكيل ملتحم التحاما عضويا بمادته وبوظيفته الفاعلة المؤثرة... وهو معلول للواقع وان يكن قيمة مضافة إلى هذا الواقع سلباً أو إيجابا".5

انتقالا للتعاطي مع تمثيلات الفلسطيني أو صورته عبر الحرب الأهلية كما قدمها الفلم، يستطلعنا ضمن المشاهد الأولى، رصد اقرب إلى التوثيق أو إعادة تجسيد مشاهد حية؛ تقدمه الكاميرا من زاوية "نظر الطائر" من خلال عين المشاهد لشخصية طارق المركزية في العمل. حيث يظهر الفلسطيني هنا كعنصر أساسي في حادث اندلاع الحرب، لكن بدور الضحية-بالمعنى المباشر- على اثر الهجوم على الحافلة في عين الرمانة، والتي مهدت بدورها لانطلاق الحرب وتوريط الفلسطينيين ليكونوا طرف اشتباك. بناء عليه، يلمس ضمن حركة هذا المشهد تصويرا للمجزرة التي وقعت بحق ركاب تلك الحافلة من اللاجئين الفلسطينيين، والتأكيد على كونهم ضحايا لكمين قام به رجال الميليشيا الانعزالية، وهو ما يعزز الرواية السابقة حول الدخول الفلسطيني لساحة الصراع عبر التورط فيها، بوقوعه ضحية في الحادث الذي مثل الشرارة للحرب، بالترافق مع حالة الخطاب المشحون لدى كلا الطرفين، انطلاقا من البون الشاسع في الرؤية والظروف بالتالي البون في المصالح وتناقضها. 

وتأكيدا على طابع العمل المحايد لواقعه والواعي له، فقد اختار المخرج وكاتب النص آلة تصوير بين أيدي الشخصيتين المركزيتين- طارق وعمر-، يوثقان بها مشروعهما في ظل ظروف الحرب، حتى أمست آلة التصوير هذه محوراً ينتقل بين مشاهد الفيلم للربط العلائقي بين بيروت الشرقية والغربية وتوصيف العلاقة بينهما والتأصيل لشكلها، من خلال محاولة أو محاولات السفر إلى بيروت الشرقية بهدف تظهير شريط آلة التصوير. بينما تكمن الصورة الثانية التي قدمت للفلسطيني، بشكل المقاتل "الفدائي" الذي يقف على نقاط التماس بين البيروتين ببندقيته. بالتالي يقترب من رسم تشكيل صورة لطبيعة العمل الفدائي الميداني الذي اضطلع به الفلسطيني المقاتل في بيروت، وهنا يلاحظ الانتقال في العمل، من إبراز الفلسطيني ضحية المجزرة، إلى الفلسطيني المقاوم للمشروع النقيض، عبر التفاعل مع المجريات الواقعية، والتي أوصلته عبر سلسلة من التحديات لحالة التعاطي مع ما فرض ميدانياً، في سبيل الدفاع عن الوجود وبالتالي عن المشروع السياسي المتعلق بهذا الوجود.

أما لاحقاً، فقد ظهر الفلسطيني ضمن الجموع المدنية التي تهرول إلى الملاجئ في حالات القصف للمناطق السكنية ووقوع الاشتباكات فيها، وظهر رهط من السكان المدنين من لبنانين وفلسطينيين ولاجئين من الجنوب اللبناني إلى بيروت في حالة انسجام مصيري خلال إسراعهم باتجاه الملجأ، مع بروز حالة "الجارة" اللبنانية التي تتعارك مع الجميع من حولها؛ والتي ترفض الوجود الجنوب لبناني للمهجرين والوجود الفلسطيني حولها. وكان موقفها ظاهرا من خلال كيل الشتائم تجاه من يحيطون بها من جيران، والتقاطها لعربة نقل عسكري للمقاومة الفلسطينية والهجوم عليها بحجة أنهم السبب في الدمار. وهذا موقف قطاع من المجتمع اللبناني الذي تشكل تجاه الفلسطيني واللبناني الجنوبي بالإضافة إلى اللبناني المندرج ضمن الحركة الوطنية اللبنانية في مقاومة المشروع الانعزالي في شرق بيروت، هذا الموقف الذي أتى محملاً بتأثيرات خطاب اليمين اللبناني، ضد الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينية وجمهورهما.

