×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
صورة للفنان أحمد البظ، نابلس، جائزة العودة صورة للفنان أحمد البظ، نابلس، جائزة العودة

الهوية الوطنية الفلسطينية

لا زال سؤال الهوية الوطنية الفلسطينية يحتل مكانة في صدارة القضايا الجوهرية المتصلة بالصراع مع الحركة الصهيونية وإسرائيل؛ ليس باعتبار ان الهوية موضع شك، بل كونها تتصل بقضايا الصراع الجوهرية: حق تقرير المصير، وحق العودة إلى الديار الأصلية، وحق إقامة الدولة المستقلة ذات السيادة الكاملة. من هنا، جاء هذا العدد ليعيد طرح السؤال على نحو يبرز مكونات الهوية، وخصوصيتها، والعوامل المؤثرة فيها سلبا وإيجابا، وشروط تأكيدها وسبل تجسيدها فعليا.

الهوية الوطنية الفلسطينية لم تنشأ بمعزل عن محيطها العربي؛ فتشكلت، رغم خصوصيتها، بمضمون قومي يطغى تارة، ويتوارى تارة أخرى؛ ولكنه بقي حاضرا برغم الإمعان في "القطرية" مؤخرا.وهنا لا بد من التأكيد انه اذا كانت "القطرية" المؤسسة على نهج قومي لم تنجح، فان ذلك لا يعني ان "القطرية" بمعنى الانعزالية هي البديل الصحيح.وذات الشيئ يمكن قوله عن العمق القومي، ففشل مشروع/مشاريع الوحدة العربية لا يبرر بدوره السقوط في القطرية. وعليه، كان النهج الفلسطيني الذي يوازن ما بين خصوصية الهوية عبر التأكيد عليها من جهة، وعبر التمسك باستقلالية القرار الوطني من جهة ثانية نهجا صحيحا.

وهذا بدوره يستدعي ضرورة الوقوف على النهج الفلسطيني الحالي الذي يتمسك لفظيا باستقلالية القرار الوطني في بعض المسائل، بينما يتوارى في القرارات المصيرية خلف ما اضحى يعرف بالموقف العربي الرسمي، وكأن الاخير هو التعبير عن العمق القومي للهوية والقضية.

والهوية في تطورها ارتبطت بالمسيرة الكفاحية للشعب الفلسطيني، حتى أصبح التأكيد عليها، وإبرازها، وتجسيدها ركنا أساسيا من أركان البرنامج النضالي لمرحلة التحرر الوطني. ومن غير الخفي ان هذه الاهمية فرضتها ظروف الصراع ومواجهة أهداف وبرامج المستعمرين. وغير خفي ايضا ان حملات إلغاء الشعب الفلسطيني لما تتوقف منذ مطلع القرن المنصرم، سواء بالتنكر لوجوده، أو بممارسة التطهير العرقي واسع النطاق، أو بالتهجير المتواصل، أو بالتنكر لحقوقه الوطنية، أو بتحويرها على نحو يفرغها من مضمونها.

وارتباط الهوية الفلسطينية بمسيرة التحرر الوطنية يتبدى في مسألتين هامتين: الاولى ارتباط تجسيد الهوية بعدد من اشكال النضال المعتمدة. ويظهر هذا، على سبيل المثال لا الحصر، في تأسيس التشكيلات الفلسطينية المقاتلة التي اعتبرت انطلاقة حقيقية نحو التحرير (ضد مفهوم التحرير بمنطق الجيوش والانظمة)، كما ويظهر في الابداعات الثقافية والفنية ذات البعد الانساني- الحضاري (ضد تصوير الفلسطيني كعدم، مسكين ومستكين). والثانية ارتباط درجة حضور الهوية محليا وعربيا وعالميا بمدى جدية النضال نفسه. ويلاحظ، كما تبين عدد من المقالات الورادة في هذا العدد، ان حضور الهوية الفلسطينية وبالتالي قوة طرح الحقوق الوطنية على مختلف المستويات، ارتبط بالفاعلية النضالية. فما بعد النكبة، وما قبل انطلاق الثورة المعاصرة كانت الفاعلية الكفاحية محدودة؛ وخلال ذات الفترة ساد التهميش، والتغييب والوصاية. بينما بتصاعد الفعل النضالي، تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتم صدور عدد من القرارات الدولية ذات القيمة القانونية (والوطنية في ذات الوقت)؛ مثل القرار (3236) للجمعية العامة للامم المتحدة والذي يؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده في تقرير المصير، واقامة الدولة والعودة. كما ويظهر ان تراجع الفاعلية النضالية ما بعد اوسلو قد اصاب حضور الهوية وتجسيداتها بالوهن.

اذا كان سؤال الهوية مسألة مرتبطة لدى الشعوب والامم بالحضور بين الامم، فانها في السياق الفلسطيني؛ حيث ان الشعب الفلسطيني شرد، وشتت، وجزئ، وانكرت عليه حقوقه، اكثر من ذلك. انها مسألة مرتبطة بالكينونة، بمعنى الوجود، وممارسة الحقوق، ومشروع المستقبل. لذلك، يصح الاستنتاج بالقول ان تجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية ركن اصيل في مشروع اعادة بناء م ت ف على اسس وطنية وديمقراطية، وعلى اساس برنامج نضالي للتحرر يجمع ما بين الفلسطينيين في كل فلسطين بحدود الانتداب وفي الشتات. وبدون ذلك، سنبقى نشهد حالة من الاغتراب بل والتناقض، ما بين الفلسطيني وواقعه، ما بين المرحلة ومتطلبتاها، وما بين الحقوق وسبل وادوات تحقيقها.

هيئة التحرير