×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

اللاجئون الفلسطينيون في سورية

مخيم خان الشيخ للاجئين الفلسطينين في سوريا (المصدر: بديل) مخيم خان الشيخ للاجئين الفلسطينين في سوريا (المصدر: بديل)

بقلم: ضياء أيوب*
تمهيد:
اتسمت المعاملة الرسمية السورية للاجئين الفلسطينيين بالتذبذب تبعاً للوضع السياسي المحلي، وسياستها العربية العامة تجاه إسرائيل وشكل علاقتها بمنظمة التحرير الفلسطينية في وقت لاحق لتأسيسها. وخلافاً للأردن، لم تعرض الدولة السورية الجنسية السورية على اللاجئين الفلسطينيين، لكن وضعهم لم يكن أسوأ مما كان عليه في الأردن. بل إن الاستقرار السياسي والأمني الذي عرفته سورية مقارنة بالدول العربية الأخرى، جعل منها محطة لجوء مفضلة، فانتقلت إليها موجة ثانية من اللاجئين بعد أحداث (أيلول الأسود) 1970 في الأردن، مكونة من بضعة آلاف من عناصر المقاومة مع عائلاتهم. وكان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 سبباً في موجة نزوح ثالثة، لاسيما بعد انسحاب المقاومة الفلسطينية من بيروت، كما أن حرب الخليج الثانية عام 1991، قد تسببت بموجة نزوح رابعة، كما شكل سقوط بغداد عام 2003 وعملية التطهير العرقي التي واجهها الفلسطينيون هناك موجة النزوح الخامس في ذات الاتجاه.

منحت التعديلات الخاصة في القوانين السورية الفلسطينيين من أبناء موجة النزوح الأولى حق العمل والتنقل والانخراط في التجارة على الرغم من أن القيود على شراءهم الأراضي لم تلغ بالكامل. وعدل المشرع السوري القوانين بما يكفي لتسهيل عملية دمجهم اقتصادياً لاستيعابهم بشكل تام في المجتمع، لأسباب سياسية واضحة. فحصل اللاجئ الفلسطيني في خلاصة الأمر على حقوق مساوية ـ نظرياً ـ لنظيره السوري في التملك والتوظيف والتعليم والصحة، مع بعض النواقص في ما يخص تملك العقارات، وحرمانه من الوصول إلى مراكز سياسية حساسة أو التصويت والترشح للانتخابات البرلمانية والرئاسية، باعتباره "ضيفاً" لا مواطناً.

لقد كان عدد اللاجئين الفلسطينيين في سورية ضئيلاً إبان نكبتهم؛ فمن أصل 726000 لاجئ فلسطيني في دول الطوق العربي قدرتهم بعثة المسح الاقتصادي للشرق الأوسط (التابعة للأمم المتحدة) في كانون أول (ديسمبر) 1949، حط الرحال في سورية 80,000 لاجئ فلسطيني، لم يقم في المخيمات سوى 53175 لاجئاً. ولم تشكل إضافة هذا العدد الضئيل ـ نحو 3% من تعداد السكان آنذاك ـ أية مصاعب اقتصادية تذكر على كاهل القطر السوري. أما المضمار الذي أصاب فيه الفلسطينيون المقيمون في سورية نجاحاً مرموقاً فكان التعليم، حيث استفادوا بشكل كامل من التعليم الجامعي المجاني المفتوح أمامهم، مما مكنهم من الحصول على وظائف أفضل، وبالتالي مغادرة المخيم والانتقال للعيش في المراكز الحضرية في المدن والتجمعات السورية.

التركيب الديمغرافي:
وصلت الموجة الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين إلى سورية عام 1948، آتية بصورة أساسية من مدن وقرى الجليل والجليل الأعلى (صفد وحيفا وطبرية وأقضيتها). وقد لعبت موجات النزوح العديدة على امتداد عمر النكبة الفلسطينية إلى سورية والرحيل عنها في أحيان قليلة أخرى دوراً في تناقض وتضارب الأرقام حول العدد الأقرب إلى الواقع في تعداد اللاجئين الفلسطينيين في سورية.