يظهر الفلسطيني في بعض المواضع، وفقاً للمنطقة وللجمهور كجسم غير مرغوب بوجوده، بل وكجسم نقيض، وهذا مرده إلى حالة التناقض الأوسع بين المعسكرين في الحرب الأهلية، والتي خلقت مزاجا من التوتر جماهيرياً بين مختلف القطاعات المكونة لمجتمع بيروت، ويؤشر على هذا التوتر  النابع من الحرب بحد ذاتها وحالة الشحن المبنية عليها؛ من خلال الحضور المكثف للسجائر والكحول في الملجأ، مما ينم عن حالة عدم ارتياح متبادلة تسود الفضاء المعيشي في بيروت آنذاك.

يعود الفلسطيني ليظهر بمكان الضحية في الفيلم مجددا، هذه المرة من خلال تمرير مانشيت في جريدة يحملها "طارق"، حيث يشير المانشيت إلى أن: " تل الزعتر يقصف بعنف".6 وهنا تتكرر الإشارة إلى الفلسطيني، على الرغم من عدم حضوره الحسي في اللقطة التي استند المشهد في بنائه إليها. هنا نعود مجددا إلى الحيز الأولي في تصوير الفلسطيني ضمن هذا العمل. وبكلام آخر، تصويره على انه ضحية جرائم الحرب الأهلية المرتكبة من قبل اليمين اللبناني وحلفائه. وفي هذا اتساق مع الواقع وبعداً عن مجانبته في عملية التصوير السينمائي وبناء العمل، هذا أن مذبحة تل الزعتر تمثل حدثا تاريخيا لا زال  يتمتع بحيز من التأثير في الذاكرة الجمعية والتأريخ للتجربة الفلسطينية في لبنان، كما أن قتل 3000 من اللاجئين المدنين عبر هجوم وحصار يستهدف أساسا حركة مقاومة مشروعة لمشروع كولينيالي عنصري يتمثل "بإسرائيل"، ما هو إلا خضوع وتماهي محايد لأجندات استعمارية تترجم في مشروع يتخذ شكلا طائفيا عنصريا.  كما لا تصب هذه الأجندات ولا بأية حال ضمن نطاق المصالح اللبنانية، أو أمن وسلم لبنان الأهلي، بل على العكس كانت هذه المذابح وأحداث مثيلة أخرى، هي شرارات –من شرارة- لإبقاء فتيل الاقتتال والحرب الأهلية دائراً، بهدف تصفية المشروع الوطني اللبناني، والقضاء على وجود منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل العمل الثوري في لبنان.

 بالتالي، إن التأشير إلى هذا الحدث في البناء الدرامي للعمل، يضفي عليه المزيد من الواقعية والمزيد من القدرة على عكس الواقع بتفصيلاته الفاعلة، فلم يختر المخرج أن يضع ما يتعلق بتل الزعتر على لسان إحدى شخصياته، بل وبسياق يتمتع بقدرة الخلق الإبداعي قام بالإشارة إلى الحادث وإثارة السؤال عبر هذه اللقطة الذكية من زاوية نظر العين باتجاه الجريدة ضمن حركة العدسة المتواترة وفقأ لحركة "طارق"، -الذي يمثل هنا الشخصية التي تحمل الجريدة- مما يؤشر إلى مدى التوتر الذي أثارته قضية تل الزعتر،  حيث نجد حركة العدسة في هذا الموضع تعكس سلسلة من الانفعالات النفسية الاجتماعية، والتي أخذت ترجمات سياسية على امتداد الحرب الأهلية مرورا "بشطب" مخيم تل الزعتر من مكانه، حتى تصفية مشروع المقاومة الفلسطيني في لبنان عملياً. كذلك يستكمل الفلم تمثيل الضحايا مجددا، حيث يظهر سيارات الإسعاف تنقل مجموعات من الجرحى والشهداء (الفلسطينيين واللبنانيين) على اثر قصف تعرضت له الأحياء السكنية في بيروت الغربية. وهذا إعادة تأكيد من قبل الفلم على عدم صبغ الفلسطيني بصورة  نمطية واحدة، وإنما التماهي مع الواقع وعكسه عبر الصورة الفنية الأعم للعمل.

