×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

المُكلَّفون بحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بين المُساعدَة الإنسانية وحمايَةُ الحُقوق التجاهل، والانتهازية، والنفعية

مخيم مار الياس للاجئين الفلسطينين في لبنان (المصدر: بديل) مخيم مار الياس للاجئين الفلسطينين في لبنان (المصدر: بديل)

بقلم: د.أحمد مُفلِح*

 

سؤال إشكالي يُطرَح هُنا فَور تناوُل هذا الموضوع:

كيف لشعب تِعدادُه أكثر من احد عشر مليونا، وينتمي لأمّة ممتدة من الرباط الى عدن، وصاحب أصدَح حقٍ بوجه أبشع قوّة عنصرية في التاريخ المعاصر وأعتاها، وصاحب التجربة النضالية والثورية المديدة بين الثورات التحررية في العالم، وشعب آلاف الشهداء الذي لم يبخل، أو يتوان لحظة في سبيل حقوقه ووطنه؛ كيف لهذا الشعب ان ترعاه وكالة منبثقة عن أكبر منظمة دولية اليوم، تدّعي الحقوق والأمن والسلام للعالم كله؟! والأكثر أن هذا الشعب أعلن شخصيته المستقلة التي تحفظ حقوقه وتصون ثورته وهويته الوطنية منذ حوالى خمسين عاماً. هذا الشعب الذي يمتاز أبناؤه بالتضحية وارتفاع نسبة التعليم وديناميكيته وبطولاته وتمسكه بثوابته الوطنية وأرضه الأم... كيف لهذا الشعب، أن تُنتهك حقوقه وتتعرض لمخاطر الضياع في ظل استمرارية الانتهاك والإغفال؟

سؤال لا شك في اتساعه وتشابكه  يدفع بتساؤلات أشد إشكاليةً: فهل هذه الحقوق انتُهكت بسبب هذه السمات "النظرية" التي لم تنفع هذا الشعب بشيء عملي، بمعنى ماذا قدّمت هذه الولاءات العربية والإسلامية والدولية والهوية الوطنيةعملياً – إلى هذا الشعب الفلسطيني؟ وبصيغة أخرى، إلى أي مدى استفاد الفلسطيني من هذه الولاءات، أو التدخّلات، في حل قضيته؟ ماذا خدمته العروبة والعرب سوى المزيد من الهزائم والتنكيل والمؤامرات والحتميات والينبغيات الفارغة؟ وبماذا أفاده التديّن السياسي أو الحزبي أو الأيديولوجي؛ سوى تهميش صورته وقضيته وشدّه إلى الوراء وإخراجه من دروب التقدّم والمعاصرة والمعرفة والعقل؟ وماذا أعطته المنظمة الدولية غير محو هويته الوطنية لحساب صفة "لاجئوقضت على قضيته العادلة والإنسانية والمحقة...؟ فاستبدلَتْ أرضه بـ"صندوق" إعاشة باسم العدل الدولي وحقوق الإنسان والسلام العالمي!

أما هويته الوطنية، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، فعلى الرغم من ضرورتها لإخراجه من المهاترات العربية وأكاذيب أنظمتها وميوعة -إن لم نقل تآمر- قراراتهم وتفاهتها، لكنها لم تقدم أسس وركائز هذه الهوية الوطنية، بل بغباء أو لقلّة حيلة، أغرقت قيادات هذه المنظمة بعض شعبها بمغاطس ومزالق سحبت منه هويته الثقافية. فحوّلته، نظراً إلى شوفينيتها وغياب العقلانية والمؤسساتية في عملها، إلى دروب الغوغائية، والبلادة، والنفعية، والوصولية، والانتهازية... وحوّلت البعض الآخر إلى بائس ومشرد ومعدم محشور في سجن هذا النظام العربي أو ذاك.

