×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الهوية الوطنية الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو: إشكالية التفكيك برسم النظام!

مؤتمر مدريد، ٣٠ تشرين الأول ١٩٩١ (المصدر: EPA) مؤتمر مدريد، ٣٠ تشرين الأول ١٩٩١ (المصدر: EPA)

بقلم: وسام رفيدي*

مقدمة

يتجاوز تأثير اتفاق أوسلو للعام 1993 حدود العلاقة الصراعية بين الشعب الفلسطيني والمشروع الصهيوني فوق وطنه، ليطال مجمل النظام والحقل السياسيين ناهيك عن البنية الاجتماعية الفلسطينية على تنوع مركباتها وتجلياتها. إن من البداهة بمكان أن المرحلة الجديدة، وإذ طالت بتأثيراتها الحقل والنظام السياسيين وتركيبتيهما، فإنها، والحال هذا، ستطال بتأثيراتها أيضاً الهوية الفلسطينية كما تتجلى في المرحلة الاخيرة.
إن الورقة إذ تنطلق من حقيقة التأثير الذي طال الهوية الوطنية بعد أوسلو فإنها تسعى لإثبات أن هذا التأثير إنما تم بفعل طبيعة النظام السياسي الفلسطيني ما بعد اوسلو كنظام يستدعي نتيجة طبيعته مثل هذا التأثير: تأثير بلغ درجة تفعيل مقومات التفكك في الهوية الوطنية كنتيجة حتمية لمفاعيل وآليات فعل نظام الزبائنية الذي نشأ بعد العام 1994.

أولاً: الصراع كمحفز لتبلور الهوية الوطنية

لا تنقص الدلائل على أن تبلور الهوية الوطنية إنما تم عبر خوض الشعب الفلسطيني لصراعه الدامي مع المشروع الصهيوني والامبريالية البريطانية فوق وطنه. فرؤية الفلسطينيين لأنفسهم والتعبيرات السياسية/الكيانية المتناسبة مع هذه الهوية والداعمة لها إنما بدأت بالتبلور في خضم الصراع مع المشروع الصهيوني.
ففي مطلع القرن العشرين، برزت فوق ارض فلسطين متغيرات أساسية:
على المستوى السياسي،، فمن ناحية أولى، بدأ يتأكد على الأرض الخطر الحقيقي للغزو الصهيوني لفلسطين عبر تفعيل الاستيطان والهجرة اليهودية خاصة بعد ان اتخذت بريطانيا قرارها الاستعماري بالانتداب على فلسطين، الأمر الذي أشعر الفلسطينيون بخطر حقيقي يتهدد وطنهم ووجودهم.
ومن ناحية ثانية فقد وقعت فلسطين تحت الاستعمار البريطاني عبر مسماه الرسمي (الانتدابوبدأ، وإن بشكل تدريجي ضعيف على المستوى القيادي، الشعور بخطر هذا الاستعمار وحقيقة دعمه للمشروع الصهيوني.

أما من الناحية الثالثة فإن تفكك الدولة العثمانية كان قد فتح الطريق لطروحات عديدة تتناول بدائل السيادة السياسية لهذا التفكك الذي يعني بالنتيجة انتهاء السيادةالعثمانية التي دامت لقرون أربع. وقد كانت البدائل تلك تتراوح بين مشروع الاستقلالية اللامركزية ضمن الدولة العثمانية، مروراً بدولة مشرقية عربية واحدة كما في مشروع شريف مكة الحسين بن علي، وشعار فلسطين جزء من سوريا الطبيعية وصولاً إلى استقلال فلسطين. يمكن ببساطة ملاحظة التنقل بين هذه المشاريع وصولاً لتبلور المشروع الاخير على أجندة الحركة الوطنية منذ ما قبل الاحتلال البريطاني وصولاً للنكبة في العام 48.
من الضروري التنويه هنا أن الوصول، كما هو إجمالاً في الحقل السياسي والاجتماعي، لتبلور سياسي للهوية الوطنية، كشعور جمعي ومؤسسات كيانية لم يكن عملية ميكانيكة زمنياً: في سنة معينة ولحظة محددة! بل هي عملية تبلور، مخاض إن جاز التعبير، تدوم سنوات طويلة وتتشابك فيها عوامل كثيرة وأطراف عدة ومتغيرات مختلفة، حتى تنضج. وعليه فإن اعتبار مطلع القرن العشرين هو الزمن السياسي الذي تبلورت فيه الهوية الوطنية امر يعني مخاضا دام لسنوات عديدة، تصل لحدود النكبة الفلسطينية في العام 48 وما تلاها.

