×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

تطور الهوية الوطنية الفلسطينية

صورة للفنان عصام وزوز، الخليل، جائزة العودة صورة للفنان عصام وزوز، الخليل، جائزة العودة

بقلم: عبد الفتاح القلقيلي* و أحمد أبو غوش**

يختلف الفهم فيما يتعلق بالهوية من باحثٍ لآخر، ومن نموذجٍ لمجتمعٍ بشريٍّ لآخر، ومن حضارة لأخرى، مما يضعنا أمام عدة تعريفات، تختلف فيما بينها، إلا أنها تتفق في الإطار العام على أن الهوية ليست شيئاً منجزاً ونهائياً منغلقاً على ذاتهِ، وإنما امتدادا للتاريخ والحضارة، وهي قيم وخصائص قابلة للتحوير والتطوير والتحول من زمن لآخر– حسب المستجدات. لذا فالهوية تمر في تفاعل ونمو وازدهار، كما قد تعيش حالة ركود وخمول وانكماش.

والهوية أيضاً عرفت باعتبارها شعوراً جمعيًّا لأمةٍ أو لشعبٍ ما، يرتبط ببعضهِ مصيرا ووجودا، حيث الهوية هي مجموع السمات الروحية والفكرية والعاطفية الخاصة التي تميز مجتمعاً بعينه وطرائق الحياة ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات وطرائق الإنتاج الاقتصادي والثقافي. ولكن تميز جماعة بهوية لا يعني تطابق أفراد الجماعة، فالهوية الحقة هي تطابق الهوية مع الاختلاف.

تمثل الهوية، في تعريفها البسيط، مجموع السمات المميزة لشعب من الشعوب، متمثلة في اللغة والعادات والتقاليد والثقافة والمواقف المشتركة بصدد القضايا المصيرية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن قيمة أية هوية تكمن في ما يمكن أن تخلقه من شعور بالخصوصية، وفي ما يمكن أن تقدمه من فرص للتطور لمنتسبي هذه الهوية. وبدون ذلك قد تكون الهوية عبئاً على منتسبيها، وقد تكون عاراً أو دلالة على نقص مخجل ومخل. وغالبا ما ترتبط الهوية في هذا المستوى بالوعي بالذات. لكنها في أحيان أخرى قد ترتبط باستحضار الآخر باعتباره نقيضاً للأنا (أو للذات). وهو ما ينطبق على تجربة تشكل الهوية الوطنية الفلسطينية بالأساس؛ إذ بالرغم من وجود الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية، على الأقل منذ خمسة آلاف سنة، فإن حديثه عن هويته الوطنية لم يتبلور إلا بفعل صدمة قاسية جسدتها مخططات الاحتلال الأجنبي الذي أخذ في البداية شكل انتداب بريطاني قبل أن ينتهي مشروعاً صهيونياً قائماً على أساس اجتثاث شعب من أرضه وإحلال جماعات من "المستوطنين" الذين تم غرسهم في هذه الأرض بقوة الحديد والنار بعد جلبهم من مناطق العالم الأربع.

صحيح أن الثقافة السياسية الفلسطينية من لغة وحضارة وتاريخ هي جزء من الثقافة السياسية العربية، ومتشابهة مع تطور الثقافة السياسية الوطنية في الدول العربية المجاورة، إلا أن تطور الهوية الوطنية الفلسطينية يختلف عن تطور الهويات الوطنية للدول العربية المجاورة في التحرر من الاستعمار البريطاني والفرنسي. ويعود هذا الاختلاف إلى أسباب عديدة اهمها هو مرور فلسطين والقضية الفلسطينية بمراحل تاريخية مختلفة بشكل جذري؛ يقع في مقدمتها الاستعمار الاستيطاني للأرض والإلغاء للهوية القومية التاريخية لفلسطين. إن تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه الوطنية، وانتماءه لفلسطين ساهما في بلورة الفكر القومي الفلسطيني تارة بشكل تابع للبرامج السياسية الوطنية العربية، وتارة بشكل مستقل أو حتى منافس لهذه السياسات تحت شعار استقلالية القرار الفلسطيني.

في خصوصية الهوية الفلسطينية:

إذا كان لكل شعب من الشعوب خصائصه المميزة له التي تجعل منه شعباً في مقابل شعب آخر، وهي ميزة تنطبق على الشعب العربي الفلسطيني مثلما تنطبق على أي شعب آخر، فإن للفلسطينيين خصوصية تشكل قيمة مضافة لهويتهم الوطنية، وتتمثل في أن تبلورها ارتبط بمواجهة نكبة تعرضوا لها من طرف مشروع للغزو الأجنبي استهدفهم في وجودهم الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي (الحضاري والإنساني بشكل عام). هذه الهوية تشكلت في خضم صراع مرير خاضه هذا الشعب لإثبات وجوده في هذه المعركة القاسية وغير المتكافئة. وعليه، فقد ارتبطت الهوية بالمقاومة التي عرفتها فلسطين منذ زرع أول "مستوطنة" يهودية فيها عام 1882 ومروراً بثوراتها المعروفة في النصف الأول من القرن العشرين وانتهاءً بأهم إنجاز للثورة الفلسطينية المعاصرة في ستينيات ذات القرن. وقد برزت في خضم هذه الثورة التي أكدت الوجود الواقعي للشعب الفلسطيني في مواجهة إرادة المشروع الصهيوني الإمبريالي الدولي التي أرادت أن تجعل من وطنه أرضاً خلاء بلا شعب ليتم تسليمها لشعب افتراضي ليس له أرض.

الهوية الفلسطينية ما كان يمكن أن يحتاجها الشعب الفلسطيني الحامل لهوية عربية إسلامية تاريخية لولا الهجمة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية، التي استدعت مثل هذه الهوية لإنقاذ الشعب الفلسطيني وإنقاذ الأمة العربية.

كانت "فلسطين بحدود الانتداب" قبل أن تحتلها القوات العسكرية البريطانية في نهاية عام 1917 مقسمة من الناحية الإدارية إلى قسمين: الأول يشمل المناطق الشمالية، ويتألف من لوائي عكا ونابلس التابعين لولاية بيروت. والثاني يشمل المناطق الجنوبية، ويتألف من لواء القدس المستقل التابع مباشرة لسلطة وزير الداخلية العثماني.

