×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
الحرم الإبراهيمي، الخليل ٢٠١١ (أرشيف مركز بديل) الحرم الإبراهيمي، الخليل ٢٠١١ (أرشيف مركز بديل)

بقلم: د.عدنان جابر**

مر العمر بسرعة في ذلك اليوم- 5 حزيران عام 1969 - عندما رأتني أمي في مستشفى عالية في الخليل ورصاص المحتلين قد أصابني في رقبتي وقدمي؛ كنتُ في السابعة عشر من عمري آنذاك، وكان سلاحي "سيخ كباب" صنعتُه في مدرسة الأمير محمد الإعدادية، وطعنتُ به ثلاثة جنود إسرائيليين أمام الحرم الإبراهيمي.
في ذلك اليوم، وأنا بين الصحو واليقظة، نظرت أمي إلى وجهي المشوه الدامي، وقالت:
- معلش يما، المهم إنك عايش.
كانت قوية، مثلما عرفتها دائماً؛ أنعشتني كلماتها، وأنعشتني أنفاسها المشبعة بالحنان.
أخذني الجنود في عربة عسكرية من طرف شارع "السهلة" أمام الحرم الإبراهيمي، حيث اشتبكت معهم، متوجهين بي إلى الثكنة العسكرية "العمارة" المتواجدة على تلة مرتفعة، وهي مسافة طويلة بالنسبة لجريح ينزف من فمه ورقبته وقدمه.

بدا أنهم اعتقدوا بأنني على وشك الموت؛ لذلك عادوا بي وأدخلوني إلى "مستشفى عالية"؛ كي أموت هناك؛ ولكن تحت حراسة من قبل شرطة الخليل المحلية، ومداهمة مفاجئة متكررة من جنود الاحتلال للتأكد من عدم هروبي أو تهريبي. لم تطل إقامتي هناك، إذ عندما عرفوا بأنني لم أمت سارعوا بنقلي إلى مستشفى سجن الرملة.
طوال السنوات التي أمضيتها أسيراً، كانت أمي تهرول ورائي من سجن إلى سجن، وكانت تتمتع بحيوية عالية ومعنويات قوية إذا ما تمت مقارنتها بوالدي الطيب؛ كما كانت تتمتع بصوت جميل.
قالت لي قريبتنا أم العبد:
- أمك كانت تحيي كل عرس تحضره.
قبل الاحتلال، كان غناؤها يشي بالفرح والقوة، مع مجيء الاحتلال وتكرس الفراق وتشتت الأسرة بين الوطن ومنافي الغربة صار غناؤها مفعماً بالحزن والأسى، لكنها احتفظت بقدر مرموق من القوة والصبر. أدركنا أن أمنا تغني كي لا تبكي، وإن بكت فبعيداً عن أنظار الآخرين...
كانت تغني لأنها اعتادت صناعة الأمل.
كنت عارفاً بمكانتي الأثيرة في قلبها؛ بسبب كوني أسيراً وجريحاً، وأنا خلف القضبان خصصت لي بعض قصائدها الزجلية، وبعد خروجي من السجن، أثناء وجودي في رومانيا للعلاج تلقيت منها رسالة تقول فيها:
- ليتني قطعة شاش أبيض، ألتف بها على قدمك يا ولدي الحبيب.

في صوفيا، أثناء دراستي هناك، أسمعتُ بعض الزملاء والأصدقاء شريطاً لها كنت قد سجلته لها أثناء زيارتها لي في سورية، وأثناء استماعهم لصوتها، سألتهم مازحاً: هل تعرفون مغنية في فلسطين اسمها سعاد صلاح؟
فأجابوا:
- لا، ولكن صوتها حلو.
فقلت:
- هي أمي.
امتد زمن الفراق، وصَعُبَ على الحاجة سعاد أن يكون أولادها مشتتين في فلسطين والأردن والكويت وسورية والعراق والصين وبلغاريا، فعانت عبء الزيارة والسفر.
ذات مرة، نظرت إلى شجرة التوت أمام بيتنا في الخليل، ورأت عصفوراً ينطنط على أغصانها فأنشدتْ تقول:
عصفور يا كتكوت
يا مغرد فوق التوت
أيام عم بتفوت
وحبابي ما عادوا لَيِّ".
وعلى جسر الأردن، طلعت معها:
- ما أقساك يا دهر... وما أصعبك يا جسر.

كانت تأتي لزيارتنا مجتمعين أو فرادى. في البداية، وصحتها تسمح بذلك، كانت تأتي وحدها، ثم صارت تأتي برفقة أحد أبنائها أو إحدى بناتها، من ثم، لم تعد تأتي. تعبت عظام أمي!