أما على الصعيد الاقتصادي/ الاجتماعي فقد تركت الإصلاحات العثمانية، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، أواسط القرن التاسع عشر (1859) تأثيراتها على فلسطين كما على مجمل المناطق العربية الخاضعة للاحتلال العثماني المباشر. إن قرار تسجيل الأراضي قد عنى تحويلها لملكية خاصة، وبالتالي سلَّعها، الأمر الذي قاد لعملية رسملة للريف الفلسطيني من جهة، وتبلور التركيب الطبقي بشكل أكثر فأكثر وضوحاً بين الفلاحين والاقطاع من جهة ثانية. وعلى جانب آخر، فإن الاحتلال البريطاني ومتطلبات عملياته العسكرية من جهة، ونهبه للمنتجات المحلية من جهة ثانية، والمتطلبات الإدارية/ الوظيفية لجهاز حكمه، كل ذلك أدى لبروز دور مديني/حضري ساحلي تمظهر بانتعاش مدن حيفا ويافا كمراكز اقتصادية تجارية، احتضنت لاحقاً ولادة التعبيرات الكيانية للهوية الوطنية. إن من أهم نتائج هذا الدور المديني هو بروز أنوية الفئات الاجتماعية المدينية الحديثة ( الفئات الوسطى والعمال والاجراء عامة).
ارتباطاً بذلك الصعيد الاقتصادي/ الاجتماعي، يمكن ملاحظة ولادة التعبيرات السياسية والاجتماعية عن الهوية في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ( أحزاب، مؤسسات نقابية، اتحادات، جمعيات، صحافة وإعلام....). لذلك، يمكن فهم تحليل عزمي بشارة المعروف: النكبة دمرت نواة المدينة الحداثية وتعبيراتها في فلسطين.
ومع ذلك، فهذه الدلائل العديدة والتي يتفق عليها معظم الباحثين تجد منْ يحاججها. يرفض الكاتب زكريا محمد وجهة النظر السائدة بان تبلور الهوية الوطنية كان نتاج الاشتباك مع المشروع الصهيوني وحليفه الامبريالي البريطاني؛ بل يعود لحملة محمد علي باشا على بلاد الشام ليلحظ تبلور الهوية الوطنية من حينها: مطلع القرن التاسع عشر، وربما قبل ذلك.
إن اعتماد زكريا لتدعيم وجهة نظره ينحصر في اقتباس منقول عن محمد علي يستخدم فيه مصطلح "فلسطيني!!"معللاً، زكريا، أنه لولا استخدام الفلسطينيين أنفسهم للمصطلح لما استخدمه محمد علي... واستخدام المصطلح، باعتباره تعريف بالذات، يعني أنهم، أي الفلسطينييون، كانوا ينظرون لأنفسهم كهوية وطنية مستفلة!
إن ما يستخدمه محمد علي لا يعني بالضرورة أن يستخدمه الفلسطينييون. فعلي استخدم مثلاً شعار/ هدف بناء دولة موحدة للناطقين باللغة العربية تضم الجناحين: الغربي مصر والشرقي بلاد الشام، وجرد حملته على بلاد الشام لذلك السبب الامر الذي وقف الفلسطينييون، فلاحين واقطاع، ضده! أي أن استخدام محمد علي للشعار/ الهدف لم يعنِ بالضرورة استخدام والتفاف الفلسطينيين حوله. لقد كان طموح محمد علي ومشروعه السياسي في واد والفلسطينيين حينها في واد آخر، ولم يكن ليجمعهم وحدة مصطلح مع الطموح المصري البرجوازي. وليس نادراً في التاريخ أن يصف طرف ما الطرف الآخر بتعبير سياسي يختلف عما يصف به هذا الآخر نفسه. إسرائيل، مثلاً استخدمت، ولا زالت، مصطلح: "عرب إسرائيل"، وهو لا يدلل على موافقة الفلسطينيين عليه، بل بالعكس يرفضه الفلسطينييون داخل "إسرائيل" ويستخدمون بدلاً منه، أكثر فأكثر، فلسطينيو ال 48!

ثم لماذا الافتراض أن استخدام الفلسطينيين لهذا التوصيف لأنفسهم، إن جاز هذا الاستنتاج غير المدعم أصلاً، سيعني بالضرورة أن هويتهم متبلورة؟ إن الشعور بالذاتوتعريفها لا يكفي لإعلان تواجد هوية متبلورة: إن تبلور الكيانية السياسية/ المجتمعية عبر التعبيرات المختلفة أمر حاسم هنا... وقد تبلورت في مطلع القرن العشرين هذه الكيانية بالذات، فحفزت على تبلور الهوية المدعومة برؤية الفلسطينيين لأنفسهم! إن اقتباس محمد علي، الوحيد كشاهد تاريخي، وتحميله ما لا يحتمل، لم يعزز حجة زكريا بل بالعكس، أوهنها أكثر.
إن النقيصة الأساسية في فهم زكريا هي أنه في نقده للعلاقة بين تبلور الهوية الوطنية والمشروع الصهيوني يغيب الجانب الصراعي في العلاقة، معتبراً أن تبلور الهوية، حسب ماهر الشريف، ارتبط بالاستيطان الصهيوني! وكأنه لولا الاستيطان لما تبلورت الهوية! هكذا بميكانيكية غريبة عن نهج محمد الكتابي عموماً! معززاً هذا التسلسل الميكانيكي بسؤال حول انتفاء الهوية الوطنية للسوريين والعراقيين طالما لا يوجد استيطان صهيوني!
إن الصراع هو حاضنة تبلور الهوية الوطنية الفلسطينية، وليس من العلمية بمكان تناول العلاقة بين المشروعين: الهوية الوطنية والمشروع الاستيطاني خارج دائرة الصراع. وهذا ما نفهمه من فيصل دراج عندما يتحدث عن النص الآخر الذي يضيء الهوية، يحفزها للظهور، والآخر هنا النص الصهيوني حصراً الذي يشتبك مع النص الفلسطيني.
وعلى العموم، هناك في التاريخ الفلسطيني حدثان هامان يغريان باعتبار تبلور الهوية الوطنية إنما تم مطلع القرن التاسع عشر وما قبله: الأول حركة ظاهر العمر في القرن الثامن عشر للاستقلال بفلسطين عن الدولة العثمانية، والثاني تمرد الفلاحين الفلسطينيين ضد حملة محمد علي باشا للبلاد والتي قادها ابنه إبراهيم في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. ليس في الحالتين، بتقديرنا، أية مظاهر داعمة لتبلور الهوية، بل على النقيض تماماً، كما يظهر أكثر في الحالة الثانية.
كان ظاهر العمر يحركه نزوع سلطوي للتحلل من السلطة العثمانية، أو في الحد الأدنى لتحسين موقعه ودوره وحصته من النهب العام، باعتباره جزء من السلطة لا نقيض لها، وهو في سبيل ذلك حاول تدعيم مكانته بتطوير مكانة الساحل الفلسطيني التجارية وبناء مرتكزات إدارية مستقلة لحكمه، ولكن لم يسجل في التاريخ أية نزوعات لعمر تشير لتبلور مشروع وطني استقلالي فلسطيني، على غرار مشروع محمد علي العروبي في مصر مثلاً.