لم تكن فلسطين في حدودها تحت الانتداب مستقلة لغة أو دينا أو حدودا أو تاريخا عن محيطها العربي عموما والسوري خصوصا. فلغة أكثر من 95% من اهلها كانت اللغة العربية، والاسلام دين الغالبية وتأتي بعده المسيحية وهنالك اقلية ضئيلة لا تتجاوز 6% من اتباع الديانة اليهودية، شأنها في ذلك شأن محيطها العربي (سوريا ولبنان ومصر والعراق).

شارك الفلسطينيون بنشاط في مختلف الأحزاب والجمعيات العربية التي تشكلت بعد إعلان الدستور العثماني عام 1908، وتبنوا أفكارها القومية الإصلاحية، إلا أن شعورهم بالانتماء القومي انطبع بطابع خاص، طابع الانتماء إلى ارض ووطن محددين، يتهددهما خطر الضياع بفعل الهجرة والاستيطان اليهوديين (كما يقول ماهر الشريف في كتابه "البحث عن كيان"). وقد كتب نجيب نصار "... نحن الفلسطينيين على شفا جرف، فالخطر السياسي والاجتماعي والاقتصادي يهددنا من كل صوب... ومعلوم أن فلسطين أصبحت محط آمال الصهيونيين، ومطمح أنظارهم، وفيها الآن منهم أكثر من مائة ألف شخص مختلفي الجنسيات، وعلى جانب كبير من المعارف والمقدرة" (جريدة الكرمل 19/9/1913).

صحيح أن الخطر الصهيوني قد أضفى على الحركة العربية في فلسطين طابعا خاصا، وساهم في الإرهاصات الأولى لـ"الهوية الوطنية الفلسطينية"، إلا أن هذه الهوية بقيت مندمجة في الحركة القومية العربية الجامعة حتى العقد الثاني من القرن العشرين. ولذلك تبنّى الفلسطينيون منذ شهر أيار 1918 علم الثورة العربية (ثورة الشريف حسينواصطلح على تسمية فلسطين "جنوب سوريا" أو "سوريا الجنوبية".

تركت الصدمات آثارا قوية على الحركة الوطنية الفلسطينية واشعرتها بعزلتها. واهم هذه الصدمات: مؤتمر "سان ريمو" نيسان (ابريل) 1920، وانهيار الحكم العربي في سوريا واحتلال القوات الفرنسية دمشق (24/10/1920)، وفشل ثورة العراق الاولى (1920). في تلك الظروف، انعقد في شهر 12 من ذلك العام مؤتمر حيفا. ولأول مرة لم يشر المؤتمر الفلسطيني إلى أن فلسطين جزء من سوريا، كما لم يطالب بالوحدة معها، بل دعا هذا المؤتمر لأول مرة إلى "تشكيل حكومة وطنية في فلسطين، مسؤولة أمام مجلس نيابي منتخب من السكان الذين وجدوا في البلاد قبل الحرب. ولذلك فانه بالإمكان اعتبار هذا المؤتمر نقطة الانطلاق العملية للهوية الوطنية الفلسطينية، كحركة قطرية ذات أهداف خاصة، لكنها غير منسلخة عن جذورها القومية.

وفي ظل تفاقم الاحساس بخطر الحركة الصهيونية على الارض والكيان الفلسطيني، تضاءل الإحساس بخطر الاستعمار وشكله الانتدابي؛ إلا بمقدار انحيازه ودعمه للنشاط اليهودي الصهيوني في التهويد والاستيطان. ومن المفارقات انه خيّل لبعض الفلسطينيين ان هنالك امكانية لمهادنة الانتداب البريطاني وتخفيف انحيازه للصهيونية. واعترف محمد عزة دروزة بشذوذ فلسطين عن جاراتها العربيات فيما يخص الموقف من المستعمرين والعلاقة معهم، فقال: "في كل البلاد المستعمرة تقاس الوطنية بموقف القومي من الاستعمار. اما في فلسطين، فصار يُستساغ ان يكون لمن يعقد اواصر الصداقة مع الانجليز ويخدم اغراضهم ويروج مطالبهم ان يكون له شأن في الحركة القومية، اذا كان مناوئا لليهود والحركة اليهودية".
وتشعب الفكر السياسي الفلسطيني في تلك الفترة الى ثلاثة تيارات رئيسة: تيار الوطنية القطرية، وتيار القومية العربية، وتيار الشيوعية الاممية. كانت الحدود بين التيارين الاول والثاني تضعف احيانا وتبرز احيانا اخرى، وكان الدعم الجماهيري لهما يتباين من حين الى آخر. اما التيار الثالث الشيوعي، فبقي مستقلا ومعزولا عن التيارين السابقين وينقصه الدعم الشعبي في الاوساط العربية وذلك بفعل نشأته من/ بين، صفوف المهاجرين اليهود اليساريين. لقد بقي التيار الشيوعي ضعيف الشعبية حتى بعد ان تطور لما سمّي بـ"عصبة التحرر الوطني" ذات الاكثرية العربية.

كانت الحركة الوطنية الفلسطينية (بتياريها القطري والقومي) تحدد قائمة "الاعداء" ودرجاتهم حسب خطر هؤلاء "الاعداء" على الارض الفلسطينية ومستقبل الكيان الفلسطيني. وضعت معاداة الصهيونية والاستيطان اليهودي في المقام الاول، ومعاداة الاستعمار البريطاني في المقام الثاني. وتميز بعض افراد التيار الاول (القطري) باستعدادهم لمهادنة الاستعمار البريطاني، بل والتنسيق معه احيانا. وعلى هامش هذا التيار سيكوّن هؤلاء ما يسمى بالمعارضة التي تعترض على "سلبية" الحركة الوطنية، اي رفضها للمشاريع التي يقترحها البريطانيون.

