×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

ما بين الهوية والقيادة والتمثيل قراءة في كتيب: "تجسيدات الهوية لدى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين" لروزماري صايغ

ما بين الهوية والقيادة والتمثيل قراءة في كتيب: "تجسيدات الهوية لدى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين" لروزماري صايغ

بقلم: حازم جمجوم**

الهوية من أكثر المفاهيم ضبابية، فلكلّ منّا العديد من الهويات تسكننا في آن واحد، منها ما يفرضه علينا المجتمع المحيط والتربية والوثائق الرسمية، ومنها ما نختاره: كالأيديولوجيات والشعور بالانتماء. تتغيّر طريقتنا بالتفكير والتعبير عن سلّة الهويات هذه من وقت إلى آخر بناءاً على تجاربنا، وردّاً على المواقف التي تكون فيها هويتنا موضعا للتساؤل. الهوية إذن، مصطلح فضفاض ينقصه الدقّة المطلوبة ولا يسهل التعامل معه لغايات التواصل والتحليل. ونجد صعوبة مشابهة إذا حاولنا تحديد جنس أو نوع ل "الهويةفإذا أخذنا الهوية القومية عند الفلسطيني كمثال، نجد صعوبة في أن أي جواب على سؤال "ما هي القومية الفلسطينية؟" (أو حتى "من هو فلسطيني؟")، حتما سيكون أيديولوجيّاً إلى حدّ كبير. فهناك من يعتبر الانتماء الفلسطيني أفيوناً يلهي-إلى حد التناقض-عن الانتماء الطبقي أو الديني أو العربي أو الإنساني الأشمل، وهناك من يرى في الشعور الوطني الفلسطيني ضرورة يرتكز عليها مشروع التحرر أو بناء الدولة أو الحفاظ على الدبكة والدلعونة.

تنطلق الدكتورة روزماري صايغ— وهي من أهم مؤرّخي فلسطين، والتي كانت من رواد استخدام منهجية التأريخ الشفوي (منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي) لكسر الحصار الأكاديمي على النضال الفلسطيني وروايته في دول الاستعمار الجديدفي بحثها الثمين حول "تجسيدات الهوية لدى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين" باعتبار فكرة الهوية الفلسطينية الموحدة، كفكرة مهيمنة في أوساط الناشطين والباحثين الذين يستخدمون مصطلح "هويةوكأنه يرمز لشيء متجانس "دون الأخذ بعين الاعتبار تعدد المناخات الثقافية والسياسية التي تحيط بحياة الفلسطينيين، إضافة إلى أمد تهجيرهم الطويل" (صـ 7). دافع أ.د. صايغ في التطرق لهذه المسألة، هو أن التعاطي مع الهوية وكأنها موحدة متجانسة، يمنح تأكيدا مغلوطا بوجود وحدة وطنية حقيقية مما يساهم بدوره في تفاقم الأزمة الحالية التي تعاني منها الحركة الوطنية. إن شطب هكذا تأكيد، سيدفع النشطاء ببذل الجهود والتخطيط لبرامج ترمي إلى إعادة بناء التعبير عن/ التعريف بالذات كفلسطينيين، والأهم من ذلك، انه سيمنح الهوية الفلسطينية جوهراً ديمقراطياً اجتماعياً. وعليه فان القيادة الفلسطينية ما بعد اتفاقية أوسلو كانت قد ساهمت في إضعاف ربط تجسيد الذات بمنظمة التحرير الفلسطينية. وعلى الرغم من أن فكرة الهوية الوطنية المشتركة لا تزال تمتلك قوة توحيدية، إلا أنها كفت عن لعب دور تعبوي باتجاه أهداف مشتركة أو نضال مشترك. وفي هذه الوضعية، تصبح الوسائل الوطنية الشعبية بدائل مهمة على الصعيد الاستراتيجي. ف «المحلي » قد يعبر عن «الوطني » بإصرار وثبات أكثر مما قد تبديه القيادة السياسية (صـ 9-10).

التركيز في هذا البحث يقع على "لاجئي المخيمات"؛ وهي شريحة من الشعب الفلسطيني تعتبرها صايغ مهمّشة، حيث لم يكن لها تمثيل على الصعيد الرسمي في أيام قيادة م.ت.ف. وإن كان لها وجود في دوائر اتخاذ القرار آنذاك فقد تلاشى كلياً مع استلام المجلس التشريعي دور المجلس الوطني، بحيث لم يعد للشتات دور أو تمثيل. تستند صايغ إلى ثلاثة مراجع أساسية لشرح مجادلتها: الأولى مجموعة مقابلات أجرتها الكاتبة مع أهالي وكوادر مخيم شاتيلا حول مرحلة حصار وهجوم حركة أمل على المخيم عام 1985، والثانية مجموعة مقابلات أجرتها الباحثة لندا طبر مع أهالي وكوادر مخيم جنين حول الاجتياح الإسرائيلي للمخيم عام 2002، أما الثالثة فهي مداخلات اللاجئين الذين شاركوا في اجتماعات مشروع "كيفيتاس" والتي حررت نتائجه الدكتورة كرمة النابلسي عام 2006.