أما تمردات الفلاحين فقد كانت بتحريض وقيادة العائلات الاقطاعية الفلسطينية تحديداً وبدعم الدولة العثمانية والاستعمار البريطاني لتلك العائلات التي رأت في إجراءات إبراهيم باشا لحصر جباية الضرائب في جهاز دولته، مساً بمصدر دخلها الأساس، وبالتالي قوتها الاجتماعية ومصدر سلطتها، والذي، أي هذا الدخل، ترسخ كآلية للنهب، رسَّمتها طبيعة علاقة الالتزام بين الدولة العثمانية والعائلات الاقطاعية.
لذلك، فإن هذه الورقة تعتقد أنه في رحم الصراع مع المشروع الصهيوني، وعلى الضد منه، تبلورت الهوية الوطنية الفلسطينية كشعور جمعي ومؤسسات كيانية.

ثانياً: بعد العام 48... هوية تتوارى

في الأربعينيات كانت الهوية الوطنية في اوج تمثلاتها والتي يمكن المرور عليها سريعاً:
• وعي جمعي يتعمق أكثر فأكثر كلما لامس الخطر الصهيوني أكثر فأكثر، وقد تجسد هذا في التأكيد على استقلال فلسطين وبناء دولة ديمقراطية واحدة.
تعبيرات سياسية كيانية تمثيلية كان أبرزها اللجنة القومية العليا واللجان المناطقية التابعة لها، ناهيك عن الأحزاب السياسية والاتحادات النقابية والمؤسسات الشعبية والاجتماعية المختلفة والتعبيرات الثقافية كالمجلات والمطبوعات والصحف... ويمكن في هذا المجال ملاحظة أن بناء عصبة التحرر الوطني الفلسطيني بعد الانفصال التاريخي بين الشيوعيين الفلسطينيين واليهود، كان مؤشراً على حقيقة الانفصال بين مشروعين: مشروع التحرر الوطني من جهة والمشروع الصهيوني من جهة ثانية، بما لذلك من دلالات تؤكد على الهوية الوطنية بعيداً عن صهرها ودمجها وتهميشها في صيغ حزبية مصطنعة!
لذلك كانت الهزيمة/ النكبة بمثابة الكارثة على تعبيرات الهوية الوطنية باعتبارها بددت وفككت تلك التعبيرات او حتى دثرتها. وعلى هذا الصعيد حقق المشروع الصهيوني هدفه: فكك التعبيرات المادية للهوية الوطنية بتدميره للمجتمع الفلسطيني في منطقة 48، علماً أن التعبيرات تلك كانت بارزة أكثر ما برزت في تلك المنطقة تحديداً، وفي مدن الساحل بشكل أكثر تحديداً.

إن التوجه نحو بناء، والعمل ضمن، البنية التنظيمية القومية العربية بعد العام 48 مثل حركة القوميين العرب والبعث والأخوان المسلمين، أولا لم يكن تأكيداً فلسطينياً على شطب الهوية الفلسطينية، بل تقديراً من جهة لصعوبات المواجهة كشعب منفرد وبالتالي، الاحتماء بالعمق العربي، وثانياً كان تناغماً مع المد القومي، الناصري في حينها. في مطلق الأحوال لم يرَ الفلسطينيون يوماً هويتهم الوطنية كبديل عن الهوية القومية العربية الجامعة ولم يعتبروا أن تناغمهم مع المشروع القومي يعني شطب الهوية الوطنية، علماً ان التعبير الكياني بعد العام 48 (حكومة عموم فلسطين) بقي شكلياً وحتى أواسط الستينيات لحين تشكيل منظمة التحرير.
ورغم هذا فقد كانت بعض التعبيرات الوطنية لا تزال تمارس مفاعيلها: تشكلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح كأول تنظيم فلسطيني، لحقها القوميون العرب بتشكيل فرعهم الفلسطيني الذي تحول ليغدو الأساس لتشكيل الجبهة الشعبية لاحقاً.