مما لا شك فيه (كما أسلفنا) أن الهوية تنشأ وتتبلور، ثم تتطور بفعل تفاعل عوامل داخلية، وتفاعلها مع عوامل خارجية، خاصة الهويات المضادة. وفي هذا الإطار، لم يكن هنالك خلاف حاد داخل الساحة الفلسطينية حول ثنائية القطرية والقومية، وذلك للإجماع الفلسطيني حول الخطر الأساسي المتمثل بالمخطط الصهيوني. ولكن كان هنالك تباين بين هذين التيارين. كان التيار الثاني (القومي) ينطلق من أن الحركة الصهيونية حركة عالمية بفعل انتشار اليهود في كل بقاع العالم، وبفعل تعاطف دول الحلفاء المنتصرين معها ودعمهم السياسي والعملي لها. ومثل هذه الحركة لا يمكن الانتصار عليها، ولا حتى مواجهتها، إلا من خلال الوحدة العربية، أو على الأقل وحدة سوريا الطبيعية، أو ما كان يطلق عليها بلاد الشام. وكان هذا التيار يدفع الأمور باتجاه البقاء ضمن الحركة الوطنية السورية. وبعد سقوط الحكم العربي الفيصلي في سوريا، صار أصحاب هذا التيار يتوجهون للاستظلال بالحكومات العربية المستقلة وخاصة العراق نظرا لوجود فيصل ملكا عليها. وحتى بعد قيام إسرائيل دفع بعض هؤلاء باتجاه الانضمام للأردن تحت راية الملك عبد الله بن الحسين شقيق الملك فيصل. وبعد بعثرة الفلسطينيين في كل اتجاه، وانضمام العديد من الفلسطينيين إلى القوى السياسية العربية، رفع القوميون شعار "الوحدة طريق التحرير". وظل هذا الشعار سائدا حتى اخترقته حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" بانطلاقتها المسلحة 1/1/1965.

وكان التيار الأول (القطري) ينطلق من نفس المقدمات، ولكنه يصل إلى نتائج مختلفة. فكان يرى انه، ولأن الحركة الصهيونية عالمية ومدعومة من الدول الغربية، فإن بقاء فلسطين جزءاً من الدولة العربية الواحدة سيجعل من المعقول ضغط العالم من اجل تهويد فلسطين، باعتبارها جزءاً ضئيلا من الوطن العربي. أما إذا حافظنا على اعتبارها قطرا عربيا مستقلا كبقية الأقطار العربية الأخرى، فستكون وطن أهلها لأنها صغيرة لا تتسع لمزيد من الهجرة اليهودية إليها، بل إن مزيدا من الهجرة سيقضي على شعبها العربي الفلسطيني، ولم يعد مستساغا عالميا القضاء على شعب من الشعوب. هذا التيار كانت أفكاره ومفاهيمه القطرية والكيانية ضبابية؛ وقد تعرض للتشتت واليأس والغياب، لكنه عاد وانتعش في أواخر خمسينات القرن العشرين.

وكذلك "العرب، والعربي"، كانت وما زالت تستعمل في الأدبيات السياسية الفلسطينية لتعني غير اليهودية. فحتى الآن ما زال يطلق على الفلسطينيين الذين بقوا تحت الاحتلال الإسرائيلي وأصبحوا مواطنين إسرائيليين؛ ما زال يطلق عليهم مصطلح: "عرب إسرائيل/عرب 48".

ومع تصاعد الثورة المسلحة، في النصف الثاني من ثلاثينات القرن العشرين، تعاظم الوعي الفلسطيني بالكيانية، وصارت الأدبيات الإعلامية والسياسية تطلق على الشعب الفلسطيني "الأمة". وظهرت تعابير مثل "مصلحة الأمة" و"صندوق الأمة" و"بنك الأمة" و"قيادة الأمة" و"شرف الأمة"...
كانت الثورة الفلسطينية المسلحة هي التعبير الأقوى عن الهوية والكيانية الفلسطينية، وفتحت الآفاق لعلاقات التعاون مع الأقطار العربية على كل المستويات: الشعبية والسياسية والقيادية.

التيار القطري الفلسطيني، حامل الهوية الفلسطينية، صار بعد قيام إسرائيل واستقرار نظامها وانضمام الضفة الغربية للأردن؛ صار في اضعف أحواله وتراجعت برامجه السياسية لتستقر في الضمير أحلاما مؤجلة أو مسكوتا عنها. فغابت الحركة الوطنية الفلسطينية تقريبا، وفقدت سماتها الخاصة وبرنامجها الوطني الفلسطيني "القطري". فلم تكن هنالك مجابهة فلسطينية هامة في الضفة الغربية لإجراءات الضم الأردنية، لا على الصعيد العملي ولا حتى على الصعيد النظري.

لم تحدث عملية مجابهة هامة لحالة الضم، بل إن العديد من المواطنين الفلسطينيين المشهود لهم بوطنيتهم قد استجابوا للأمر الواقع، وانغمسوا فيه، واجتهدوا بتطويره ودفعه إلى الأمام. ويدل ذلك على ضبابية الوعي الكياني لدى الفلسطينيين الذين لم تكن نضالاتهم السابقة متعارضة، بل كانت متقاطعة أحيانا ومترابطة أحيانا أخرى، مع النضالات القومية، إضافة إلى أنهم لم يمارسوا حكم أنفسهم بأنفسهم. ولذلك، فعندما سلّموا لإجراءات الضم الأردنية لم يساورهم الشعور بأنهم يتنازلون عن تجربة كيانية منفصلة، لها تراثها وطعمها الاستقلالي وامتيازاتها السلطوية، المادية منها والروحية.

وحتى في قطاع غزة كان لنشطائهم دور مهم في النشاطات "العربية" من "البعث" إلى "القوميين العرب" إلى "الناصرية".

ويمتاز التيار الإسلامي بأنه يرى أن الدعوة القومية دعوة تميت الانتماء إلى الأمة الإسلامية الواحدة. كما أن منظريه يرون أن العروبة باللغة فقط، فكل الأقطار الإسلامية هي جزء من الأمة الإسلامية. ويرون انه إذا كان أي جزء من بلاد الإسلام محتلا فإن الجهاد (القتال) فرض عين على كل مسلم خاصة أبناء البلد المحتل. والتيار الإسلامي بشُعبه المختلفة يخلط بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كحركة سياسية، بل يعتبرهما شيئا واحدا، فالصهيونية هي التعبير السياسي عن اليهودية، برأيهم.

