×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

القضية الفلسطينية، وثيقة للتاريخ الشفوي والسعي من اجل الهوية

صورة للفنان مجدي الذيبة، مخيم الفوار، جائزة العودة صورة للفنان مجدي الذيبة، مخيم الفوار، جائزة العودة


بقلم : امجد متري*

تحاول هذه المقالة تقديم إجابة مختصرة على الأسئلة التي تنطوي على إمكانية استخدام التاريخ الشفوي لصالح تعزيز ودعم القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، والسعي لإبراز الهوية الفلسطينية ضمن النضال المتواصل في وجه الاستعمار الإسرائيلي، وتهجير وسلب الأرض والشعب في مختلف أنحاء "فلسطين التاريخية".

التاريخ الشفوي والقضية الفلسطينية:

التاريخ الشفوي هو عبارة عن دراسة مجموع المعلومات التاريخية حول الأفراد والعائلات والأحداث الهامة أو مناحي الحياة اليومية، بحيث أصبح التأريخ الشفوي حركة عالمية في مجال البحث التاريخي. وقد توصل مؤرخو التاريخ الشفوي في مختلف الأقطار إلى جمع وتحليل ونشر التاريخ الشفوي بطرق مختلفة. إن الذين سمعوا منا قصص الفلسطينيين الكبار في السن عن الاقتلاع، النضال، والبقاء على قيد الحياة، يعرفون السلطة الآسرة لهذه السرديات والروايات. في الأطر غير الرسمية، فان قصص الماضي هي وسيلة ممتعة لنقل المعرفة والقيم. تبعا لذلك؛ كان التاريخ الشفوي وسيبقى احد المصادر الأساسية لتحقيق الفهم التاريخي الاجتماعي. كما يمكن القول بوضوح أن التاريخ الشفوي قديم قدم التاريخ نفسه، بل وكان بشكل ما أكثر أهمية ما قبل ظهور الكتابة كوسيلة للاتصال، وقد شكل بعد ذلك مصدرا رئيسيا للتوثيق.

لقد تسببت النكبة وعملية الاقتلاع والتهجير التي نفذت بحق الفلسطينيين بخسارة وفقدان العديد من الوثائق المكتوبة، والتي بدورها شكلت وساهمت في رسم الهوية الفلسطينية بشكل ملحوظ. من خلال المساهمة بالتاريخ الشفوي، فان الفلسطينيين يقومون بإثراء تاريخهم ليشمل جميع شرائح المجتمع، وإعطاء صوت للفقراء والنساء والفلاحين المهمشين من قبل السردية الرسمية القومية أو الأيدلوجية؛ الامر الذي يعطي أهمية خاصة لرواية أولئك الذين عايشوا نكبة 1948. لذلك، يفترض أن يحوز التاريخ الشفوي على مكانة مركزية ومرموقة في عملية التأريخ الفلسطيني، هذا بسبب النقص الهائل في المعلومات التي تؤرخ ماضينا وتاريخنا الحديث، وبشكل خاص أيضا بسبب خطاب الحركة الصهيونية القوي والمهمين، والذي نجح إلى حد كبير بتهميش السكان الأصليين وروايتهم. وعليه، فان التاريخ الشفوي يسمح بالطعن في الخطاب المكتوب المهيمن والمحيط بالنكبة، هذا الخطاب المهيمن عليه من قبل أنصار الرواية الإسرائيلية -الصهيونية. على سبيل المثال لا الحصر: عملت الحركة الصهيونية على نشر الأسطورة القائلة بان الفلسطينيين لم يستوطنوا ولم يستقروا في فلسطين حتى تم تطويرها من قبل الإسرائيليين.

لقد كتبت المئات إن لم تكن الآلاف من الكتب التي تتناول الوضع الفلسطيني بالتحليل من جميع الجوانب تقريبا: تاريخيا، اجتماعيا، اقتصاديا، نفسيا، وسياسيا، الخ... لكن تبقى احد الجوانب الأساسية والحاسمة غائبة حتى الآن – هذا مع وجود استثناءات قليلة – ألا وهي تسجيل التاريخ مباشرة من أصواته الأصلية، وخصوصاً الذين عانوا ولا يزالون من آثار النكبة. بعد 63 عام من الاقتلاع والتهجير في واحدة من اكبر عمليات التطهير العرقي في العصر الحديث، لا يزال لدينا ما هو اقل من أربعين كتاب كتبت عن القرى المهجرة والتي تم تدميرها في نكبة عام 1948، أو عن المذابح التي ارتكبت آنذاك، والنقل القسري للسكان وكافة الأعمال الوحشية الأخرى التي وقعت ايضا. وعلى الرغم من أن معاناة الضحايا الرئيسيين لهذه الحرب من فلاحين ولاجئين في المخيمات، وفقراء المدن والقبائل البدوية انعكست في أعمال شعرية وأدبية، وموسيقية وفنية كالرقص الفولكلوري، إلا أنها غير مسجلة بشكل واسع في حقل التأريخ الفلسطيني. هنا، يمكن للتاريخ الشفوي أن يلعب دورا هاما؛ بل حاسما من خلال فتح المجال لمواجهة الاحصائات السكانية بأصوات حية- أصوات الضحايا، وذلك عبر إعادة بناء قيم الحياة المحلية وتثبيت الرواية التي غيبت خلال عملية التهجير التي تعرض لها الفلسطينيين في النكبة عام 1948، واحتلال باقي فلسطين عام 1967، كما لا زالت تغيب عبر التهجير المستمر للفلسطينيين في مختلف أنحاء فلسطين التاريخية.