ان التشخيص لوقائع تجربة الشعب الفلسطيني، يشير إلى أن هذا الشعب لم يستفد من المد الشعبي العربي الذي قُدّم إليها، والسطوة التي حققها "فدائيو" الستينيات والسبعينيات، بل انقلبت عليهم، وراحت تلهث وراء رؤساء الأنظمة الرسمية والدولية، خُدعت بالسجاد الأحمر، ولم تدرِ كيف سُحب هذا السجاد من تحت أقدامها، بعد أن ضاعت الأرض وتراجعت القضية، وتعمق تشرذم الشعب، واستثني أكثر من نصفه في خضم الركض وراء وعود السلام.

مُقدّمة مطولة، لكن لا بد منها في محاولة التعرف إلى دور المكلفين، موضوعياً ومعنوياً، في حماية الحقوق الفلسطينية بشكل عام؛ إذ أن هناك مسؤوليين بشكل مباشر وبدرجات مختلفة عن حماية هذه الحقوق، أو تضييعها، مثل الأنظمة العربية، والأمم المتحدة، والقيادات والفصائل الفلسطينية، السياسية منها، والاجتماعية المتمثلة اليوم بالجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني. كما أن هناك أيضاً الدوافع غير المباشرة، أو المعنوية، التي تؤثّر في هذه الحقوق الفلسطينية، والتي لها دور فاعل، وإن لم يكن منظوراً، أي المتعلق بالعقلية والثقافة الوطنية، خصوصاً على المستوى العربي. وأبرز هذه الدوافع المعنوية يكمن في "الحتميات" القومية والدينية، بدءا من الوحدة العربية، إلى القائد الملهم الحكيم وصولاً إلى عجلة التنمية وغيرها، على افتراض أن تشكيلة الحتميات هذه  سوف تحرر فلسطين وتستعيد الحقوق، أو لان كل حجر في يوم ما سيتكلم ويقول خلفي يهودي اقتلوه! ولا ننسى طبعاً دوافع أكثرية الدول الغربية المبنية أيضاً على الدوافع الدينية (خصوصاً التعاليم المسيحية المبنية على التوراة)، والمصالح المادية، وهذه الدوافع كلها تؤثر في سياسة ومواقف أعضاء وداعمي المنظمة الدولية (هيئة الأمم المتحدة) وقراراتها.

دراسةُ حالة: الفلسطينيون في لُبنان

يُمثّل الفلسطينيون في لبنان حالة خاصة، لا تشبهها أيُ حالة فلسطينية أخرى، حتى تلك التي ترزح تحت نير الاحتلال الصهيوني. ولا حتى أي حالة إنسانية في العالم. فمهما قيل وحُكي عن قهر في العالم، فهو لا يرتقي بصلفه ليصل مستوى مماثل للقهر الذي يظلل الفلسطينيين في لبنان، وذلك لأسباب  منها أن ما يقع عليهم في لبنان هو من ظلم ذوي القربى، عربياً وإسلامياً، وهذا أشد مضاضة. يعتبر الفلسطيني نفسه في لبنان أنه بين أهله في العروبة والدين، ولكنه يعيش غربة نفسية ومكانية بغيضة، حيث الدولة وبعض المجتمع يجهله ويتجاهله، إلا من بعض القوانين القمعية والأمنية، التي أسقطت عنه إنسانيته، أو حتى اعتباره مخلوقاً من حقه أن يأكل ويعمل ويعيش ويسكن في بيت يأويه. فالعمل ممنوع عليه، وامتلاك بيت ممنوع، بعض المناطق لا يسمح له بزيارتها، الضمان الصحي ممنوع، العمل السياسي للتعبير عن قضيته مستحيل (لولا سياسة الأمر الواقع وحال الشرذمة التي يعيشها المجتمع اللبناني وتأييد بعض اللبنانيين للقضية الفلسطينية).