ولذلك ليس لفلسطين برنامج خاص عند التيار الإسلامي الا إزالة الاحتلال عنها والجهاد في سبيل ذلك. أما الهوية والكيان الفلسطيني، فلا نجد لهما حضورا بارزا في أدبيات هذا التيار، بما في ذلك التيار الإسلامي القطري الفلسطيني. وكل ما نجده عندهم هو خطورة الكيان الإسرائيلي والسيادة اليهودية على كل فلسطين أو على أجزاء منها، وان هذه الخطورة لا تقتصر على فلسطين وحدها؛ بل ستمس (وقد مست فعلا) كل الأقطار المحيطة بفلسطين.

كان من شأن قيام حكومة عموم فلسطين، على وهنها وقلة فاعليتها، تحقيق بعض الايجابيات ذات الدلالات في الهوية والكيانية. فعلى سبيل المثال، كانت تلك الحكومة عنوانا للحفاظ على الجنسية الفلسطينية، باعتبارها معبرة عن استمرارية الصفة التمثيلية لهذا الشعب، خاصة أنها تمتعت بالاعتراف من جانب دول عربية عديدة وبعض الدول الإسلامية (باكستان وافغانستان) إلى أن حلت محلها منظمة التحرير الفلسطينية. كما أن الحكومة قامت بدور هام في مجال إصدار جوازات سفر فلسطينية للفلسطينيين الذين لم يتمكنوا من الحصول على وثائق سفر تمكنهم من السفر إلى الدول العربية للعمل أو الدراسة، وخاصة الفلسطينيين المقيمين في مصر وقطاع غزة.
وفي هذا السياق، وتحت هذه الظلال، وفي أجواء ذلك الغموض في الهوية والكيان، تركزت تطلعات الفلسطينيين (اللاجئين خاصة) على هدف مركزي هو "العودة" دون أن ترتبط هذه العودة بتصور كياني محدد. ومع ذلك حافظ الفلسطينيون خارج الأردن على وعيهم بفلسطينيتهم دون أن يبلوروا ذلك في تعبيرات سياسية ومؤسسات ملموسة، حتى أواخر خمسينيات القرن العشرين.

رغم ضبابية الهوية والكيان، وهذا الركام فوقهما، فإن وعي الفلسطينيين لفلسطينيتهم لم يمت. وقد ساعد على بقاء هذا الوعي حيا ثلاثة مكونات:

المكون الأول: التمييز وسوء المعاملة التي لقيها الفلسطينيون في الأقطار العربية، حتى في الأردن، حيث كان الفلسطينيون هم أقل إخوانهم الفلسطينيين الآخرين في الأقطار العربية الأخرى عرضة للتمييز. فقد كانوا، من الناحية القانونية، أردنيين لهم كل الحقوق القانونية في التملك والاستثمار والتوظيف في كل أجهزة السلطة، فمنهم الوزراء ورؤساء الوزارات، ولكنهم عمليا كانوا أردنيين من الدرجة الثانية، يعانون من التمييز في التوظيف في كل المجالات وخاصة في الجيش، وكانت مناطقهم تعاني أيضا من التمييز في التنمية.

لكن التمييز ضد الفلسطينيين في الاردن لم يدفعهم باتجاه البحث عن مدلولات سياسية فلسطينية رغم احساسهم بفلسطينيتهم، بل اندفعوا الى الحركات السياسية المعارضة للنظام والتي كانت تعمل في النطاق الاردني.

المكوّن الثاني: بقاء وتنامي وعي الفلسطينيين لفلسطينيتهم عبر انتشار الوعي العام بين الفلسطينيين. فالفلسطينيون الذين فقدوا مواردهم الاقتصادية الزراعية والصناعية، لم يبق أمامهم إلا العلم لكسب العيش. وبانتشار التعليم بين الفلسطينيين، انفتحت أمامهم آفاق العمل في الدول العربية وخاصة دول الخليج حديثة التكوين. وهناك، ومن خلال العمل وانفتاح آفاقهم والتقاء الفلسطينيين من مناطق شتاتهم معا في مؤسسة واحدة، تعزز وعيهم بفلسطينيتهم رغم اختلاف البيئات التي يعيشون فيها.

المكوّن الثالث: مواجهة الاحتلال، حيث أن احتلال إسرائيل لقطاع غزة في تشرين أول عام 1956 أنعش وعي الفلسطينيين بفلسطينيتهم 1956. فعندما اقتضت الضرورة العسكرية سحب الجيش المصري من سيناء وقطاع غزة، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام عدوهم التاريخي وجها لوجه، يتعرضون للقتل والتدمير والانتقام الجماعي. واكتشف الفلسطينيون دورهم الخاص في المواجهة المباشرة مع المحتلين.

انسحبت إسرائيل من قطاع غزة في السنة التالية (1957). ورغم أن انسحابها لم يكن بفعل المقاومة الفلسطينية لها، إلا انه بسقوط غزة في يد الاحتلال الإسرائيلي ومقاومة هذا الاحتلال بدأت مرحلة جديدة، وجد الشعب الفلسطيني نفسه فيها وجها لوجه أمام مسؤولياته وأمام قسوة المواجهة.

نستطيع القول أن السنوات الأولى التي تلت انسحاب إسرائيل من غزة شهدت الإرهاصات الجدية الأولى للكيانية الفلسطينية، ولاستعادة الهوية الفلسطينية، حيث ظهر عدد من الظواهر للهوية والكيانية الفلسطينية التي عبرت عن نفسها عبر مؤسسات مختلفة، بعضها استمر وبعضها الآخر عجز عن الاستمرار وأصبح جزءاً من التاريخ. ومن اهم تلك المؤسسات التي ظهرت قبل قيام منظمة التحرير الفلسطينية، خمس مؤسسات، وهي:

1- الاتحاد القومي العربي الفلسطيني في غزة عام 1958.
2- حركة الارض التي تشكلت في الاراضي المحتلة في نيسان 1959.
3- فوج التحرير الفلسطيني، تشكل بتعاون الحاج امين الحسيني مع عبد الكريم قاسم قي العراق، في حزيران 1959.
4- الاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي تأسس في القاهرة اواخر عام 1959.
5- حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، التي بدأت تصدر مجلتها "فلسطيننا" عام 1959.