إن عملية إعادة الاعتبار هذه - التأريخ الشفوي، تساهم في تشجيع وتحفيز أصوات "غير المسموعين" من اجل أن يرووا قصصهم، لكن ليس فقط كضحايا أو متابعين سلبيين، إنما بوصفهم عناصر فاعلة وصانعة للتاريخ. هذه الحسابات يمكن أن ترى النور عبر تأكيد خطاب تاريخي مستند إلى حقيقة ان " الحقيقة انصع في روايات الناس منها في كتابات المؤرخين"، وهذا يضفي على الرواية مصداقية كونه يعكس ما عايشه الناس العاديين وشعروا به خلال فترة معروفة ومحددة.

هناك اهتمام ملحوظ ومتنامٍ بالتاريخ الشفوي للنكبة من قبل الباحثين، والمؤسسات التي تمثل مصالح واهتمامات اللاجئين، وشبكات النشطاء الدولية، بما في ذلك الوعي بضرورة تسجيل روايات شهود العيان على هذه الأحداث، قبل فوات الأوان. في ضوء ذلك، تتزايد اليوم المسوحات واستطلاعات الرأي التي يجري استخدامها من اجل استكشاف قضايا اللاجئين الفلسطينيين، وصياغة السياسات. بهذه الطريقة، فان التاريخ الشفوي لا يخدم فقط في ردم بعض الثغرات في التاريخ الفلسطيني، والتي هي ناتجة عن وضع انعدام الجنسية الذي يعيشه الفلسطينيين، لكن الدراسات الأكاديمية التي تستخدم التاريخ الشفوي وتحليلات الروايات التاريخية الشفوية تساعد أيضا في إنشاء عرض للماضي، بطرق عدة، وتساعد كذلك في تشكيل نهج إنتاجي إلى الإمام. التاريخ الشفوي المعاصر ينضوي على تسجيل أو تدوين روايات شهود عيان للأحداث التاريخية. وهنا على سبيل المثال، تم في السياق الجنوب إفريقي، استخدام روايات التاريخ الشفوي لتقديم تعويضات عن الأرض والملكيات في مرحلة ما بعد الفصل العنصري؛ بحيث تم استخدام تقنيات التاريخ الشفوي من اجل التعرف على أرض السكان الجنوب أفريقين السود الذين ليس لديهم وثائق مكتوبة توضح ملكيتهم للأرض والعقارات، هذا جنباً إلى جنب مع تقنيات أخرى مثل: شجرة العائلة والنسب و/أو مقابر أسلافهم.

لقد تم إنشاء مشروع التاريخ الشفوي في جنوب إفريقيا من اجل بناء المصادر اللازمة لتاريخ شعب المنطقة، الذي أهمل إلى حد شاسع ولم يسجل رسميا، ومن اجل توثيق تجارب النشطاء الكبار في السن كمسألة عاجلة، وهذا من اجل اغناء أرشيف الأبحاث الأكاديمية، وتشجيع المزيد من المشاركة المجتمعية. لهذا الغرض، تم اتخاذ "تاريخ نهج/نمط الحياة"، الذي يسمح بايلاء اهتمام خاص للظروف المحيطة بأحداث معينة، مثل التظاهرات، المقاطعة، المضايقات، والاعتقالات.