الدلائل التي تستخلصها الكاتبة من المصدرين الأولين متشابهة (إذا لم نقل متطابقة): في حالة الحصار والدمار، تكاتف أهالي المخيم، وتعاونوا في الدفاع عن المخيم ومداواة الجرحى وتأمين الغذاء والمأوى للآخرين دون أي اعتبار للانتماء الفصائلي أو بلد الأصل. في الحالتين، برزت قيادة قاعدية محلية-وطنية تمثل كافة أطياف المخيم للتعبير عن إرادة أهالي المخيم وصد الأذى عنهم؛ وهي حالات أدت إلى "تفاقم السخط في المخيم تجاه قيادة المقاومة الفلسطينية على تهاونها خلال الاجتياح" (صـ20). أما مداخلات مشروع كيفيتاس فهي تظهر بوضوح تمسك اللاجئ الفلسطيني بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد، وفي الوقت نفسه تشهد لخيبة الأمل الشديدة التي يشعر بها اللاجئ تجاه قيادة لا يراها تعبّر عن مطالبه ونضاله. تسلِّط صايغ الضوء على المداخلات التي طالب فيها المشاركون على إجراء انتخابات للمجلس الوطني وإعادة إحياء الاتحادات كي يعود لصوت الفلسطيني في المخيم صدى في قاعات القيادة ودوائر صنع القرار.

لبّ الخلاصة التي تتوصل إليها صايغ بعد استعراض نتائجها، هو أن فلسطينيي المخيمات فئة مهمشة فلسطينياً، وأن تجربة المخيمات تشير إلى تجسيدات للهوية الفلسطينية تتجلى كمطالب عملية (مثل إعادة إحياء م.ت.ف. على أسس التمثيل المباشر على مستوى المجلس الوطني واللجان القيادية في المخيمات) يتوجب على الناشطين والباحثين أخذها بعين الاعتبار؛ كي لا تبقى حالة التهميش هذه متفشية حتى مرحلة ما بعد التحرير (أو قيام الدولة). وتستند في هذه المجادلة إلى دراسات حول حالة المجموعات المهمشة (كالمرأة) في دول قامت على أثر حركات تحرر وطني (صـ28-29).

مع أنني أتفق مع صايغ في ما استخلصته إلّا أنني لا أراه متصلا بالإطار الفكري للبحث. فالقضايا والتجارب التي تبرزها الباحثة ليست ذات علاقة بالهوية على قدر علاقتها بالقيادة والتمثيل. تجارب حصار المخيمات لم تبرز تجسيدات للهوية تتعارض مع الهوية الفلسطينية وتجسيداتها النضالية التي عرفها أهالي المخيمات والقرى والمدن والسجون الفلسطينية على مدار القرن المنصرم. فالهوية الفلسطينية هي هوية نضالية بامتياز، مما يفسر ملاحظة صايغ أنه أثناء هذه المعارك الكابوسية، (يكشف الأهالي والكوادر) تعريفهم القاطع لذاتهم ك «فلسطينيين حقيقيين»" (صـ20). ومع أن الإصرار على الهوية قد يكون شكلا من أشكال النضال، وخاصة في حالات التصدي لمحاولات نفي ومحو الهوية الفلسطينية، كما هو الحال في القدس وفلسطين المحتلة عام 1948 وغيرها، إلّا أن ما تستعرضه صايغ بشكل واضح هو أن تاريخ فلسطين مليء بتجارب القيادة والتمثيل العفوي والفعال والذي من خلاله عبّر الفلسطينيون ليس عن هويات محلية، بل صعدوا من الانتماءات الفئوية إلى الهوية النضالية الجامعة التي لا تعترف باختلاف فصائلي أو ديني أو غيره من الانقسامات.

المداخلات التي نجدها في سجلّ اجتماعات كيفيتاس أيضاً تشير إلى موقف انتقاد القيادة على خلفية الهوية النضالية الجامعة؛ حيث يتفق المشاركون من جميع أنحاء العالم أن التشرذم الناتج عن تقسيم فلسطين (من خلال عملية السلام) والسماح بانهيار مؤسسات م.ت.ف. سيؤدي بنا إلى تفكيك وإضعاف الهوية النضالية؛ والأهم من ذلك أسس النضال نفسه. فالقضية التي تثيرها صايغ ليست قضية هوية— رغم علاقتها بالهوية النضاليةبل هي قضية قيادة وتمثيل. يجبرنا هذا البحث على إعادة النظر ورد الاعتبار إلى تجارب القيادة والتمثيل الغنية المنتشرة في جميع أماكن التواجد الفلسطيني، والوقوف على سجل معاركه لاستخلاص الدروس والعبر التي قد تفيدنا بالمعركة القادمةمعركة نفخ الروح في ممثلنا الشرعي والوحيد على درب عودتنا إلى الديار.

________________________________________________________________________________________________

* "تجسيدات الهوية لدى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين"، بحث للكاتبة روزماري الصايغ، ترجمه ونشره مركز بديل بالعربية عام 2009، متوافر على الرابط:
http://www.badil.org/en/publications?page=shop.product_details&flypage=garden_flypage.tpl&product_id=115&category_id=2
**حازم جمجوم: باحث فلسطيني يترقّب العودة من لبنان، طالب دراسات عليا في الجامعة الأمريكية في بيروت.