من جهة ثانية، كانت المحاولات مستميتة من الأنظمة العربية، على اختلاف تصنيفاتها، للدفع باتجاه عدم تبلور التعبيرات الكيانية وتجذرها أكثر وسط الشعب، وعدم حملها، وهذا الأهم، للواء النضال ضد المشروع الصهيوني الذي تجسد كدولة. فالحكومة المصرية، وتحت يافطة قومية المعركة، أرادت إبقاء النضال تحت عباءتها السياسية، فيما كان الأردن يظهر تحسساً عدائياً تجاه أي تعبير كياني فلسطيني، حتى لو جامعة أكاديمية، فتميز سلوكه بالسعي للطمس الكامل لأيٍ من التعبيرات التي يمكن أن تنشأ.
بهذا المعنى، فإن تأسيس منظمة التحرير سيغدو بمثابة إعلان عن تأسيس التعبير الكياني الفلسطيني الذي يتناغم مع الشعور الجمعي الكامن. وستحتاج المنظمة بفصائلها المقاتلة لسنوات من التضحيات والنضال المسلح والعمل السياسي العربي والدولي لتنتزع الاعتراف العربي والدولي، وقبله الشعبي الفلسطيني، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد.
تأسيساً لما سيأتي، نقول: ربما كان النتاج الأهم في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني المعاصر، من زاوية الانجازات، هو بناء مقومات الهوية الوطنية: التعبير السياسي الكياني وسلسلة من المؤسسات الشعبية والرسمية والاجتماعية والنقابية، دون نسيان التعبيرات الثقافية والفنية، والبرنامج الوطني الشامل (الميثاق الوطني ووثيقة الاستقلالوقبل ذلك الالتفاف الشعبي حول قيم جماعية شكلت الشعور الجمعي الفلسطيني الذي تمحور حول النضال ضد الاحتلال باعتباره، أي هذا الشعور، شعوراً جمعياً تحرريا يتمسك بالوطن ولا يقبل المساومة عليه... وغيرها من المقومات، وبالتالي، كان أي مساس بهذه التعبيرات سيكون بمثابة معول تفكيك لمقومات تلك الهوية.
من هذه الزاوية بالذات يمكن النظر لاتفاق أوسلو، والنظام السياسي الناشئ على ضوئه: من زاوية تأثيراته على مقومات الهوية الوطنية والتي تشكلت وتبلورت على مدار 3 عقود من الثورة الفلسطينية المعاصرة.

ثالثاً: أوسلو ونتاجه: معول تفكيك للهوية الوطنية

بالمعالجة السطحية للأمور يبدو أوسلو والنظام الناشئ عنه كما لو أنه بالضبط لعب دوراً في تعزيز الهوية الوطنية وهذا ما ظل مؤيدو أوسلو، وحتى اليوم، يبرزونه: فلأول مرة تأسست سلطة فلسطينية على أرض فلسطينية، اسمها حسب الاتفاقات سلطة الحكم الإداري الذاتي، ولأول مرة أصبح لدينا مجلس تشريعي منتخب بقوام وصلاحيات حددتها الاتفاقات والتفاهمات مع المحتل، وأصبح لدينا مؤسسات اجتماعية واقتصادية وشعبية ووزارات وهيئات ومصالح ومهرجانات... بمعنى أننا عززنا كل مقومات الهوية الوطنية!
سطحياً يبدو هذا صحيحاً، ولكن جوهرياً فإنني أعتقد، على العكس من ذلك، أن اتفاق أوسلو وما نتج عنه من نظام وحقل سياسي جديد ألحق الضرر بمقومات الهوية، بل لعب ويلعب دوراً تخريبياً على صعيدها. فما هي بالضبط تلك التأثيرات؟

3-1: شطب المنظمة فعليا
ً
تكاد تجمع كل التحليلات والدراسات لما بعد أوسلو وللحقل السياسي الناشئ أن المرحلة الجديدة عنت تهميش وتفريغ منظمة التحرير من محتواها وتغييب دورها حتى باتت هياكل لا وزن جدي لها في السياسة الفلسطينية. فمن إلغاء الميثاق الوطني الجامع والمجسد للحق الفلسطيني، وأحد أبرز مقومات هوية الشعب ورؤيته لنفسه في التاريخ، إلى تعطيل مؤسساتها- إلا لاعتبارات استخدامية في الصراع الداخلي- إلى شطبها لصالح سلطة على نتوءات جغرافية ينتهكها الاحتلال يومياً.
ما يهمنا في هذا الجانب هو ملاحظة السمة الرئيسة للنظام وما ارتبط بها من تغيرات اجتماعية. وللفحص السريع لهذه السمة وتعبيراتها يمكن الاستناد إلى مقولة- مفهوم الاستبدالية الذي نحتها "إسحق دويتشر" في بحثه الموسع (ثلاثيته) حول تروتسكي (دويتشر، 1981؛ 1982؛ 1983). ويتحدد قوام هذا المفهوم في أنه عملية منظمة، سياسية، وتاريخية، لاستبدال المؤسسات والأدوار بما يتطلبه ذلك من إجراءات وسياسات ذات طابع استراتيجي وتكتيكي.
إن السمة السياسية الأبرز كما يحددها هلال هي أفول المنظمة لصالح التشكيل السلطوي الجديد-السلطة الفلسطينية. فقد تم استبدال المنظمة بالسلطة برنامجياً وسياسياً وتنظيمياً، بغض النظر عن الخطاب الإعلامي السائد للسلطة.
وعليه تهمش دور المنظمة بتهميش القاسم المشترك البرنامجي الذي جمعها كائتلاف منذ العام 1964، وهُمش بالتالي المكون الأساس للهوية الوطنية: التعبير السياسي/ الكياني.
وعليه تحددت السمة الرئيسية للنظام السياسي بعد أوسلو بحقيقة تصفية مؤسسة المنظمة الفعلية، أي تصفية عنوان النظام السياسي السابق، وبالمقابل عدم بناء نظام سياسي جديد وطني على أنقاض الاحتلال، بل بناء نظام زبائني محدث، يخضع بالنهاية، للسيادة الاحتلالية الشاملة، نظام مكبل بثقل الاتفاقات ومعدوم السيادة تُطرح شرعيته على طاولة النقاش.
إن من أولى مفاعيل أوسلو هو تفكيك العنوان السياسي الأبرز، الكياني للشعب الفلسطيني، أي توجيه ضربة جدية لمقوم أساس للهوية الوطنية: بل لعله المقوم الأساس. واليوم تتأكد حقيقة هذه العملية التفكيكية، الهادفة تماماً، في التفكك الناتج في العلاقة بين الفلسطينيين في الداخل وأؤلئك في الشتات. كانت المنظمة هي العنوان الجامع، ببرنامجها وميثاقها ومؤسساتها، وبالتالي كانت وحدة الفلسطينيين، كشعب موحد في الداخل والخارج، من أبرز مقومات بناء الهوية الوطنية. الحقيقة اليوم تفيد أن التباعد بين المكونين يتزايد أكثر فأكثر، فيما بدأ فلسطينيو الخارج بالبحث عن آليات تمثيلية لهم تطرح همهم الأساس في ظل تراجع وتفكك آليات المنظمة واهتمامها بهم. يضاف لذلك أن أوسلو باعترافه بإسرائيل، والأخطر بشرعية وجودها، عنى شطب فلسطينيي الداخل من الأجندة الفلسطينية، وبالتالي أخرجهم من السعي التاريخي المشروع الذي بدأته المنظمة عبر ميثاقها ونضالاتها وبرامج فصائلها لبناء هوية موحدة لشعب رغم توزعه الجغرافي!
إذن نحن أمام تأثير مركب لاتفاق أوسلو: همّش المنظمة ككيان سياسي/ معنوي وبالتالي، ضرب المقوم الأساس للهوية الوطنية، فأحدث شرخاً في وحدة الشعب الفلسطيني فضرب بالتالي، وأيضاً، هويته الوطنية.