يلي هذه اللقطة تصويراً آخر للفلسطيني عبر مشهد طويل في الشارع، يرصد هذا المشهد حوارا سريعاً عبر تبادل التحية مع مقاتل "فدائي" من مقاتلي المشروع الوطني  التقدمي في بيروت الغربية، متحدثا عن مدفع أل "أر بي جي" خاصته، مشيرا "أنهم" تطوروا من بندقية الكلاتشن ِِAK47إلى استعمال مطلق القذائف المضادة للدروع "أر بي جي". مما يقودنا للتساؤل عن مسيرة تطور العمليات العسكرية للمقاومة في بيروت الغربية، هذا بالترافق مع تطور مجريات الحرب الأهلية وتفاقم التحديات، حيث برزت الحاجة لمواجهتها عبر رفع مستوى المواجهة العسكرية والتسليح، مستفيدين من بعض التحالفات الإقليمية والدولية. في الوقت ذاته؛ ساعين لمواجهة شبكة التحالفات الاستعمارية مع اليمين اللبناني بما يمكنهم من الصمود والانتصار لمشروعهم.  وهنا يلمس انعكاس لصورة مختلفة عن سابقتها التي تشير عدستها إلى وقوع هذا الفلسطيني ضحية المذابح على يدي اليمين وحلفائه، إلا أن هذا الفلسطيني كذلك، يمتلك من الإرادة والقدرة على المواجهة ما أهله للوقوف ببندقيته أمام المشروع المضاد. وهذا ما تفرضه حركة الواقع، حيث أن التنميط لا يجدي لدى الحديث حول التجربة الفلسطينية بشكل عام وعلى وجه التحديد شقها اللبناني، الذي يشهد له بالتنوع والاختلاف في مختلف الحيثيات، حتى سياسياً كان لدى كل طرف من أطراف المنظمات الفلسطينية رؤيته ومشروعه الذي يذهب به عبر مجريات الحرب الأهلية.

استكمالا لتصوير حالة التوتر والشد -إن صح التعبير-، يظهر على امتداد مشهد يصور محاولة انتقال المراهقين الثلاثة إلى بيروت الشرقية، لدى وصولهم إلى حاجز الحماية من طرف بيروت الغربي، حيث تم طرد الشخصيات الثلاث عن الحاجز بعد تعرضهم لبعض السخرية والتنمر من قبل المقاتلين، بحضور كثيف للسجائر التي يعطى منها علبة كاملة لهؤلاء المقاتلين تجنباً لغضبهم، وفي هذا إشارة إلى حالة عدم الارتياح السائدة في أوساط هؤلاء المقاتلين. من ثم في إحدى اللقطات المتجهة لإقفال المشهد يذكر المقاتل المسؤول عن الموقع؛ أنه في اليوم السابق قتل 8 أشخاص بالقرب من هنا بنيران القناصة من بيروت الشرقية ولم يستطع المقاتلون إنقاذهم أو حتى استعادة جثثهم. وفي هذا تفسير لسبب منع المدنيين من الاقتراب في محاولة الانتقال إلى بيروت الشرقية، والى أن حالة الغضب والتنمر من قبل المقاتلين لم تأت بدوافع ذاتية، بقدر ما هي سلسلة من ردات الفعل على واقع معاش بشكل مكثف ويومي ضمن مواجهة تضع حياتهم ووجودهم فيها على المحك.

 

وفي مشهد آخر يظهر المقاتل "درويش- حامل أل "ار بي جي" الذي كان يعمل على تأمين الحماية للحي الموجود فيه، في عراك مع "الفران"، بهدف الحصول على كمية من الخبز للمقاتلين، في ظل حالة من شح الموارد الغذائية ومنها الطحين. حيث أن التناقض الكامن هنا في كلا الصورتين يدفع للتساؤل عن الظروف التي عايشها هؤلاء المقاتلون وأهالي بيروت الغربية عموماً، مع أهمية عدم إغفال الحدث كمؤشر على حالة من المزاج العام المتوتر والمشدود نتيجة إحساسه بالخطورة، بينما كانت القذائف التي تدك بيروت الغربية قادمة من بيروت الشرقية لا تميز بين بيت لبناني وآخر فلسطيني أو بين مقاتل وآخر. وهذا ما يؤشر عليه الفلم بدقة متناهية.