انتظرتني في عمان سنتين كي تراني، لكن ذلك لم يكتب له أن يحصل. فلا هي قادرة على السفر إلى سورية بسبب عظامها المتعبة، ولا أنا توفرت لدي إمكانية السفر إلى الأردن كوني مبعداً عن البلاد.
بسبب وضعها الصحي، ارتأى إخوتي وأخواتي في الأردن أن يُبقوا الوالدة بينهم، وأن "تدور" على بيوتهم، أسبوع في كل بيت، إلى أن يأخذ الله الوديعة. كانت تلح للعودة إلى الخليل، وهم يراهنون على "النسيان" الذي بدأ يفعل فعله في ذاكرتها، ويقولون لها:
- يا حاجة لسه امبارح جيتي!
لكن ذلك لم يعد يفلح معها، وصارت تبكي كالأطفال كي تعود إلى الخليل. عادت وماتت ودفنت هناك. حققت أمي "حق العودة" بأن يكون لها قبر في الوطن!
حُلْمُنا الغالي: "حق العودة" سيشمل الأحياء، فهل سيشمل الشهداء، والأموات، والعظام، وكيف؟!
ربما سيكتفي الشهداء بالنصر، متمثلاً بالعودة... ويكفي أن نقرأ الفاتحة، كلٌّ من مكانه، على أعزائنا الذين تضمهم القبور... في أربع رياح الأرض.
يحزنني تشتت قبورنا، يؤلمني تشتت العظام. أبي وأمي يرقدان في الخليل، أخي الأكبر غازي مدفون في الكويت، وابني مارسيل هناك في صوفيا.
اختار صوفيا العاصمة، تمام الساعة الواحدة ظهراً، يوم السبت الموافق 26 تموز 2008، في الرابعةِ والعشرين من العمر، أن يُتوِّج نجاحه في السنة الرابعة والأخيرة في الجامعة، بالقفز من الطابق السادس. كان على وشك التخرج من الجامعة؛ لكنه فضَّل أن يخرجَ من الحياة!
وأنا، أين سيكون قبري؟! لقد قالها محمود درويش:
أرى الجنازة ولا أرى القبر.
كما حصل مع عظام أمي، لم تعد عظامي تحملني بيسر، مع أنني أتوكأ على عصا، فالشظايا ترافق قدمي منذ 5 حزيران 1969 وحتى الآن، والجرح لا يعرف التئاماً.
عندما زارني والدي المسكين في بغداد قال لي بألم:
- يابا، إذا بتتعبك كتير، وما بتشفى، اقطعها وارتاح!
لكنني قررت التمسك بها، وعندما يسألني إخوتي وأخواتي على الهاتف من فلسطين أو الأردن أو الصين:
"كيف وضع رجلك؟"، أجيبهم:
- أفضل من الوضع السياسي!
صمدت رجلي أكثر من 40 عاماً، وهناك دول لم تصمد 40 يوماً. بعد أن رافقتني كل هذه السنوات، وتحملتني في السراء والضراء، وبعد 14 عملية جراحية، وبفضلها رأيت عدة دول في العالم، هل أتخلى عنها؟! وإذا تم بترها، كيف سأنزل إلى البحر، أو أنزل إلى الدبكة وأدْبِكُ مع من يدبِكون؟!
تخيلت وهم يبترونها ويرمونها في النفايات، تخيلتها بعد هذا الصمود وهذه "العِشْرة"، تقول بأسى:
يا عيب الشوم!
رِجلي جاءت إلى الدنيا معي، وستغادرها معي، لن أتخلى عنها.. جئنا معاً، وسنذهب إلى القبر معاً، أحتفظ بها مثلما أحتفظ بـ (البنطلون) المثقَّب بالرصاص... الحمد لله أنه رصاص الأعداء!
عندما رأتني أمي في مستشفى عالية كنت في السابعة عشر من عمري، أما الآن فأقترب من الستين. كان سلاحي "سيخ كباب"، وأصبح سلاحي القلم، أحمل شهادتين: دكتوراه في الفلسفة ودكتوراه في القهر، القهر من جهتين: من الغربة والمنافي، ومن وجود مفارقة باهظة ودامية: شعبنا الفلسطيني شعب عظيم مبدع معطاء، وزعماؤنا يتقنون الفشل والتبديد والخواء... زعماء يرون الكرسي... ويعجزون أو لا ينوون رؤية زيتون البلاد!

أصابني مرض الضغط بعد الاقتتال في غزة... و"انتصار" ثورتنا... وبعد أن "رزقنا" الله "دولتين" بدل دولة واحدة! كنت أعرف أن الدواء والحمية لا يكفيان، بل لا بد من إطعام الروح. لذلك، من أجل تعزيز الأمل ومحاربة الكآبة، قمت بشراء "سيديات" مختارة لفيروز، أم كلثوم، عبد الوهاب، خوليو اغليسيس، ياني، وموسيقى كلاسيكية لموسيقيين مختلفين من عدة قرون.
لا أملك ما أُوَرِّثُهُ لأولادي سوى بنطلوني المصاب وبعض المؤلفات، لا أملك بيتاً أُوَرِّثُهُ لهم كي أريحهم وأريح فاطمة من هَمِّ الإيجار و"شحشطة البيوت"، لا أملك شيئاً سوى حُلْمٍ بامتلاك قبر... قبر في تراب الوطن!

ولي حُلْمٌ بسيط: ابني عُمَر (8 سنوات) وابنتي دالية (10 سنوات) أن يعيشا طويلاً، وان لا ينقصف عمرهما كما انقصفَ عُمْرُ أخيهما مارسيل، ألا تموت فاطمة قبلي بل أن أموت أنا قبلها، وأن تعيش هي وأولادي بكرامة، لا أريد لها أن تصطف في طابور الأرامل أمام باب أي مسؤول تافه... أو سافل!

وأريدُ كبوةً أخيرة
كبوةً ترافقها السلامة
قبراً جميلاً
أُعَلِّقُ عليه التعب
وأنامُ فيه... إلى القيامة
لا أريده في وحشة الغربة وفي صقيع المنافي، أريد قبراً هناك في تراب الخليل، قرب كروم العنب... بجانب عظام أمي.
*إحدى القصص الفائزة بجائزة تقديرية في مسابقة جائزة العودة للعام 2011، حقل القصص الصحفية.
** عدنان حافظ جابر: أسير محرر، منفي، وجريح وجراحه لم تلتئم بعد، حاصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة صوفيا، بلغاريا، عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.