3-2 طبيعة النظام الزبائني ما بعد أوسلو

يبدو توصيف زبائني من أكثر التوصيفات التي تنطبق على طبيعة النظام السياسي الناشئ كنتاج لاتفاقات أوسلو. وما يهمنا هنا أن الزبائنية تستدعي حتماً توجهات وترتيبات وعلاقات تؤول بالضرورة لتفكيك مقومات الانتماء الوطني الداعم للهوية الوطنية الموحدة لصالح انتماءات جهوية وعشائرية وعائلية، وحتى دينية، تجد في الزبائنية ضالتها. إن النظام السياسي ما بعد أوسلو يتطلب هكذا تفكيك ليتمكن من تدعيم قاعدته السياسية/ التنظيمية عبر نظام الزبائنية.
لم يكن غريباً أن تنشط ما بعد أوسلو كل الهياكل التي كانت مندحرة ما قبله: هياكل جهوية، عشائرية، عائلية بل وطائفية. لقد انتشرت بسرعة النار في الهشيم، فخلال سنوات غدا لدينا في القرى والمخيمات والمدن العشرات من هذه الهياكل المؤسسة حديثاً والتي كان مجرد التفكير بها ضرباً من الموقف الرجعي المعادي لبناء مقومات الشخصية والهوية الوطنية، وهذا صحيح.

وللتدليل على منهجية سلطوية في تعزيز هذه الانتماءات البديلة للانتماء الوطني وبالتالي لتعزيز الهوية الوطنية يمكن النظر لنظام الانتخابات ذاته. إن نظام الانتخاب على مستوى الدوائر هو أفضل وصفة لتعزيز نفوذ العائلات والجهويين في العملية السياسية بديلاً للدائرة الوطنية الواحدة التي تعزز التنافس على أسس وطنية برنامجية لا على أسس الانتماء العائلي، كما يمكن محاكمة نظام الكوتا المسيحية ضمن ذات السياق: تعزيز النزعة الدينية المذهبية. أما تخصيص مقعد للبدو وآخر للسامريين ( الغي في الانتخابات الأخيرة) فهو يصب بذات السياق.
يشرح هلال آلية العلاقة بين الزبائنية والتشكيلات القرابية بالتالي:" إن الزبائنية المحدثة كآلية في إدارة نظام الحكم تطرح السؤال عما إذا كان تشجيع دور التشكيلات القرابية في الحقل السياسي الفلسطيني، باعتبارها تشكيلات تستجيب للعلاقات الزبائنية، أمراً يقتضي تسهيل توليد علاقات زبائنية أم أن له أبعادا أخرى؟؟ " وبعد ما يتحدث عن إضعاف التشكيلات ذات الطابع الحداثي لصالح التشكيلات القرابية يؤكد هلال: " إن هناك مصلحة للسلطة في ذلك".

3-3 رعاية السلطة والمستوى السياسي للتطبيع مع إسرائيل

سواء تم رسم سياسة التطبيع باتفاق رسمي مثل واي ريفر، أو عبر مشاريع برعاية الاتحاد الأوروبي والأمريكان ( مثل مشروع شعب لشعب) ومشاركة المصريين والمغاربة والأردنيين، فإن سلوك السلطة السياسي فتح الأبواب واسعة لاستشراء خطر التطبيع على المستوى الوطني، لا بل ورعى الأنشطة التطبيعية رموز قيادية في جهاز السلطة وفي الجهاز المتفكك لمنظمة التحرير، وليطال هذا النشاط القطاعات الأهم بالحماية من مخاطر التطبيع: الأطفال والشباب. يكفي الإشارة لمشروع بذور السلام الذي نشط في أعوام العسل نهاية التسعينيات بين السلطة والاحتلال وكانت وزارة التربية والتعليم ترسل من خلاله الأطفال لأنشطة تطبيعية، كما يكفي الإشارة لوثيقة جنيف وتشكيل ما يسمى بتحالف السلام الفلسطيني والذي يحظى برعاية فلسطينية رسمية!