التاريخ الوطني والهوية الوطنية

في ضوء ما سلف ذكره؛ فانه من الحاسم النظر على آثار عملية التأريخ الشفوي وروايته على الهوية الوطنية الفلسطينية. فقد لعب التاريخ الوطني دورا بارزا منذ فترة طويلة في تشكيل الهويات الوطنية، وتعليق الهوية الوطنية على التاريخ الوطني قديم قدم الخطاب الحديث عن الأمم نفسها. في السياق الفلسطيني، يتضح أن التاريخ الشفوي –كعملية ووثائق- هو الآلية الأنسب لردم الفجوة التي نتجت بدورها عن عملية التهجير القسري لمئات الآلاف من الفلسطينيين، والملايين من أحفادهم الذين لم تطأ أقدامهم ارض فلسطين حتى الآن، هذا المكان الذي لا يعرفونه سوى من حكايات أجدادهم وأوصاف أبائهم. فبينما لا يزال الملايين من اللاجئين المهجرين يقدمون أنفسهم كفلسطينيين، يمكن الاستنتاج بيسر بأن الشتات لم يمنع تشكيل الهوية الوطنية، وذلك بسبب تبادل الرؤى والذكريات والأحلام بغد أفضل. لذلك يتوجب الحفاظ على التاريخ الشفوي وبشكل احترافي، وقد جرت العديد من المحاولات من قبل الفلسطينيين، وتحديداً الكبار في السن الذين عاصروا تلك الإحداث "النكبة"، ليس فقط لتسجيل ذكرياتهم المأساوية حول عمليات التهجير والطرد من وطنهم التي تعرضوا لها، وإنما أيضا لحفظ جمالية المنزل والحديث عنها وأيضا رؤيتهم للطبيعة الخلابة وشعورهم بالدفء في منازلهم وأمكنتهم الأصلية.

إن التاريخ الشفوي وسيلة قوية لتسجيل الذكريات عبر الفيديو والتسجيل الصوتي، فقد أصبح بالإمكان حفظ ونقل قصص الناس من أصحاب التجارب إلى الآخرين والى الأجيال القادمة بدل فقدانها بانتهاء حياتهم. كما أن هذه الوسيلة تمكننا من التعرف على المواقف والمشاعر وأساليب الحياة التي كانت مخفية بين جنبات التاريخ، وبالتالي بناء صورة أكثر وضوحا لتاريخنا والتي بدورها تمكننا من الخوض في النقاش التاريخي بشكل تأريخي أكثر دقة.


مما لا شك فيه أن التاريخ البطولي لأمة ما تفخر به و/او حضارة تفخر بها تشكل أساسا في تكوين هوية تلك الأمة. ولكن من الجدير الالتفات هنا، إلى أن هذا قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى إنتاج القومية المفرطة والتي قد تخلق انقسام ال "نحن"، وال "هم"، و إساءة استخدام السجل التاريخي، وإنكار الحقيقة التاريخية. فعلى سبيل المثال، كان المؤرخون في المجر من بين هؤلاء الذين خططوا لمراجعة معاهدة تريانون 1919، والتي هدفت إلى إعادة إنشاء مجر أكبر في فترة ما بين الحربين العالميتين. كما وبرر عدد من المؤرخين الحرب التوسعية الامبريالية ووحشية ايطاليا الفاشية في أفريقيا والبلقان.

في ضوء ذلك، يتعين علينا أن ندرك بشكل خاص في سياق النكبة والتهجير المستمرين، والفظائع التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين، أن التأريخ الفلسطيني قد وجد نفسه في تقاطع مع أهداف تحقيق الدولة والنضال الوطني، والحاجة إلى دحض الادعاء الصهيوني فيما يتعلق بالتاريخ الفلسطيني. هنا يجب أن يتنبه المؤرخون الفلسطينيون إلى مخاطر إتباع نمط التأريخ لدى المؤرخين الصهاينة، الذي يقوم بعملية قراءة انتقائية للماضي، إلى جانب تفسير وبحث انتقائيين لهذا لماضي، من اجل بناء شكل معين من الهوية الصهيونية- الإسرائيلية. في سياق ذلك، ترك المؤرخون الصهاينة مجالات حيوية مضببة أو أسقطوها من مجال البحث، وهذا بدوره قاد إلى وضع تنوع التجربة التاريخية جانباً، لصالح السردية الغارقة في الوطنية المفرطة لخلق هوية الزائفة. وعليه، يكون من واجب المؤرخين الفلسطينيين والعاملين في حق التأريخ الشفوي في خضم عملهم لتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية، أن يراعوا مختلف جوانب التاريخ الفلسطيني: السياسية، والاجتماعية والاقتصادية، والثقافية بشمولية ودون إهمال أو مبالغة في اثر المسيرة الكفاحية على مكونات الهوية.

-------
*امجد متري: باحث قانوني في مركز بديل.
المراجع:

- Diana K. Allan, “The Role of Oral History in Archiving the Nakba” (2007).

- James H. Morrison, “Oral History as identity: The African-Canadian Experience” (2002).

- Mahmoud Issa, “Oral History, Memory and the Palestinian Peasantry” (2007).

- PalestineRemembered.com, “al-Nakba's Oral History Project” (2011).

- South African Democracy Education Trust, “The Road to Democracy” (2010).

- The University of KwaZulu-Natal, “Recording the anti-apartheid struggle in South Africa” (1998).