وهناك مصدران رئيسيان لهذه الإحصائيات، هما: وكالة الغوث (أونرواوالمؤسسة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب التي استحدثت بالقانون رقم 450 بتاريخ 25 كانون الثاني (يناير) 1949، بعد شهور قليلة من النكبة. وثمة اختلاف كبير بين إحصائيات وكالة الغوث التي تشمل المسجلين لديها منذ العام 1948، والقادمين للإقامة في القطر السوري من المسجلين لديها في مناطق عملياتها الأخرى، والتي لا تشمل بالتالي غير المسجلين أصلاً في سجلات وكالة الغوث، أو الذين أحجموا عن تزويد الـ(أونروا) لاحقاً ببياناتهم بعد انحسار خدماتها. وبالمقابل فإن إحصائيات المؤسسة العامة للاجئين لا تشمل أولئك الذين انتقلوا للإقامة الدائمة في القطر السوري خلال موجات النزوح التالية للعام 1948. والجدول التوضيحي التالي يرصد تطور تعداد اللاجئين الفلسطينيين في القطر السوري بأرقام تقديرية مستخلصة من المقارنة بين أرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونرواوالهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب.

85192 1950
126662 1960
192512 1970
249319 1980
331614 1990
401912 2000
533932 2011

الوضع القانوني:
يمكن تصنيف الفلسطينيين المقيمين في سورية إلى أربع فئات رئيسية:

1) القسم الأكبر القادم كنتيجة لحرب العام 1948. ويحمل هؤلاء "تذكرة إقامة مؤقتة للفلسطينيين" غير محددة المدة، ووثيقة سفر خاصة باللاجئين الفلسطينيين في سورية. ويخضع الفلسطينيون في الحصول على هذه الوثائق إلى نفس الشروط التي يخضع لها السوريون.
2) الحائزون على وثائق سفر أردنية أو مصرية أو لبنانية، وهؤلاء تنطبق عليهم القوانين المرعية تجاه المواطنين، حيث كان يتوجب تجديد إقامتهم سنوياً بعد مراجعة مكاتب الأمن، دون أن يستفيدوا من سماح السلطات السورية للرعايا العرب بدخول أراضيها دون تأشيرة، وبالحصول على وثائق إقامة ورخص عمل، فيسمح لهم بدخول سورية بواسطة تأشيرة ترانزيت لمدة 3 أيام. والواقع أن المئات من العائلات الفلسطينية المنضوية تحت هذه الفئة من اللاجئين الفلسطينيين أصبحت مهددة بالترحيل خارج البلاد مع إصدار تعليمات ناظمة لإقامة العرب في القطر السوري نهاية العام 2011، تحدد إقامتهم بـ(فيزا) مدتها 3 أشهر يتوجب عليهم بعدها مغادرة البلاد.
3) النازحون نتيجة للحرب الأهلية في لبنان، والذين حصلوا على وثائق مماثلة لوثائق الفئة الأولى. لكن هؤلاء لا يؤدون الخدمة العسكرية التي يؤديها المنضوون تحت الفئة الأولى في صفوف جيش التحرير الفلسطيني، ولا يدخلون الوظائف الحكومية.

4) الفلسطينيون المنضوون في صفوف المقاومة وعائلاتهم. وقد حصل هؤلاء على إقامة ـ الأمر الواقع ـ، لكن وبعد أن تدهورت العلاقات بين م.ت.ف.، والسلطات السورية عام 1983، أصبح الفلسطينيون القادمون من بلاد تجمعت فيها قيادات م.ت.ف. (تونس، الجزائر، اليمن..) موضع تدقيق واستجواب إذا ما ثبتت علاقتهم بـ م.ت.ف. وكثيراً ما انتهت فترة التحقيق بإبلاغهم بأنهم أشخاص غير مرغوب فيهم وأن عليهم مغادرة سورية فوراً.