إن مخاطر التطبيع هنا تنبع من أن أحد ابرز مقومات تدعيم الهوية الوطنية، أي رواية الشعب نفسه كشعب يخوض الصراع مع المحتل، تختل لصالح رواية أخرى تشوه هذا النضال وحقيقة الصراع: رواية ترى في المحتل: "آخر"، يجب محاورته لا النضال ضده! إن استبدال الحوار بالصراع وكأن هذا الصراع مجرد خلاف بين جارين يحل بالتفاهم والتراضي. إن هذا يعيد صياغة المركبات الثقافية والنفسية للفلسطيني باتجاه القبول بالمحتل فوق الوطن، ورفض الصراع ضده، والتسليم بقوته، ما يوهن من عزيمة النضال ويشوه من بناء الهوية الوطنية. لا هوية وطنية تنشأ من قناعة دونية من تفوق الآخر المحتل ومن قناعة مستسلمة لا تقوى على التحدي. وضمن هذا السياق يمكن النظر لخطورة المحاولات التي جرت لفرض انصياع المنهاج الفلسطيني لمتطلبات التعايش!

بعد النكبة وطوال سنوات النضال الفلسطيني نشأ الوعي الجمعي الفلسطيني كوعي تحرري ينادي بالخلاص من الاحتلال وتحرير الوطن، والتطبيع اليوم، في هذه الجزئية بالذات، إنما يهيل التراب على هذا الوعي ليعيد صياغة وعي جديد: القبول بالمحتل وبالاستسلام لإرادته بدونية تسحق الهوية الوطنية للفرد. إن اخطر ما يؤثر عليه التطبيع هو تلك التركيبة النفسية- الثقافية- الوجدانية للمطبع: لا حقد على المحتل بل خلاف جيران ومحاورة تستهدف العيش المشترك.

3-4 ملامح كوسموبوليتية في خطاب العديد من المنظمات غير الحكومية

الخطاب الأنجوي ( نسبة ل NGO ) خطاب عولمي بامتياز؛ فقد تشكل وتبلور نهائياً عبر علاقة الاستهلاك المعرفي لناشطي المنظمات غير الحكومية لمخزون الليبرالية الفكري والسياسي، فغدا مجرد تكرار لملامح هذا الخطاب دون تمحيص أو توطين لمفردات ومفاهيم الخطاب. إن الاستهلاكية هي الميزة الأساسية للسلوك الفكري للمنظمات غير الحكومية، وهي نقيض الإنتاجية على المستوى الفكري؛ لذلك تُسمع كثيراً بين أوساط ناشطي تلك المنظمات مصطلحات متذمرة من نوع ( لا توجه فكري/ لا رؤية تنموية/ لا خطاب موحد...) وهذا صحيح، ففي الأغلب إما تتبنى المنظمة، كتحصيل حاصل، خطاب الممول، عن سابق قناعة لدى القائمين عليها بجدوى الخطاب الليبرالي، أو ببساطة لا تضع مسألة الخطاب على جدول أعمالها، فتكون بالنهاية أسيرة لتأثير الخطاب الوافد مهما كان ركيكاً ومهما كان الممول المنتج وضيعاً في مكانته الدولية وتأثيره.
والخطاب المعولم إذ يسعى لتأكيد مكانة (القرية العالمية)، وهي موجودة فعلاً ( طبعاً مختار القرية الامبريالية، وخاصة الأمريكية) وصياغة (ثقافة عالمية) تتجاوز (الحدود والانغلاق القومي) فإن تركيز سهامه في الأغلب على المخزون الثقافي الوطني، خاصة أن ذلك المخزون تشكل في مرحلة تصاعد النضال التحرري؛ فأضحى المخزون موسوماً بهذه السمة: ثقافة التحرر الوطني. إن العملية مترابطة: ثقافة التحرر الوطني عززت من التبلور الكامل للهوية الوطنية فيما نقض هذه الثقافة سيضعف، وبل ويساهم في تفكيك الهوية الوطنية. كيف تتجلى هذه الآلية في الممارسة اليومية المستندة للخطاب الأنجوي؟

3-4-1 في التركيز على وحدانية البعد الحقوقي

نسوق في الفقرة التالية فهمنا السريع والمكثف لآليات تبلور الخطاب الليبرالي العالمي المعتبر كخطاب حقوقي بامتياز تنطلق الليبرالية الجديدة من مفهوم (عقلانية) القانون ( والمساواة أمام القانون) لكل المواطنين. إن العقلانية المروج لها هنا هي استمرار لعقلانية برجوازية نشطت في القرن السابع عشر لمواجهة غيبية الدين والكنيسة. والمساواة أمام القانون ادعاء كاذب يخفي حقيقة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي عدم المساواة القانونية. على المستوى العيني فقد كانت عقلانية المؤسسة البرجوازية، الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية، في مواجهة العوامل المتفجرة في البنية الاجتماعية، وهي تحديداً علاقات الملكية الرأسمالية. إن مفهوم عقلانية القانون تخفي وراءها التوازن الاجتماعي الذي وقف خلف التشريع القانوني. فالقانون بالنهاية غير منفصل عن هذا التوازن والعلاقات الاجتماعية. وبالملموس إن علاقات الملكية تطل برأسها باعتبارها الموجّه العام للبناء الحقوقي والقانوني داخل المجتمع.