إضافة لذلك، فان صورة الفلسطيني في القاموس الرسمي تتمحور حول كونه إرهابيا، المُدان دائماً بقضايا أخلاقية وجزائية وجرمية وأمنية... وغيرها؛ حتى ولو لم يقترفها، فحسبه فلسطينيته كي تشكل ذريعة لإدانته، بمعنى أن كل فلسطيني في لبنان، مُدان بشكل أولي بجريمة لم يرتكبها... وليس حتى يثبت العكس، إذ لا داعي ولا مجال لإثبات العكس. هنا على سبيل المثال لا الحصر؛ نتذكر قضية يوسف شعبان من مخيم برج البراجنة التي اتهم بقتل الدبلوماسي الاردني في بيروت، لكن على الرغم من براءته ومن إلقاء القبض على الجُناة الحقيقيين ومعاقبتهم، بقي في السجن طيلة 16 عاماً ورفض القضاء إخلاء سبيله... لا لشيء بل لأنه فلسطيني!).

القضية الأخرى التي تجعل من فلسطينيي لبنان حالة مميزة وغريبة؛ هي أن هُيّئ لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تحكم قسماً كبيراً من لبنان، حيث كانت قيادتها تتدخل حتى في اختيار رئيس الجمهورية والوزراء والقادة... ولكنها لم تفعل شيئاً أو تمارس تأثيراً في سبيل تطوير القوانين اللبنانية التي ترعى حياة الفلسطيني هناك، كما إنها لم تعمل على تغيير حياة الفلسطينيين ومخيماتهم فيما يتعلق بالأوضاع المعيشية. على العكس تركت هذه القيادة الفلسطينيين في لبنان بلا حماية فعلية يواجهون ما تراكم من  أحقاد نتيجة سلوكيّات مُشينة، ومواقف حزبية وسياسية، وتركتهم خلفها في عام 1982 عرضة للمجازر والانتقام، من الأجهزة الرسمية اللبنانية والمليشيات والأحزاب كافة، ولم ينته هذا الإرث إلى اليوم بعد  مرور أكثر من ثلاثة عقودً.

كما تجدر الإشارة في هذا الموضع كذلك؛ إلى الدور القومي العربي، متمثلاً بالوجود السوري في لبنان لما يزيد عن ثلاثين عاماً. فيبدو أن  دور هذا الوجود وتأثيره في السياسة والمجتمع اللبناني، ليس بحاجة لكثير من التمحيص  في سبيل فهم مدى اتساعه، بل يمكن لمسه بشكل جلي. لكن ماذا فعل للفلسطينيين، وكيف انعكس على حقوقهم وحياتهم؟ المزيد والمزيد من الإلغاء والقهر والتنكيل وتدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها، (من تل الزعتر وجسر الباشا ونهر البارد والبداوي... إلى حرب المخيمات مع حركة أمل في بيروت وصورلا بل ساهم هذا الوجود، من خلال أعوانه، باتخاذ أبشع القرارات ضد الوجود الفلسطيني ومعيشته، بدءاً من دوريات التفتيش عن العمال الفلسطينيين من قبل وزارة العمل التي كان على رأسها عبدالله الأمين (1992)، وهو الأمين العام القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي، إلى تاشيرة الدخول والخروج للفلسطينيين من لبنان (1998)، إلى قرار منع التملك والتوريث لمنزل يعيش فيه  الفلسطيني أثناء حقبة  رئيس الجمهورية إميل لحود (2001). هذا بالإضافة أيضاً إلى قرارات إدارية أخرى تتعلق بالحياة اليومية والإجراءات المتعلقة بالحصول على المراجعات في الدوائر الرسمية والأقساط الجامعية وغيرها.