الوضع الاقتصادي:
في وقت بات مخيم اليرموك كأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سورية ومركز قيادة فصائل العمل الوطني والإسلامي في سورية يمثل حالة "الاندماج" في ومع المدينة بشرياً واقتصادياً، بعدما أصبح ضاحية جنوبية للعاصمة دمشق، فإن باقي المخيمات تعيش حالة من العزلة ـ إن لم نقل الانعزال ـ البشري والاقتصادي عن محيطها إلى حد ما. فالهوية الفلسطينية وخصوصية المخيم باتا أقل انسجاماً مع تحوله إلى سوق تجارية يقصدها سكان العاصمة من كل المناطق ومن مختلف الفئات الاجتماعية والطبقية، بينما لا تزال الروابط الأسرية وانسجام الأهالي أكثر استقراراً في مخيمات مثل جرمانا المهدد بدفعة جديدة من الهدم في أي لحظة، أو مخيم خان الشيح الذي يشكل فرادة في حالة اللجوء الفلسطينية في سورية من حيث اعتماد نسبة ليست بالقليلة من سكانه على الزراعة في معيشتها.

لقد شكلت الـ(أونروا) مصدراً مهماً لدخل اللاجئ الفلسطيني غير متاح لقرينه المواطن السوري. وقد استفاد الفلسطينيون العاملون في الـ(أونروا) من نظام التوفير الخاص بها، والذي يتيح لموظفي الوكالة أن يدخروا رواتبهم بكاملها، أو أجزاء منها، على أن يستردوها لاحقاً مضافاً إليها الفوائد، وهذا التوفير غير خاضع لسعر الصرف الرسمي المنخفض، وهكذا فإن عدداً كبيراً من موظفي الـ(أونروا) تحولوا بعد أن حصلوا على تعويض نهاية الخدمة بالعملة الصعبة إلى رجال أعمال.

بحسب إحصاءات دخل ونفقات العائلات الفلسطينية المقيمة في المخيمات سنة 2011، يبلغ معدل الدخل الشهري للأسرة الفلسطينية 12460 ليرة سورية، أي ما يعادل 2076 ليرة سورية للفرد الواحد قياساً إلى أن معدل حجم العائلة يوازي 6 أفراد، ولا يغطي هذا الدخل الحاجات الأساسية، ويبقى مستوى معيشة الفلسطينيين أدنى من مستوى معيشة السوريين. بينما تختلف موارد الفلسطينيين كما أسلفنا بحسب المخيم الذي يقيمون فيه، فالفارق شاسع، وظاهر بين مخيم اليرموك الذي يعتبر أوفر حظاً وبين مخيم درعا الأكثر فقراً. ويمكن تقسيم المخيمات الفلسطينية إلى أربع فئات حسب مصادر الدخل، ومستوى المعيشة:
1 ـ مستوى مرتفع نسبياً يمثلها مخيم اليرموك (أكثر من 3000 آلاف ليرة سورية للفرد الواحد شهرياً).
2 ـ مستوى متوسط (2500 فما فوق) في مخيمات حمص واللاذقية.
3 ـ مستوى متوسط نسبياً (2200 ليرة سورية للفرد) في خان دنون، السيدة زينب، النيرب، حماة.
4 ـ مستوى منخفض في خان الشيح (أقل من 2000 ليرة سورية للفرد)، جرمانا، سبينة، حندرات، درعا.

وإذا أخذنا توزيع قوة العمل على القطاعات الاقتصادية لسنة 2010، فإننا نجد أن إجراءات التحول في الاقتصاد السوري من (الصناعي المتوسط) إلى اقتصاد الخدمات في الأعوام تركت أثرها على اليد العاملة الفلسطينية مع انتقال العاملين في مجال الخدمات إلى المرتبة الأولى بنسبة 31%، وانخفاض نسبة العاملين في الصناعة إلى نحو 29,5% في المرتبة الثانية، وحصلت التجارة على على 7,9%، فيما احتلت الزراعة المرتبة الرابعة بنسبة تقارب 2%، فيما قاربت نسبة البطالة 17%.