يمكن ببساطة اعتبار البعد الحقوقي هو جوهر الخطاب الأنجوي. ليست المشكلة في أخذ الحقوق بعين الاعتبار كركيزة في الخطاب، علماً أن هذه الحقوق هي بالنهاية نتاج توازنات دولية، والعديد منها جرى فرضه على شعوب العالم بقوة رأس المال وثقافة الإمبريالية المعولمة دون أخذ وجهة نظر الشعوب بعين الاعتبار. ولكن، تكمن الإشكالية في الفصم الممنهج بين الحقوق بالمفهوم "العالمي"، وبين الحقوق الوطنية والتاريخية لشعبنا. إن إعطاء الأولوية للحقوق في قضايا معينة ربما سيقود للتناقض مع الحقوق الوطنية التاريخية لشعبنا، وبالتالي سيمس من هويته الوطنية، باعتبار أن الاستناد للحقوق لا للحقوق الوطنية التاريخية، في حالة تناقضها، سيقود لضرب الانتماء الجمعي لتحقيق الأهداف الوطنية.

3-4-2 في إعادة صياغة وعي الشعوب

وهذه الصياغة المعولمة للحقوق وتبنيها على المستوى الوطني عبر خطاب المنظمات غير الحكومية تؤول لإعادة صياغة ثقافة الشعوب على الضد من ثقافة التحرر الوطني. حتى في مرحلة تصاعد النضال الوطني الفلسطيني اشتكى فيصل درّاج من أن الخطاب الوطني التحرري لا يحايثه خطاب ثقافي تحرري، والأنكى من ذلك اليوم أن النضال الوطني الفلسطيني التحرري يحايثه ثقافياً خطاب ليبرالي معولم. إن الدعوة لإعادة بناء برنامج وأدوات النضال الوطني التحرري يجب أن يتسق معها الدعوة لبناء خطاب ثقافي تحرري يناسبها. يمكن ببساطة اعتبار الخطاب الليبرالي المعولم للمنظمات غير الحكومية لا يقود لهذا الاتجاه بأي حال!

إن التركيز على القطاعات الشبابية والنسائية في الأنشطة الأنجوية، وبخطاب يحمل مضمون ليبرالي لا تحرري سيقود إلى إعادة ترسيخ ثقافة على النقيض من ثقافة التحرر رغم تلفع الخطاب الليبرالي على العموم بشعارات الحرية والمساواة والديموقراطية. إن كل الإشكالية تكمن بالضبط هنا: عدم توطين تلك الشعارات بما ينسجم مع الحقوق الوطنية التاريخية وبما يعزز النضال ضد الاحتلال، وبالتالي، تقويض أسس الهوية الوطنية، على المستوى الثقافي والوجداني.

ولنا في هذا السياق تخيل طبيعة المضمون الثقافي لشاب فلسطيني جل مخزونه الثقافي، التحاور مع الآخر كمنحى تطبيعي، وحق كل شعوب المنطقة بالعيش بمساواة كمنحى ليبرالي يساوي بين الاحتلال والشعب تحت الاحتلال. إن هكذا مضمون لن يكون بأي حال من الأحوال مدعماً للهوية الوطنية؛ بل معول هدم لها.

3-5 إضفاء الطابع الديني على الصراع مع الحركة الصهيونية

يمكن ببساطة ملاحظة تنازع النص الفلسطيني السياسي المعلن في السنوات الأخيرة في خطابين أساسيين: الأول الخطاب الوطني العلماني ( التقليدي) الذي تميزت به فصائل منظمة التحرير، وكان لليسار دوراً أساسياً في صياغته، والثاني الخطاب الأصولي المقاوم الذي يميز خطابي حركتي حماس والجهاد الإسلامي. إن تنامي ظاهرة التيار الأصولي والتحاق هذا التيار بركب النضال الوطني في الانتفاضة الأولى قد عزز من مكانة الخطاب الأصولي وتأثيراته على النص والخطاب الفلسطيني على العموم.
لن يختلف فلسطينيان حول الدعاية الإمبريالية والصهيونية ضد الإسلام والمقاومة وليس هذا موضوع ورقتنا هذه، ولكن ما ينبغي الإشارة له أن تضمين الخطاب المقاوم، رموزاً ومفاهيم دينية أضفى طابعاً دينياً مصطنعاً على الصراع ما يلحق الضرر بمفهوم الهوية الوطنية باعتبارها تجاوز للهوية الدينية الضيقة. يؤكد هلال: " فقد أزداد بصورة ملحوظة استخدام المفردات والإشارات الدينية، وذكر الآيات الدينية في هذا الخطاب..."

يمكن ببساطة ملاحظة حجم المسافة التي قطعتها حركة حماس في تبنيها لخطاب سياسي يتراجع فيه أكثر فأكثر المضمون الديني، فببساطة هناك فرق يمكن ملاحظته بين الخطاب المعلن الحالي والخطاب الذي أثبته الميثاق الحمساوي ولا زال قائماً! ومع ذلك، فالعديد من القياديين والبيانات والتصريحات المعلنة والتربية السياسية والعقائدية أبعد ما تكون عن مضمون وطني للصراع؛ بل يتأكد فيها المضمون الديني أكثر فأكثر. الهوية الدينية تفتيتية والهوية الوطنية تجميعية؛ ذلك درس قديم، وكان عبر عنه الزعيم الوفدي سعد زغلول بشعاره المشهور (الدين لله والوطن للجميع). فتقسيم الشعب لهويات دينية وصبغ النضال ضد الحركة الصهيونية بصبغة دينية لن يقود إلا لتفكيك ممنهج للهوية الوطنية وتحويلها لهويات دينية وطائفية، وهذا بتلاقحه مع الانتماءات الجهوية والعشائرية والعائلية التي سعى نظام أوسلو لترسيخها منذ قيامه، هذا التلاقح يجعلنا أمام كوكتيل من الهويات الخالي من الهوية الأساسية: الهوية الوطنية!