وإذا كانت الهوية الوطنية لمعظم الشعوب تبلورت على شكل دول مثل ما هو عليه الحال في الدول القومية الحديثة فإن نظيرتها الفلسطينية تبلورت على شكل مقاومة مناضلة لإثبات الوجود في مواجهة إرادة الاجتثاث والنفي، مما يجعل منها هوية نضالية في جوهرها.

ولذلك كان التعبير الأقوى عن الهوية الوطنية الفلسطينية منذ النكبة هو قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964. ورغم أنها أقوى تعبير عن الهوية؛ إلا أن الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني قاومتها بشكل مطلق، وشككت بتعبيرها عن الهوية الفلسطينية. أما بقية القوى السياسية الفلسطينية التي كانت قائمة في ذلك الوقت، وإن أجمعت على ضرورة بعث الهوية والكيان الفلسطيني؛ إلا أن الرؤية فيما بينها حول العديد من المسائل تعارضت. وذلك يدل على وجود درجة غير مكتملة من الوعي للهوية والكيان. فهذه الحركات السياسية لم تستخدم في بياناتها ومذكراتها المنشورة إلا مفاهيم كيانية عامة. وقد ارتبط مفهوم تلك القوى للكيان بأنه موازٍ لـ"المؤسسة" وكيفية أدائها لواجباتها الكفاحية.

أما حركة فتح فطالبت بأن لا يكون الكيان صوريا له نشيد وقسم وعلم، بل يجب ان يكون ذا مضمون ثوري ومرتكَزا للثورة المسلحة وليس بديلا عنها. وانسجاما مع رؤيتها الكيانية المعبر عنها بالدعوة إلى العمل العسكري، كان طبيعيا أن تتخذ فتح موقفا متحفظا من منظمة التحرير ومقررات مؤتمر القدس، خشية إكساب الشرعية لممثلين قد يخرجون على المسرح السياسي وينفذون قرارات يرفضها الشعب الفلسطيني قطعا، ويحتمون بالشرعية. وذكّرت فتح انه كان من المفترض ان يشكل قيام منظمة التحرير الفلسطينية بداية إنهاء مرحلة الوصاية العربية الرسمية على العمل الفلسطيني.
وقد حرص الشقيري (في أول مؤتمر صحفي يعقده في القاهرة) بأن يؤكد على أن التنظيم الفلسطيني لن يأخذ شكل حكومة، ولن يمارس سيادة إقليمية على الضفة الغربية أو قطاع غزة، ولن يتعارض قيامه مع وجود الكيان الأردني الذي هو "كيان رسمي ودولي، بينما الكيان الفلسطيني شعبي يعتمد على النضال القومي".

وأكد أحمد الشقيري في الجلسة الأولى للمجلس الوطني على "ان انبثاق الكيان الفلسطيني في مدينة القدس لا يهدف الى سلخ الضفة الغربية عن المملكة الاردنية الهاشمية، ولا قطاع غزة عن مصر، ولا منطقة الحمة عن سوريا".

وبذلك رحب الملك حسين باتخاذ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية القدس مقرا رسميا لها، وسمح لها برفع العلم الفلسطيني على مقرها.

وقد حدد الملك حسين دور م.ت.ف. كما يراها في خطابه امام مجلس الامة الاردني بأن "الشخصية الفلسطينية ضرورة دبلوماسية لمساعدة المجهود العربي الدبلوماسي في المجالات الدولية"، وأي خروج على هذا المفهوم "يعني بعثرة للجهد وتعطيلا للحشد".

ولعل من أسباب ضبابية مفهوم الكيان والهوية عند منظمة التحرير الفلسطينية هو التنازلات الكيانية التي قدمتها (من غير جدوى) لتجعل نفسها مقبولة عند الأردن. وعلى كل، يمكن تقسيم مراحل وعي م.ت.ف. لمفهوم الكيان والهوية إلى أربع فترات، وذلك حسب الفواعل التي أثرت في ذلك الوعي أو غيرت اتجاهه:

المرحلة الأولى، وهي منذ تأسيسها وحتى حرب حزيران 1967 حيث استولت إسرائيل على ما كان قد تبقى من ارض فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة).
المرحلة الثانية، من حرب حزيران 1967 حتى حرب أكتوبر 1973، حيث عَبَر جيشا سوريا ومصر خطوط "النكسة"، و مجرد "العبور" أعاد للعرب شيئا من الكرامة، وأصبح بالإمكان التعامل مع إسرائيل متجاوزين اللاءات الثلاث (لا مفاوضات ولا صلح ولا اعتراف مع إسرائيل) التي أطلقها مؤتمر القمة العربي الرابع في الخرطوم (29/8/1967 — 1/9/1967).
المرحلة الثالثة، من حرب أكتوبر 1973 وحتى مؤتمر مدريد ثم اتفاقية أوسلو 1993 حيث تواجهت دول الطوق (لبنان وسوريا والأردن) ومنهم الفلسطينيون مع إسرائيل على مقاعد المفاوضات وليس في ميادين القتال.

والمرحلة الرابعة، هي من اتفاقية أوسلو حتى الآن، حيث التقت إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية مباشرة حول طاولة المفاوضات وليس في ميادين القتال، وقد تبادلا الاعتراف وصار لمنظمة التحرير الفلسطينية حكما ذاتيا (جزئيا) في غزة والضفة الغربية رغم بقاء الجنود الإسرائيليين على أبواب مكاتبها هناك.

وقد كان لمنظمة التحرير الفلسطينية وعي خاص لكل مرحلة فيما يخص القضايا السياسية وعلى رأسها مسألة الهوية والكيان. ونستطيع أن نسمي كل مرحلة بما يميزها في هذا المجال. فالمرحلة الأولى هي مرحلة الميثاق القومي الفلسطيني، والثانية هي مرحلة الميثاق الوطني الفلسطيني، والثالثة هي مرحلة تجاهل الميثاق الوطني الفلسطيني كمرجعية واعتماد قرارات المجالس الوطنية الفلسطينية، والرابعة هي مرحلة إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني وتجاهل قرارات المجالس الوطنية السابقة كمرجعية، واعتماد قرارات "القيادة الفلسطينية" (وهذه هيئة غير رسمية، تتكون من اللجنة التنفيذية ورئاسة المجلس الوطني، والحكومة الفلسطينية ورئاسة المجلس التشريعي، وما تيسر من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح. وكان هنالك شخصيات تشارك بهذه الهيئة رغم أنهم ليسوا أعضاء بإحدى الهيئات المكونة لهذه القيادة).