 إلى جانب أن تجارب الاختلاط في الحياة اليومية في ظل الحروب والنزاعات ما بين المقاتلين والمدنين تفرز العديد من التناقضات المتعلقة برؤية كل منهما والدور الذي يتمتع به ضمن خارطة علاقات السلطة والقوة وتوزيعها. هذا إن هذه الخارطة تتعرض لإعادة توزيع للأدوار، كما يظهر في مشهد لاحق يفرق فيه المقاتلون الازدحام الناجم عن عراك في الشارع، وسعيهم السريع لتنظيم حركة السير وإعادة انتظامها. كذلك ظهر دور مقاتلي المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية التفاعلي مع الجماهير في بيروت الغربية، لدى تصويرهم أثناء حماية المدنين من طلقات المشروع الانعزالي التي هاجمت موكب تشييع رمزي في احد الأحياء لقائد الحزب الاشتراكي التقدمي آنذاك كمال جنبلاط.7 حيث يلاحظ هنا ارتباط وتفاعل بين حبكة أو حبكات العمل، هذا بالعودة إلى افتتاح العمل بمشهد إطلاق النار من قبل الملثمين اليمينيين على الحافلة الفلسطينية، وصولا إلى إطلاق النار من قبل ملثمين يمينين أيضا على موكب التشيع.  بهذا عمل المخرج على الربط بين عناصر الحرب المتنوعة وإيضاح شبكة الاصطفافات والتناقضات فيما بينها. حيث أن الحافلة تعرضت لإطلاق النار كونها تقل فلسطينيين، والموكب تعرض لإطلاق النار كذلك، هذا انه موكب تشيع لقائد وطني معارض للمشروع الانعزالي، وبناء عليه، يبرز مدى الملاحقة التي تعرض لها الفلسطيني وكل من دعمه ووقف في خندقه أثناء التجربة اللبنانية.

 

في المشهد الختامي الذي تقفل فيه عدسة الكاميرا؛ يصور الفلم عدة مشاهد توثيقية مأخوذة من شوارع بيروت الغربية والسجالات السياسية التي كانت تدور بين أطراف الحرب، من خلال عرض لمشاهد حقيقية تصور ذلك، تظهر فيها شعارات الحركة الوطنية والفصائل الفلسطينية على جدران بيروت الغربية كما تظهر عدة وجوه منها وجه ياسر عرفات-زعيم منظمة التحرير  الفلسطينية آنذاك-. يليه مشهد لعجوز فلسطينية في أزقة احد المخيمات ملوحةً ببندقية رشاش M16، في إشارة تنبع من تتابع اللقطات إلى الفراغ الذي خلفه خروج منظمة التحرير من بيروت عقب الاجتياح الواسع والحصار، ويفتح باب النظر إلى ما بعد تلك المرحلة، بمعنى عدم التوقف لدى نهاية الفلم، بل استكمالا في الواقع لا في الفلم.

 

بعد الوقوف على ما يقدمه المخرج زياد دويري في فلمه، يتضح أن الفلسطيني قد ظهر ضمن هذا العمل بعدة صور؛ تشكل في مجملها الإطار العام للوجود الفلسطيني في لبنان. حيث تناول الواقع الفلسطيني من مختلف الزوايا وان كان بتركيز جزئي في كثير من الأحيان، وفي أحيان أخرى باستخدام الاستعارة، كمثل التأشير إلى الموقف الفلسطيني عبر رصد موقف وحركة احد مقاتلي المقاومة الوطنية اللبنانية.

 

إلا أن العمل وأي عمل غير مطالب بالتفرد في حيثية معينة والانطلاق بها، بل محاولة عكس الواقع فيه قدر ما يتيح الشريط العام للعمل. حيث تناول الفلسطيني اللاجئ  والملاحق، الذي وقع ضحية المجازر والتنكيل من قبل اليمين اللبناني والعدوان الإسرائيلي المستمر، إلى جانب الفلسطيني المقاتل الذي يعيش مختلف التحولات النفسية والاجتماعية المرهونة بالوضع السياسي ومسألة الوجود الفلسطيني في لبنان برمته، وبين الضحية وبين المقاتل يحاول العمل على ردم الهوة التي تدفع للنظر إلى الفلسطيني على انه ذاك الكائن الذي يتمتع بهذه الصفات. لا بل إن التنوع في الصور المقدمة كما ظهر في الفلم قد غطى مساحات مقنعة من الفضاء العام والقضايا الجمعية، بالموازاة مع توثيقه لتجربة أو تجارب فردية أثناء هذه الحرب. وان كان هذا التوثيق الفردي منصباً أكثر حول رحلة المراهقين الثلاثة في الحرب لا على الفلسطيني ذاته، إلا انه يمس جوهر الصراع في تلك الحرب.

 

إضافة إلى ذلك كانت المعادلة ما بين الوطني - "القومي" والطبقي دائمة الحضور، عبر رصد حيثيات المعيشة في الأحياء الشعبية، والنزاع مع الفئات التي تبرز معاناتها على المستوى الفردي ومستوى الملكية الفردية، مثل المشهد الذي وقع فيه عراك نتيجة حادث سيارة، حيث يبدو التمحور حول حالة وموقف فرديين من قبل أي من الشخصيات في ظل الوضع العام الذي يعاني حربا أهلية طاحنة، ما هو إلا تعبير سينمائي عن الفروقات في الاهتمامات النابعة من الامتيازات الطبقية، والتي تنعكس بدورها في الفكر والرؤية السياسيين لدى الشخصية التي يقدمها العمل، بالتالي تعد تمثيلا لحقائق قائمة على ارض الواقع.