هي صور بشعة تدور حول فقدان حقوق الإنسان الفلسطيني في لبنان، أثّرت، وتؤثّر في التفات الفلسطيني إلى متابعة حقوقه الوطنية والمطالبة بها والتعبئة في سبيل استعادتها. تلهّى بيومياته السوداوية، وانشغل، ولا نقول نسي، الهم الأكبر، ألا وهو قضيته الكبرى. ولا نتهم، ولكن نربط إشكالياً، وعلى سبيل الافتراض بين هذه الإجراءات التنكيلية بمستوياتها المتشابكة، وتصميم الفلسطيني على تمسكه بحقوقه الوطنية، وتحديداً، بل أهمها حق المحافظة على هويته الوطنية، وحقه  في العودة إلى أرضه. هي سياسة غير مباشرة لإجبار الفلسطيني على الهجرة ليس خارج لبنان، بل خارج المنطقة كلها، إلى غياهب الدول الأوروبية، لينسى قضيته، ويُغلق ملفه. ولمزيد من التوضيح حول دور المكلفين بحماية حقوق الفلسطينيين في لبنان نتوقف عند:

1- دور الدولة اللبنانية:

بغض النظر عن المواقف التي اتخذتها، وتتخذها الدولة اللبنانية تجاه الفلسطيني في لبنان، والتي تداخلت فيها عوامل الانقسامات الطائفية وطبيعة النظام الرأسمالي اللبناني، وقضية انتمائه العروبي وغيرها، نسأل: ماذا عملت الدولة اللبنانية الرسمية لحماية الحقوق الفلسطينية، وتحديداً حقوقهم بأرضهم ووطنهم وحق العودة؟ وهنا مرة أخرى نميّز بين مواقف الدولة الرسمية السلبية، ومواقف بعض الأحزاب والحركات والشخصيات السياسية والأفراد الكُثر من عامة الناس الذين أيّدوا ودعموا وضحّوا بأرواحهم وحرياتهم في سبيل هذه القضية ودفاعاً عن الفلسطينيين وحقوقهم، ولهؤلاء جميعاً ألف تحية وتحية.

باختصار، واختصار شديد يمكن إيجاز الموقف الرسمي اللبناني وسلوكه من الحقوق الفلسطينية بالآتي:

- إسقاط الهوية الفلسطينية:تعامل لبنان مع الفلسطيني على أرضه بصفته لاجئاً ترعاه مؤسسة الأنروا، أو أجنبياً لا دولة له، أو عربياً، أو "فئة خاصة" (أسقطوا عنه حتى الأجنبي أو العربي أو الفلسطيني اللاجئ، كما أسقطوا عنه لفترة حقه بالحصول على جنسية أخرى وحمل جنسيتين، من خلال شطبه من القيود الرسمية في لبنان، ولكن عادوا تحت الضغوط الشعبية وسمحوا بإعادة هذه القيود لمن يريد)، لكن مع تحفظات على قرارات جامعة الدول العربية التي تعتبره مواطناً (له حقوق المواطنة كاملة)  في دول اللجوء من دون الحصول على الجنسية. ما أدّى إلى تغييب معظم الالتزامات الواجبة على الدولة اللبنانية تجاهه. بالتالي، على الرغم من التغني بالديمقراطية اللبنانية الوحيدة في المنطقة العربية، لم تتعامل القوانين مع اللاجئ الفلسطيني في لبنان باعتباره "مواطناً"، بناء على تعريف المواطنية، التي تعتبر كل من يقيم في بلد معين، ويخضع لقوانينه، ويدفع الضرائب المتوجبة عليه، ينطبق عليه شروط المواطنية. فما بالكم بإقامة شعب يُمثّل 10 في المئة من عدد السكان (نحو 400 ألف نسمة مسجلين في قيود الأونروا) منذ أكثر من 63 عاماً؟ خُلاصة كل ما سبق، إلى الآن يُطرح في لبنان  السؤال القائل: من هو الفلسطيني؟