بما أن الهوية الفلسطينية هي نضالية في جوهرها كما أسلفنا، فقد تصبح مهددة بالإلغاء إذا تخلت عن هذا الجوهر النضالي، وهو ما يؤكد خطورة التسويات ذات النفس الانهزامي على الهوية الوطنية الفلسطينية؛ خاصة وأنها تتعامل مع الفلسطينيين كوحدات بشرية معزولة في أراضي 48، والضفة وغزة والقدس، وفي الشتات.

إذا كانت الهوية شعورا جمعيا لأمة أو لشعب ما، كما قلنا، وإذا كانت الأمم والشعوب تتكون من الأفراد، وهم في كل الشعوب ينتظمون في عائلات نووية وعائلات ممتدة وطبقات وأديان مختلفة، ولدى بعض الشعوب، في قبائل، فإن الانتماءات الفردية، والأيديولوجية والإثنية والقبلية تؤثر على تماسك الأمة والشعوب ودرجة وحدتها، وبالتالي قدرتها على انجاز أهدافها، حيث تؤثر الانتماءات المناطقية وكل الانتماءات الجزئية على درجة تماسك ووحدة الهوية الوطنية.

مما سبق يمكن القول أن التبلور البنيوي في المجتمع لأي أمة أو شعب، من حيث درجة تطوره (وهو تبلور اجتماعي واقتصادي وسياسي وفكري وقيمي) تؤثر عليه مجموعة عوامل مجزئة وموحدة، والبنية الأرقى هي التي تهمش الهويات الجزئية (فردية، عائلية، قبلية، مناطقية، طبقية، فكرية) لمصلحة الهوية الوطنية أو القومية، بما يتعلق بالصراع الوطني. وفي كل الحالات، الهوية الحقة "هي تطابق الهوية مع الاختلاف"، فالهوية في ظل فهم التفاوت في تطور البنى الاجتماعية مركبة ومتراتبة بأولويات مختلفة للأفراد والجماعات المكونة للأمم والشعوب. لذلك، ليس غريبا أن يوجد أفراد ضد أمتهم، وليس غريبا أن تخرج قبائل على أمتها أو شعوبها، وليس غريبا أن تنشأ تناقضات وصراعات نتيجة تغليب المصالح الجزئية على المصالح الوطنية الكبرى. والأهم، وهذا مشاهد في هذه المرحلة من تطور البشرية، ليس غريبا أن تكون قيادة شعب أو أمة ضد مصالح جماهيرها وتحرف ولاءاتها لمصلحة قوى خارجية. إن قوة أو ضعف التناقضات (ووجودها داخل شعب أو أمة طبيعي وموضوعي) مسألة لها علاقة بدرجة التطور البنيوي، كما قلنا، ومرتبطة أيضا بالقوى والعوامل المؤثرة من الخارج، ولها أيضا علاقة بطبيعة التناقض. ففي عالم اليوم، وبقدر ما تساعد وسائل الإتصالات والتواصل على تعزيز الوحدة الداخلية لمصلحة الهوية الوطنية، فإنها قادرة، في ظل غياب مناعة داخلية، على السماح للعوامل الخارجية بخلق تناقضات مختلفة داخل الهوية الوطنية الواحدة.

وهنا، يمكن القول، أن الثقافة الوطنية، وهي نتاج تبلور بنيوي داخلي، وقابلة للتأثر بثقافات أخرى، هي اسمنت الوحدة الوطنية. فبقدر ما تكون الثقافة الوطنية جامعة وشاملة وموحدة تستوعب الاختلاف والتناقض في ظل الوحدة، أي أن الثقافة المبنية على المواطنة والديموقراطية، ستكون ثقافة معززة للهوية الوطنية.

وإذا كانت الثقافة نتاج تبلور تاريخي، فإنها أيضا نتاج فعل بشري قابل للتعزيز والتطوير. ونحن نعتقد أن الثقافة والانتاج الثقافي الأقدر على التأثير على مجتمع ما، هما المتحدان والملازمان لفعل تنموي مجتمعي، جماعي أو فردي. وتتعاظم درجة تأثيرهما بقدر تعبيرهما عن مصالح الجماهير الشعبية في أي مجتمع. فالثقافة والنتاج الثقافي عاملان معززان للهوية الوطنية في ظل تحقيق انجازات وانتصارات، ومحبطان لها في حالة الهزائم. بيد أن الهوية الوطنية المتماسكة، كانت وما زالت، قادرة على خلق ثقافة ونتاج ثقافي معزز للهوية الوطنية حتى في ظل الهزيمة.

الهوية الوطنية الفلسطينية كما أشرنا منذ البداية، تبلورت على شكل مقاومة مناضلة لاثبات الوجود والدفاع عنه في مواجهة الاجتثاث والنفي. مما يجعلها هوية نضالية في جوهرها. وهنا سنتساءل، كيف أثر اتفاق أوسلو، وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، بشروط هذا الاتفاق، على الهوية الوطنية الفلسطينية، حيث النزعة السائدة في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية هي التفاوض والتهادن مع الاحتلال؟ رغم عدم انجاز أهداف الشعب الفلسطيني وتعنت هذا الاحتلال وإصراره على الاستمرار في نهب الأرض والموارد الفلسطينية وتشريد الشعب وعدم الاعتراف بحقوقه الوطنية والتعامل مع الشعب الفلسطيني كوحدات بشرية معزولة في أراضي 1948، والضفة الغربية، والقدس، والشتات، كما سبق وقلنا.

قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بشروط اتفاق أوسلو، وعدم انجاز أهداف الشعب الفلسطيني بالحد الأدنى حتى هذه المرحلة، واستمرار التفاوض لفترة طويلة بدون تحقيق نتائج، ساهم في انقسام الشعب الفلسطيني حول أهدافه، وأساليب تحقيقها، وهذا خلق شرخا في الهوية الوطنية بحيث صار يمكن تبرير قتل الفلسطيني للآخر بحجة الخيانة، أو غيرها من المبررات، وسجن الفلسطيني للآخر بحجة خروجه عن الصف الوطني. لقد حدث شرخ بين فلسطينيي الداخل المنقسم إلى أربعة مناطق جغرافية والخارج المشتت في بقاع العالم المختلف. وحدث شرخ طولي بين مؤيدي نهج التفاوض ونهج المقاومة من الشعب الفلسطيني. وإذا استمر هذا الحال لفترة أطول، ليس غريبا أن ينقسم الشعب الفلسطيني إلى كيانات وهويات مختلفة بولاءات مختلفة تقسم الشعب الفلسطيني إلى أجزاء مختلفة وربما متناقضة ومتصارعة.

إن وجود سلطة وطنية فلسطينية تنسق وتتفاوض مع الاحتلال في نفس الوقت الذي تتعرض فيه مناطق جغرافية بكاملها لممارسات قمعية يخلق شرخا في الهوية الوطنية. كما أن الاستمرار والإمعان في تهويد القدس في ظل هذا الوضع بتعقيداته وقيوده على السلطة الوطنية يهز الثقة بها وبوحدة التمثيل للشعب الفلسطيني كأحد أركان الهوية الفلسطينية. والأخطر في هذا المجال هو ترك فلسطينيي 1948 يقاتلون وحدهم في ظل ازدياد الضغط عليهم في هذه المرحلة، فالمطالبة بالاعتراف بيهودية الدولة يجردهم من الكثير من الحقوق المدنية في دولة احتلال قامت على وطنهم ويتركهم منعزلين بلا سند حقيقي، وهذا سيعزز حالة اليأس لدى جزء مهم منهم. ومن زاوية بحثنا سيعمق هذا من الانفصال جغرافيا وسياسيا ونضاليا، وإذا استمر قد يخلق شرخا جغرافيا وبشريا مع جزء مهم من الشعب الفلسطيني وفي هويته الوطنية.

منذ اتفاق أوسلو بدأت حالة شرخ وما زالت تتعاظم بين الداخل والخارج، بسبب الإحساس بعدم القدرة على انجاز هدف العودة للاجئين الفلسطينيين من الخارج وبروز دعوات للتوطين عمقت هذا الشرخ، علاوة على بروز تناقض لم يتبلور واضحا، ولكنه قابل للتبلور بين " العائدين والمواطنين" في الأرض المحتلة كأحد أشكال التناقض الطبقي، حيث شغل العائدون من الخارج معظم المراكز السلطوية المهمة في السلطة الوطنية الفلسطينية.

لقد نشأ في ظل قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وضع جديد، فلأول مرة في تاريخ الشعب الفلسطيني قامت سلطة وطنية على جزء من الأرض الفلسطينية وأدارت شؤون جزء من الشعب الفلسطيني، ولكن هذه السلطة، كانت جزئية جغرافيا وديموغرافيا، ولم تبلغ درجة السيادة. هذا الوضع خلق حالة شاذة ومختلطة. ففي الأرض المحتلة عام 1967 قامت سلطة تدير شؤون الناس سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وقانونيا، ولها سيطرة أمنية عليهم، لكنها سلطة منقوصة لأنها لم تشمل كل السكان في الأرض المحتلة ولا أراضيهم، ولم يتحقق الاستقلال التام حتى للجزء الذي يمتد إليه نفوذها. بسبب هذا الوضع، استمر وجود، وربما نمو، العوامل المفجرة للتناقض مع الاحتلال الصهيوني، في ظل فرض شروط لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية واستمرارها، وأهمها دورها في تهدئة التناقض وإزالة العوامل المفجرة له. لكن الوضع الأكثر إرباكا هوأن قيام سلطة وطنية لشعب كان مشردا أو محتلا بالكامل يعني التحول إلى مجتمع يعيش ظروفا عادية، ويعني أيضا وجود بناء سلطوي بتناقضاته الطبيعية، وخاصة في المجال الاجتماعي. إن قيام هذا الوضع في ظل عدم استكمال التحرر خلق بلبلة واضحة وتناقضات عدة بين أفراد وفئات وشرائح المجتمع الفلسطيني، هي في ظروف تجارب الشعوب الأخرى التحررية تناقضات ما بعد التحرير. فانجاز الأهداف الوطنية يشترط اعتبار التناقضات الاجتماعية تناقضات ثانوية، وخلق وحدة وطنية وهوية وطنية موحدة في مواجهة الأعداء الخارجيين. في ظل هكذا وضع، فإن من شأن الشللية، والعائلية، والتفاوت الطبقي الحاد، والقبلية، والتحزب السياسي الأعمى، والتغريب الثقافي، والتطبيع مع الاحتلال، أن تؤثر سلبا على الهوية الوطنية الفلسطينية.

وباختصار، قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بشروط أوسلو، خلق تداخلا في المراحل وإرباكا لقيادة الشعب الفلسطيني وفصائله وأفراده، وجعل من التناقضات مركبة، وربما مشوهة، وهذا أوجد خلخلة في الهوية الوطنية الفلسطينية، لأنه أوجد نشاطا أيديولوجيا سلطويا في ظل واقع ما زال يتطلب سيطرة وهيمنة القيم والثقافة الوطنية التحررية، وساهم في كثير من الأحيان في ارتقاء التناقضات الثانوية إلى تناقضات رئيسية، وشوش على بوصلة النضال الوطني الفلسطيني وتناقضاته والقيم والمعايير التي يحتكم إليها.

هذا التراكب في التناقضات في الواقع الفلسطيني حدث بشكل حاد مرتين في التاريخ النضالي الوطني الحديث، ولكنه حصل هنا لأول مرة بسبب عوامل وقوى فلسطينية، وهذا أخطر بكثير على الهوية الوطنية الفلسطينية. فالتراكب الذي حدث في أيلول سنة 1970 في الأردن، وأدى إلى تحويل التناقضات الثانوية مع النظام الأردني إلى تناقض رئيسي لم يؤثر كثيرا على الهوية الوطنية الفلسطينية، بل يمكن القول بأنه عززها كهوية قطرية. وارتقاء التناقض الثانوي في الحرب الأهلية في لبنان مع قوى لبنانية إلى تناقض رئيسي ساهم أيضا في تعزيز الهوية الوطنية كما يعتقد، لكن الحدثين ساهما بشكل كبير في خفوت وتقزيم الهوية القومية كجزء مكمل أو أرقى في تكوين الهوية الوطنية الفلسطينية. فالهويات الوطنية القطرية هي وليدة نضال وطني قطري فرض على الأمة العربية بعد تجزيئها وتجزيء نضالها، علما بأن العمل على ارتقاء الهوية الوطنية القطرية إلى هوية قومية تأخذ بعين الاعتبار الخصائص القطرية هو شرط ضروري وموضوعي لانجاز أهداف النضال الوطني العربي القطري والقومي، وبالذات، النضال الوطني الفلسطيني، لأن جبهة الأعداء قوية ويحتاج النصر في مواجهتها إلى حشد القدرة العربية والتكامل بين النضالين القطري والقومي.