 

وما بين الانتماء التقليدي" بمعنى الطائفي" وبين الانتماء الأكثر حداثية، يقدم المخرج دوما شخصيات العمل في حوارها المستمر حول قضية الانتماء، لبيروت، للبنان، للعرب، للفينيقيين أم للموارنة. حيث يخلص إلى بث رسالة تفيد بعروبة الانتماء لدى "الغرب بيروتيين"، مقابل الانتماء المنحصر في الطائفة والميليشيات الطائفية في شرق بيروت، وهذا ما اتخذه شكل التناقض أثناء الحرب الأهلية.

أما المرأة فهي دائمة الحضور، من الأم التي لعبت دورها الفنانة كارمن لبس، إلى الجارات الأخريات والمعلمة الفرنسية، لكن المرأة الفلسطينية لم تتمتع بحضور في هذا العمل باستثناء ظهورها من بين الضحايا المدنيين، وبشكل خاص المشهد الافتتاحي الذي يصور أولى الضحايا لمجزرة الحافلة في عين الرمانة، التي كانت تلك المرأة التي تتلقى طلقة نارية في رأسها عقب خروجها من الحافلة، إضافة إلى المرأة في المشهد الختامي التي تلوح بالبندقية.

 

 كما تجدر الإشارة إلى أن ظهور المرأة الفلسطينية في العمل اتخذ شكل الرصد التوثيقي بدايةً بالتعبير عن حادث وقع فعلا وتناول تفاصيل هذا الحادث، وصولا للمرأة في المشهد الأخير المأخوذ من تصوير توثيقي حقيقي فترة الحرب، حيث لم  يلقِ الفلم الكثير من الجهد باتجاه تمثيل المرأة الفلسطينية بشكل خاص، إلا أن الاعتراف بحجم القدرة على عكس الواقع وإبداع طريقة تقديمه فنياً في الفلم تبقى حاضر.

---------------

*نضال الزغير: منظم أنشطة الإعلام والتواصل في مركز بديل.


1الحرب الأهلية اللبنانية1975-1991: بدأت بحادث عين الرمانة في العام 1975، حيث أقدمت مجموعة من مقاتلي ميليشيا اليمين اللبنانية على ارتكاب مجزرة بحق ركاب حافلة فلسطينيين في منطقة عين الرمانة في ال13 من نيسان، واندلعت بعدها سلسة من الأحداث الصراعية بين المعسكر الوطني اللبناني-الفلسطيني، وبين ميليشيات اليمين المتطرف  اللبناني عبر هذه الحقبة،كما  يظهر حادث عين الرمانة  بوضوح في الفلم من خلا شهادة احد أبطال العمل" طارق نويري"، على الحدث من نافذة مدرسته. 

2لوسيان غولدمان1913-1970:  منظر المدرسة البنيوية التكوينية في دراسة الأدب، وقد قدم نظريته  بناءا على خلاصات أعمال جورج لوكاتش في النقد الماركسي، مطورا إياها عبر الاستفادة من أعمال  عالم اللسانيات فريدان دي سوسير، وفي حقل الانثروبولوجيا مرتكزا إلى كلود ليفي ستراوس..

3ادونيس. زمن الشعر. دار الساقي.بيروت.ط6، 2005.

4العالم، محمود أمين. أربعون عاما من النقد التطبيقي-البنية والدلالة في القصة والرواية العربية المعاصرة. دار المستقبل العربي.القاهرة.1994.

5المصدر السابق.

6مذبحة تل الزعتر: وقعت عام 1976، حيث قام بها الجيش السوري والميليشيات اللبنانية اليمينية بحق اللاجئين الفلسطينيين في مخيم تل الزعتر-بيروت الشرقية.وراح ضحيتها أكثر من 3000 فلسطيني حيث تم القيام بعمل إبادة جماعية لسكان المخيم .

7كمال فؤاد جنبلاط (1917-1977): احد أهم الشخصيات القيادية اللبنانية أثناء الحرب الأهلية، ويعد "زعيم" طائفة الدروز، وقائد الحزب الاشتراكي التقدمي، وقد آتى اغتياله في 16 آذار 1977، على اثر مواقفه الداعمة والداعية لحماية السلاح الفلسطيني ومشروع المقاومة في لبنان.