- إغفال تدريس القضية الفلسطينية:بحجةسياسة النأي بالنفس التي كان لبنان ينتهجها تجاه الأحلاف العربية في خمسينيات القرن الماضي، أيام عبدالناصر، هذا في ظاهرها، اما في باطنها فكانت هي عتبة من أجل الابتعاد عن الانتماء العربي وعدم "إغضاب" إسرائيل والولايات المتحدة. أسقطت الدولة اللبنانية أي إشارة، ولو حتى تعليمية، إلى القضية الفلسطينية، فتجاهلتها، ولمّا تزل، في المنهجية الدراسية، في الأدب والتاريخ والتربية الوطنية. لا بل كانت تُعاقب المدرسة بالإغلاق في حال تم ذكر القضية الفلسطينية فيها، وكم من مدرّس سُجن، أو مدرسة عوقبت، نتيجة ذلك. لذلك بقي الفلسطيني وقضيته وحقوقه عرضة لتفسيرات الأهل ورفقة الطريق التي يفسرها كل بحسب هواجسه الشخصية، أو المذهبية، أو الطائفية. وحُرم الطفل الفلسطيني نفسه، سواء  في المدرسة اللبنانية، أو في مدارس الأونروا، من التعلم  المدرسي عن تاريخه وقضيته، وإن تم في فترة من الفترات قديماً تدريس تاريخ وجغرافية فلسطين في بعض مدارس الأونروا.

الأهم من ذلك في هذا المجال، أن الدولة اللبنانية لا تزال تحيا حياة النعامة، وتدفن رأسها بالرمل، فعلى الرغم من كل ماحصل في لبنان من حروب واحتلال للعاصمة بيروت من قبل العدو الإسرائيلي، فلا تزال المنهجية الجديدة تنكر وتتجاهل القضية الفلسطينية، وإن كانت وضعتها في كتاب التربية الوطنية وكتب التاريخ المختلفة التوجهات، تحت الضغط من القوى الوطنية، ولكنها لا زالت تصدر بشكل سنوي تعميماً لحذف هذه الدروس تحت ذريعة ضغط المنهج. وما يحكى عن المقاومة اللبنانية فهو أشبه بالحديث عن مقاومة في بلاد غاية بالبعد، حيث لا وجود لكلمة مقاومة، بل هو الجيش الذي تصدى، وحرر، وهناك المواجهات "المدنية" الشعبية اللبنانية. وإسرائيل دخلت لبنان طمعاً بمياهه وموقعه وخبرته السياحية فقط.

- دور الإعلام: على الرغم من الدور الريادي الذي يقوم به لبنان على مستوى الإعلام، فإنه، تاريخياً وإلى اليوم، ما عدا بعض المحطات التلفزيونية المؤيدة للقضية الفلسطينية مثل "المنار" و"الجديدوبعض الصحف مثل "السفيرلم يخدم هذا الإعلام القضية الفلسطينية، أو الحقوق الفلسطينية بشيء، اللّهم بالتعبئة السلبية، حيث توظّف الإمكانات كلها والخبرات للتحريض المباشر وغير المباشر، بالكلمة والصورة، ضد الوجود الفلسطيني في لبنان باعتباره دولة داخل دولة، أو هو السبب المباشر في الحرب اللبنانية، وهنا يتناسون طبعاً أن الحرب المذهبية في لبنان سابقة لعلة الوجود الفلسطيني بمئة عام، واستمرت بعد خروج م.ت.ف من لبنان بثلاثين عاماً، كما أنها شكلت مصدر الإرهاب في المخيمات، والسرقات والخروج على القانون، وخلقت تلك الصورة للفلسطيني  على انه ذاك "البشع" و"الأسود".

- الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية: رسمياً تمنع القوانين اللبنانية على الفلسطيني أي حق من حقوق ممارسة النشاط السياسي، أو الشعبي، هذا على صعيد الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني. وما يقوم به الفلسطينيون اليوم من نشاط هو نتيجة سياسة الأمر الواقع داخل المخيمات  ما بعد الحرب اللبنانية، ونتيجة تعمّد الدولة تجاهل هذه المخيمات والابتعاد عن دخولها، لأسباب منها أن دخول الدولة إلى هذه المناطق يحتم عليها القيام بواجباتها المعيشية والتنموية والعمرانية والأشغال العامة اتجاه اللاجئين في هذه المخيمات، وهي مضطرة، وتعتبر هذا من مهام الأونروا. وسبب آخر، يتمثل في أن بعض القوى اللبنانية والعربية (السياسية والاقتصادية والأمنية) مستفيدة من حالة الفوضى هذه في المخيمات، لناحية فوضى التجارة والتهريب وتجارة السلاح وخلافه. وهذه الحال المزرية في المخيمات في نهاية المطاف تشكل محطة لإيصال الصوت اللبناني، كلما دعت الحاجة، أو اقترب حل من الحلول الدائمة للقضية الفلسطينية، لتشد الدولة الخناق، وبالتالي تطالب بحصتها من الحل، مادياً، عسى أن يتم تسديد ديون لبنان المتراكمة، التي وصلت قريباً من 60 مليار دولار. بمعنى آخر، إن حقوق الإنسان الفلسطيني في لبنان، المحروم من حقوقه المدنية والسياسية والإنسانية كلها، تُباع وتشترى وتُستبدل في سوق "نخاسة" السياسة الخارجية والديون التي استفاد منها ويستفيد ليس المواطن اللبناني الجائع، بل أصحاب المليارات الذين رهنوا لبنان مع بداية مفاوضات مدريد (1990)، على أمل أن يأتيهم الفرج على حساب الحقوق الفلسطينية، وهذه كانت فلسفة سياسة رفيق الحريري، التي أودت بلبنان وأهله، والحقوق الفلسطينية أيضاً.

يطول الحديث عن الحقوق الفلسطينية في لبنان، ويمكن تلخيصها بالقول: هي تجاهل كلّي على مستوى القضية والقرارات المتعلّقة بها، عربياً ودولياً؛ وعلى مستوى القرارات الوطنية، حيث الحرمان من الحقوق كلها.

 

2- دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين –الأونروا-:

لا نريد الدخول بعيداً في تأسيس الأونروا ودورها في حياة الشعب الفلسطيني وتطور قضيته، نركز فقط على نقطيتين مقتضبتين:

- يقوم دور الأونروا على توفير الإغاثة والمساعدة وتنمية الفرد والمجتمع الفلسطيني وتوفير الحماية له. وليس في هذا شك تجاه ما قامت به هذه المنظمة فعلاً من خدمات أثّرت ونمّت وساعدت الفلسطينيين، وقدّمت لهم حقوقاً معيشية وتعليمية وصحية، التي لولاها لبقي الكثير من الفلسطينيين أسرى الأمية، ولهلَك بعضهم جوعاً ومرضاً، فهي كانت الداعم الأساس حين غاب الجميع. وإلى اليوم لا تزال هذه المنظمة تقدم الكثير من الخدمات لأبناء مخيمات لبنان، على الرغم من حال الفوضى والفساد والمحسوبيات التي تنهش وجودها في لبنان، وبعض هذه المظاهر نجدها تنبع من الموظفين العرب غير الكفوئين، أو الجشعين، الذين يمارسون دورهم فيها ليس خدمة لقضيتهم وشعبهم بل لمنافعهم الخاصة الضيقة، ولو على حساب كرامتهم والدور الذي يفترض أن يضطلعوا بالقيام به.

- على الرغم من تقديم الأونروا نفسها باعتبارها مؤسسة إنسانية، لكنها كانت دائماً متابعة ومشاركة في البحث عن حل للقضية الفلسطينية. وكان هذا الاهتمام يظهر ويخبو مع التطورات الدولية السياسية، ولذا تتغير وتتبدل أنشطتها الإغاثية والسياسية والإنسانية بحسب أجواء الحلول المطروحة.