الأوضاع التعليمية والصحية:
أصاب اللاجئون الفلسطينيون في سورية موقعاً مميزاً في التعليم، مدفوعين بحاجتهم للتحصيل العلمي والتميز، باعتبارهم لاجئين لا مواطنين، وساعد على ذلك في مراحل التعليم الأساسية الدراسة المجانية المتقدمة عن مثيلتها الحكومية التي يتلقوها من وكالة الغوث (أونروا) والتي اختصوا بها دون نظرائهم السوريون. يضاف إلى ذلك التطور المستمر في قطاع التعليم السوري وشبه المجانية في التعليم الجامعي والعالي، التي خصتهم بها الحكومة السورية دون باقي الجنسيات العربية.

وقد شهدت الأوضاع التعليمية للفلسطينيين في سورية تحسناً نوعياً مستمراً على مر العقود، فانخفضت نسبة الأمية في صفوف الذكور من نحو 34,5% سنة 1965، إلى نحو 6,5% حتى نهاية العام 1995، إلى نحو 2% حتى نهاية العام 2010، وانخفضت نسبة الأمية في صفوف الإناث، خلال الفترة الزمنية نفسها من (46,5%، 15,2%، 5,5%) على التوالي.

بيد أن خدمات الـ (أونروا) التعليمية كما باقي القطاعات شهدت تراجعاً مستمراً منذ توقيع اتفاقية أوسلو، وهو ما سحب نفسه على القطاع الصحي في التخفيضات المستمرة في مختلف النواحي الطبية (الأدوية، خدمات العيادات، العمليات الجراحية)، وهو الأمر نفسه الذي انساق على خدمات الهلال الأحمر الفلسطيني التي شهدت تراجعاً هي الأخرى مع توقيع اتفاقية أوسلو، لكن الوضع الصحي للاجئ الفلسطيني في سورية بقي متقدماً عن نظيره الفلسطيني في لبنان على سبيل المثال، إذا أن اللاجئ الفلسطيني بقي مستفيداً من مجانية الاستطباب في المشافي الحكومية السورية أسوة بنظيره المواطن السوري.

الأوضاع الإنسانية:
عرفت سورية ومنذ العام 1963، تطبيق أحكام قانون الطوارئ ما ترك أثره على الحقوق الإنسانية والسياسية للاجئين الفلسطينيين في سورية؛ كما المواطنين السوريين وإن بمستويات مختلفة. فحقوق التظاهر بقيت مصانة للاجئ الفلسطيني بقدر أكبر في المنعطفات الوطنية الحساسة التي مرت بها القضية الفلسطينية، في حين تم قمع هذا الحق في منعطفات تاريخية أخرى واجهت العلاقة فيها تصادماً بيت القيادتين السياسيتين السورية، والفلسطينية المتمثلة بـ م.ت.ف.

ومن النافل ذكره أن الحياة النقابية الفلسطينية في سورية كانت قد جمدت أصلاً بقرار سياسي منذ العام 1981، وسلمت قيادتها لتنظيم الصاعقة ـ التنظيم الفلسطيني لحزب البعث العربي الاشتراكي ـ ولم تشهد النقابات الفلسطينية انتخابات حرة ونزيهة منذ ذلك الحين.

ومع بداية الاضطرابات والحراك الشعبي الذي شهدته سورية في 15/3/2011، فإن تعديات على حقوق الإنسان الفلسطيني حصلت فعلاً في القطر السوري فسجلت لجان التنسيق المحلية في سورية حتى نهاية العام 2011 سقوط 51 لاجئاً فلسطينياً في المواجهات المستمرة بين قوى الأمن السوري والمعارضة السورية، كما سجلت وكالة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف)، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) حالتي اغتصاب مؤكدتين للاجئات فلسطينيات في مخيم اليرموك، وحالة اختطاف لِ 3 أطفال من عائلة واحدة طلباً للفدية.

------------
*ضياء ايوب: ناشط فلسطيني في حركة العودة، لاجئ فلسطيني مقيم في سورية.