وفي ذات السياق، فإن السعي لتعزيز الهوية الوطنية في الخطاب بما يناقض تأثيرات الخطاب الأصولي، تبدو عملية يشوبها إشكالية جدية خاصة أن الفصيل "العلماني" الأساس، حركة فتح، بات يناور على ذات الملعب: رموز وإشارات دينية وآيات وأحاديث والتزامات دينية قاعدية وكادرية، وإذا كان هذا متوقعاً من علمانية غير متأصلة أيديولوجياً ولكن الغريب أن فصائل اليسار والليبراليين الفلسطينيين باتوا هم الآخرون ينافسون حماس على ذات الملعب: ملعب المشاعر والاحاسيس الدينية فغزت الرموز والإشارات الدينية خطاب هذا اليسار، وبعض قياداته لا يقطعون فرضاً!

المخرج

ليس في وسع هذه الورقة وفي عجالة أن تقدم حلاً للإشكالية المطروحة: تعرض الهوية للتفكك، ولكن حسبها التأشير إلى اوليات للخروج من الازمة الراهنة على صعيد الهوية:
• لا فكاك بين إعادة تأكيد مقومات الهوية الوطنية وبين ضرورة تجديد المشروع الوطني الفلسطيني. إن الفشل المريع لاتفاقات أوسلو والتراجع الحاصل في مكانة المشروع والنضال الوطنيين، امر يستدعي إعادة بناء المشروع الوطني: برنامج وأدوات بما يكفل تجديد التمسك بالأهداف الوطنية التاريخية بديلاً لتنازلات أوسلو وتجديد النضال والمقاومة ضد الاحتلال.
• إن إعادة البناء هذه يستدعيها ويتطلبها تعزيز مقومات الهوية الوطنية: المؤسسة الكيانية وقاطع المؤسسات العريض، والقيم الجمعية الوطنية. إن إعادة بناء منظمة التحرير ككيان سياسي/ معنوي غدت مهمة ذات أولوية خاصة، ليس بهدف استخدامها ورقة في الصراع الحمساوي الفتحاوي بل بوتقة لاحتضان الهوية الوطنية. إن إعادة البناء هذه، ولتكتسب البعد المطلوب، يستوجب أن تستند لأوسع مشاركة ديموقراطية شعبية بديلاً عن الحوارات البيروقراطية في الغرف المغلقة وبعيدأ عن الشعب ومطالبه ودوره. وهذا ينسحب على المؤسسة الفلسطينية على العموم: إعادة بنائها وفق أسس ديمقراطية وطنية: مؤسسة ديموقراطية مقاومة للاحتلال ومعبرة عن الهوية الوطنية على المستوى المجتمعي.
• التركيز على المحتوى الوطني التقدمي للجهد التربوي والتنويري إن كان على صعيد التربية والتعليم في المدارس أو في الأوساط الشبابية. إن جهداً حقيقياً يجب بذله هنا ضد ثقافة التطبيع التدميرية ولصالح قيم وثقافة التحرر الوطني والعداء للمحتل ومستوطنيه، ضد ثقافة الأصولية التي تفسخ وحدة الشعب لطوائف وديانات ولصالح ثقافة وطنية، علمانية، مقاومة، تُعلي من شأن المواطن وتحترم التعددية وتدعم المقاومة، ضد ثقافة العولمة وتداعياتها في الخطاب الليبرالي المحلي ولصالح ثقافة مقاومة للإمبريالية والصهيونية.
• استمرار تعميق الصلات الوطنية والكفاحية المشتركة بين تجمعات الشعب الفسطيني في الوطن والشتات وايلاء اهتمام أكبر بالتجمعين اللذين تعرضا للتنكيل السياسي ما بعد أوسلو: فلسطينييي 48 وفلسطينيي الشتات. إن تعزيز مقومات الهوية الوطنية يتطلب تأكيد وحدة الشعب بمعزل عن تطور تاريخي لحظي فتت الوحدة جغرافياً! إن تعزيز الهوية الوطنية يعني الإعلان السياسي دون مواربة ان هدف النضال الوطني يجمع التجمعات الرئيسة الثلاث: فلسطينيي 48، والضفة وغزة والقدس، والشتات.
• وأخيراً، إن الدور الذي لعبه الميثاق الوطني في توحيد الشعب وبلورة هويته وتأكيد رؤيته لدوره في التاريخ يجعل من الاولويات الوطنية إعادة الاعتبار له. إن هذا الدور هو ذاته الذي كمن خلف المطالبة الأمريكية الصهيونية بإلغائه، وهو ذاته الذي ينبغي أن يستحثنا لاعتبار إعادة التأكيد عليه واعتماده وثيقة برنامجية أمراً ذو أولوية وطنية. إن الميثاق الفلسطيني هو بمثابته ( دستور الهوية الوطنية) الذي دونه يصعب تصور إعادة بلورة تلك الهوية على أنقاض مرحلة أوسلو وتداعياتها.

-------------
* وسام رفيدي: باحث ومحاضر جامعي فلسطيني