قيام السلطة الوطنية الفلسطينية كنتيجة للتفاوض مع الأعداء رفع ثقلا كبيرا عن كاهل الأنظمة العربية العاجزة عن تحرير الأرض العربية، وخفض درجة العداء مع العدو الصهيوني، وجرأ بعض الأنظمة العربية فاستضافت بعثات إسرائيلية في بلدها، وأمعنت في التطبيع، حيث كان ذلك في الزمن السابق محرما وخيانة.

وبعد أوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، انعكست بعض القيم فلسطينيا وعربيا، فصار التفاوض عقلانيا، والتصالح حكمة، وصار أعداء الأمس أصدقاء اليوم، وحلفاء الأمس أعداء اليوم، وهذا خلق تشويشا وارباكا وتناقضات في مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية، وخفف من التناقض بين الهوية الوطنية القطرية الفلسطينية، التي كانت مناضلة، والكثير من الهويات القطرية العربية الرسمية، إلا أن بقاء جذوة المقاومة والنضال بشتى أشكاله ظل يعطي جذوة الوطنية بعدا مهما في الهوية الوطنية الفلسطينية. وبعد أكثر من عقدين من التراجع، فإن من شأن الربيع العربي المتفتح في هذه الأيام أن ينعش البعد القومي في الهويات الوطنية العربية، وبالذات الفلسطينية، وسينعكس ذلك على الواقع الفلسطيني وهويته الوطنية إيجابا.

من الواضح أن سؤال الهوية وسؤال السياسة باتا يفترقان في الواقع السياسي الفلسطيني إلى حد التناقض. والسؤال الذي ينشأ في ضوء هذا التناقض هو: هل يمكن إنهاء الصراع من خلال التخلي عن ركيزة أساسية للهوية الجامعة للفلسطينيين، وفك ارتباطها الوثيق بالصراع الوجودي مع الحركة الصهيونية، وبالنكبة ومنتجاتها؟ وعلى وجه التعيين بوصفها متنافية وجودياً مع الهوية العدوانية الصهيونية.

والسؤال الآخر المهم هو: هل بإمكان الشعب الفلسطيني بأطره السياسية ومؤسساته الأهلية والرسمية وأفراده، في ظل معطيات الظروف القائمة منذ أوسلو حتى اليوم، أن يتفادى الكثير من الأخطاء التي وقع فيها والتي خلقت تناقضات وتصدعات وشقوقا في الهوية الوطنية الفلسطينية، والتي من شأنها أن تؤثر على استمرار نضاله وتحقيق كافة أهدافه الوطنية؟

نعتقد أن الجواب نعم، وإن كان صعبا، وذلك بالتأكيد على الثوابت التالية.

1ـ التأكيد على أن الصراع والتناقض مع الأعداء سيظل قائما ورئيسيا حتى تتحقق كافة أهداف الشعب الفلسطيني، ولا داع لتخفيف حدة هذا التناقض حتى ونحن نفاوض، فالتفاوض شكل نضالي. وبناء على ذلك يجب رفض التطبيع مع الاحتلال، خاصة على المستوى الشعبي، ويجب وضع برامج وسياسات وآليات تؤكد على استمرار النضال ضد الاحتلال بكل الطرق والأساليب المتاحة والملائمة للواقع المعطى وإرهاصاته، وبما يلائم الظروف القائمة.

2ـ يجب أن يتلاءم الشعب الفلسطيني، جماهيرا وسلطة، مضمونا وشكلا مع وجود هذا التناقض واستمراره. فالنضال وحالة التناقض لا يتعايشان مع حالة البذخ التي بنيت عليها السلطة الوطنية ولا مع الجيوش البيروقراطية والأمنية التي أنشأتها، فإنجازات إتفاق أوسلو، إذا كان له إنجازات، لا تحتمل الإنتقال إلى حالة دولة بمظاهرها الكاذبة. وواقع الشعب الفلسطيني الاقتصادي يفترض التقشف لا الترف والبذخ. ويتطلب أيضا، بناء اقتصاد مقاومة وصمود لا اقتصاد استهلاكي. وفي هذا الاقتصاد الأرض هي محور الصراع، وبناء القدرة في الإنسان جوهره، وتنمية القطاعات الانتاجية أحد أهم أركانه، ومقاطعة بضائع الاحتلال شرط تنميتها، وتنمية الثقافة الوطنية ركن أساسي في نضاله للحفاظ على الهوية الوطنية وروح المقاومة وتوحيد قوى الشعب في مواجهة الاحتلال والإحلال.

3ـ يجب ألا نسمح، مهما كانت الضغوط والمبررات، بأن ننسلخ عن أهم عامل من عوامل قوتنا، وهو امتدادنا القومي الاستراتيجي. فحتى في أحلك الظروف، كان يجب إقامة علاقة وثيقة مع جماهير وأحزاب وقوى الأمة العربية وأنظمتها السياسية بتوازن خلاق يدعم قدرتنا ولا يغير ثوابتنا. وكان يجب أن تتشكل تحالفاتنا الدولية على أساس استمرار النضال، وبما يكفل تعزيز قدرتنا.

---------
* عبد الفتاح القلقلي (أبو نائل): كاتب وباحث فلسطيني، الأمين العام للمجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في م.ت.ف، وعضو الهيئة العامة لمركز بديل.
** احمد أبو غوش: باحث وكاتب فلسطيني، له مؤلفات عديدة، منها ملاحظات حول التطور العربي والمسألة القومية، والتنمية المستحيلة
.