صحيح أنها كانت تعتبر دائماً أن أي حل قابل للتطبيق يجب أن يأخذ حقوق اللاجئين ومصالحهم بالاعتبار، وصحيح أيضاً أنها كانت تركّز على ثقافة "حقوق الإنسان" واحترام "القانون الدولي"، لكن السؤال كيف استخدمت هذه "المصالح" و"الثقافة" و"الاحترام" في سبيل الحقوق الفلسطينية وقضيتهم؟ فالأونروا تعرف، وهي حاولت في فترة من الفترات - مثلاً – العمل على تسهيل حركة اللاجئين في العودة إلى ديارهم، ولكنها رضخت لموانع إسرائيل، فأين المصالح والحقوق والقانون الدولي الذي أصدر القرار 194، الذي ينص على حق العودة واستعادة الممتلكات والتعويض منذ عام 1948، وكرره مئات المرات، ومثله قرارات كثيرة، فماذا فعلت الأونروا تجاهه؟ طبعاً ليس لدى الأونروا قوة عسكرية أو معنوية لفرضه، لكن لديها دوراً على الأقل في تدريسه ونشره وتعزيزه في مدارسها مثلاً. بل تراها على العكس من ذلك تخفي وتسقط اسم فلسطين من تعاملها وخرائطها التي توزّعها على صفوف مدارسها ومؤسساتها، من دون احترام لمشاعر الناس وتاريخهم وهويتهم. وتمنّعت من تدريس تاريخ وجغرافية فلسطين. وقلما ضغطت، بكل ما لها من صفة اعتبارية، ومساندة دولية، على الدولة اللبنانية، أو أوصلت صوت الفلسطينيين في لبنان المحرومين من أدنى حقوق الإنسان، والحقوق المدنية والمعيشية، فهل حقوق الإنسان بالنسبة إليها مجرد شعارات، ووظيفة شاغرة تمليها بأنشطة "تافهة" أحياناً، وتصرف عليها ملايين الدولارات؟

3- دور المنظمات الفلسطينية:

نبدأ من حيث انتهينا في موضوع الأونروا، لنقول إن ما تقوم به الأونروا من دور سلبي، والدولة اللبنانية قبلها، ومختلف الدول العربية، والمؤسسات الدولية، هو نتيجة غياب الدور الفاعل للقوى والمرجعية الفلسطينية، وتحديداً منظمة التحرير الفلسطينية. بغض النظر عن أهميتها وضرورتها باعتبارها شخصية وكياناً فلسطينياً جامعاً وحافظاً للفلسطينيين، بعد حملات التغييب التي لقيها الفلسطيني وقضيته تحت مسميات "قومية" و"إسلامية" و"أممية"، والتي في مجملها توصف على أنها مخادعة، عملت على مصالحها الشخصية باسم فلسطين، فخاطرت بالحقوق الإنسانية والوطنية للفلسطينيين. لكن لم تكن قيادة هذه المنظمة على قدر المنتظر والحمل، على الأقل في لبنان، نظراً إلى ميزة وجودها هناك، حيث حكمت وتحكمت -وليتها لم تفعل-، وأرست دولة، أو دويلة ضمن دولة، لكن النتيجة كانت "إفساد" للشعب وحقوقه. أفسدت الشباب عن متابعة التعليم والتفوق، وأفسدتهم عن الطموح والعمل، أنستهم فلسطين بالحروب الجانبية في الأزقة والزواريب، علّمتهم الاستزلام لأبي فلان وغيره، تحوّلت إلى نظام مثل بقية الأنظمة العربية، وفي النهاية لم تحقق ايا من الحقوق الفلسطينية. لم تحسّن شروط عيشهم
أو تحسين واقع القوانين اللبنانية تجاههم. لم تحمهم. لم تعبّئ تجاه الحقوق الإنسانية والقرارات الدولية، عسكرت المجتمع، ووزعت الرتب والمناصب الوهمية، زادت المحظوظين غنىً، والفقير المسالم فقراً ومتاعب بعد خروجها من لبنان. رحلت وتركت البيوت خلفها منكوبة بسبب أخطائها، ولم تحم المخيمات. فماذا قدّمت هذه المنظمة، أو بالأصح بعض قيادتها للفلسطيني في لبنان بالقياس لما قدمه الفلسطيني من دمه وروحه وأطفاله لحمايتها؟

حديث يطول، لكنه ليس من نوع جلد الذات، بل نقد التجربة لئلا نقع بمثلها مرة أخرى في مكان آخر! ضاع قسم من الفلسطينيين فياحبّذا لو لا يضع قسم آخر.

مثل قيادة المنظمة، كانت قيادات الفصائل الأخرى، ولا نستثني أحداً، على الأقل في لبنان، حيث لم يكن أي منهم مثالاً يحتذى. فالعقلية نفسها، والسلوك والنتائج نفسها، هي التي سادت العمل والأداء.

وأطلّ علينا البديل الإسلامي، فاستبشر الناس في عز إحباطهم وصدماتهم خيراً، ولكن النتيجة كانت سريعة، شهوة للسلطة، واستغلال فلسطين وحقوق أهلها ليس إلاّ. فالداخل حديثاً ليس أفضل من سلفه، ولم تسعفه "رعاية" الدين التي أراد بها "تخدير" الناس، بل تراها انقلبت عليه لأن الناس ليسوا بالعميان، فضاعت الثورة والحقوق، والخوف أن يضيع التدين الفطري والصادق عند الناس!

إضافة إلى القيادات السياسية، انبثقت ظاهرة جديدة في مخيمات لبنان وأوساط المجتمع الفلسطيني، ألا وهي "الجمعيات الأهلية"، جاءت لتسد الفراغ التي تركه تقاعس وضعف وتراخي الفصائل التي أغرقت نفسها بالعمل العسكري، على الاجتماعي والثقافي والتعبوي. ولا شك في أن هذه الجمعيات أدّت دوراً فاعلاً ومهماً في تبيان الحقوق الفلسطينية المعيشية والوطنية (وتحديداً على صعيد حق العودة)، ونشّطت الشبان والشابات والفتوة والأطفال، وانتشلت الكثير منهم من الضياع والانحراف، وأمّنت لكثير الوظائف والرواتب المساعدة في ظل أزمة البطالة الخانقة التي يعيشها الفلسطيني. والأهم من كل ذلك أنها أعادت التقارب الاجتماعي الفلسطيني – اللبناني، بعد ما تعرّض لكثير من الهزّات والتباعد، خصوصاً أن معظم هذه الجمعيات هي لبنانية من الناحية الرسمية، حيث لا يحق للفلسطيني تأسيس جمعية.

باختصار، قدّمت هذه الجمعيات حماية ورعاية للفلسطينيين في لبنان على صعد مختلفة ، سياسية وإنسانية ومدنية ونفسية واقتصادية واجتماعية، وحتى ثقافية وتعليمية. لكن الخوف أن تتحول هذه التجربة الناشطة اليوم إلى ظاهرة "سلبية"، نظراً إلى بدء مظاهر الفساد والشخصانية و تفشي من هم من غير المؤهلين والبيروقراطيين في أجسام جزء منها.

ما نريد قوله في نهاية هذه المقدمة النظرية لموضوع يطول بحثه ويتشعب، هو أن الفلسطيني يعيش اليوم في لبنان تحت رحمة دولة تتجاهله، ووكالة غوث تنتهزه، وقيادة منتفعة، فمن سيحميه؟ وكيف ينال حقوقه؟

-------------------------------

* د. أحمد مفلح: باحث وناشط فلسطيني لاجئ في لبنان،  حائز على دكتوراه بعلم اجتماع المعرفة والثقافة.