مشروع إعلان الدولة: خيار أزمة أم خطوة إستراتيجية؟

مشروع إعلان الدولة: خيار أزمة أم خطوة إستراتيجية؟

تثير هذه الورقة جملة من التساؤلات السياسية والقانونية ذات الصلة "بمشروع" نيل دولة فلسطين العضوية في الأمم المتحدة على حدود عام 1967. وإثارة هذه التساؤلات لا يأتي من باب إثارة مواضيع للجدل الفكري أو الفقهي حول موضوع الاعتراف، بل لبيان تبعات الاعتراف القانونية والسياسية وارتباطها بالحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف في تقرير المصير، وإقامة الدولة ذات السيادة الكاملة، والعودة إلى الديار الأصلية من جهة؛ وبالانجازات السياسية النضالية للثورة الفلسطينية المعاصرة وبالذات الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وبحق الشعب الفلسطيني في المقاومة من جهة ثانية.

 

إن اللجوء إلى المؤسسات الدولية لم يبتدئ فلسطينيا، اليوم بل يمتد على مدار عشرات السنين ولن يكون خاتمة المطاف ما سيجري في سبتمبر 2011 وسيتبعه بالتأكيد جولات وجولات من النضال فالأمم المتحدة وهيئاتها كانت ولا زالت ميدانا للصراع والنضال التي عمل الشعب الفلسطيني في اطارها من اجل الوصول الى حقوقه غير القابلة للتصرف، وعلى هذا الصعيد فان أي نقاش أو موقف يجب أن يستند إلى هذه القاعدة، وعليه فان الغاية الرئيسة من هذه الورقة تتمثل في التأكيد على الثوابت والأولويات الوطنية الفلسطينية. انطلاقا من ذلك فإن إطلاق أي حراك عام يجب أن يهدف إلى:

أولا: الوصول إلى رؤية واضحة تبين فيما إذا كان التوجه إلى الأمم المتحدة ينسجم فعلا مع متطلبات مرحلة التحرر الوطني، ويخدم الحقوق (الثوابت) الوطنية، ويضيف نوعيا للانجازات النضالية أم لا.
ثانياً: معرفة الآثار الإيجابية، أو الوقوف على المخاطر والمحاذير من السير في هكذا مشروع.
ثالثاً: تحديد ماهية وضوابط السير في هكذا مشروع ليكون منسجما مع متطلبات تفعيل المقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
رابعاً: أن التوجه إلى الأمم المتحدة يستهدف الحصول على عضوية فلسطين في المؤسسات الدولية وليس الاعتراف بالدولة الفلسطينية وهناك فرق كبير بين الانضمام لعضوية الأمم المتحدة وبين الاعتراف، فالاعتراف هو قرار فردي وليس قرار أمم متحدة، وهناك عشرات من الدول اعترفت بدولة فلسطين منذ العام 1988. في هذا السياق فإن التوجه للأمم المتحدة يجب رؤيته كجزء من إستراتيجية تعتبر أن قرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة هي كل متكامل ولا يستبدل بعضها بعضا.

نحن المؤسسات الموقعة على هذه الورقة، نرى أن التوجه للأمم المتحدة لنيل العضوية لدولة فلسطين هو خطوة كبيرة ستترتب عليها حتما نتائج قانونية وسياسية فعلية، وفي هذا السياق فأن العمل الدبلوماسي على كافة الأصعدة هو أداة ووسيلة تستهدف الوصول للحقوق/الثوابت الوطنية من جهة، ومع ضرورات ومتطلبات التحرر الوطني.

إن ما يثير قلقنا كمؤسسات وهيئات وأطر مجتمع مدني فلسطيني هو أن يكون التوجه إلى الأمم المتحدة وهيئاتها بدون موقف سياسي واضح منسجم مع متطلبات النضال والحقوق الوطنية وبدون إسناد شعبي حقيقي واسع الأمر الذي نخشى أن يقود إلى:

1- أن يكون مشروع التوجه للأمم المتحدة هو ردة فعل على فشل المفاوضات، أو سعيا لإحياء تلك المفاوضات العقيمة، أو مجرد خطوة استباقية لتبرير مقولة "لا بديل عن التفاوض غير المفاوضات".
2- أن يكون التوجه إلى الأمم المتحدة ليس جزءا من رؤية إستراتيجية تأخذ بعين الاعتبار الآثار المترتبة على هذه الخطوة وبالذات على وضع م ت ف، والحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
3- أن تقطع هذه الخطوة سياقات المصالحة الفلسطينية بما يعود بالواقع الفلسطيني إلى حالة الانقسام الأمر الذي يمس بوحدة الشعب الفلسطيني ووحدة تمثيله وشرعيته.
4- أن يؤدي هذا الفعل إلى حصر القضية الفلسطينية في مشروع نيل الاعتراف، وكأنها صراع بين دولتين ناشئ عن خلاف حدودي، وبالتالي يصبح مشروع التحرر الوطني وكأنه مشروع إعلان دولة، كما تحول من قبل في ظل أوسلو إلى مشروع تفاوض لا نهاية له.

وعليه فإننا، نرى ضرورة الوقوف عند المحاور والتساؤلات التالية:

المحور الأول: ماهية الاعتراف المطلوب:

مما لا شك فيه أن الاعتراف الدولي "بإقليم فلسطين" وبحق سكانه في الاستقلال في دولتهم (انظر: عصبة الأمم المتحدة- صك الانتداب البريطاني)، أو بحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على ما يعادل 43% من فلسطيني التاريخية (انظر: قرار الأمم المتحدة 181)، وبحقوقه غير القابلة للتصرف في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة والعودة (انظر مثلا قرار الجمعية العامة 3236 لعام 1974، وقرار 3376 لعام 1975)، بالإضافة إلى جملة طويلة من القرارات الأخرى، تبين أن الاعتراف بحد ذاته لا يقود إلى تحقق مضمونه على الأرض. وهنا فان السؤال الأساسي يتمثل في:

ماذا يضيف هكذا اعتراف إلى جملة القرارات الدولية التي أقرت بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة والعودة؟ (انظر مثلا قرار الجمعية العامة 3236 لعام 1974، وقرار 3376 لعام 1975). في ضوء ذلك فإن رؤيتنا لمسألة التوجه للأمم المتحدة يجب أن تقوم على اعتبارها عملية تستهدف تعزيز النضال الوطني الفلسطيني على طريق حريته واستقلاله الكاملين، واعتبار قرارات الشرعية الدولية هي المرجعية لأي حل أو عملية سياسية.

المحور الثاني: م ت ف وتمثيل الشعب الفلسطيني:

إن لكل شعب/امة/ دولة تمثله أو حركة تحرر معترف بها، ولا وجود لأكثر من ممثل شرعي واحد لنفس الشعب/الأمة. وغني عن القول ان أعظم انجازات الثورة الفلسطينية المعاصرة، نيل الاعتراف ب م ت ف كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. والسؤال هنا:

هل التوجه إلى الأمم المتحدة سيعني الارتقاء بتمثيل م ت ف للشعب الفلسطيني أم سيعني نقل الشرعية إلى السلطة الفلسطينية (نواة الدولة كما تُقدم). وبكلمات أخرى، ما هو الإطار المقبول وطنيا الذي سيكتسب صفة الممثل الرسمي الشرعي للشعب الفلسطيني؟

المحور الثالث: حقوق اللاجئين:

يشكل اللاجئون الفلسطينيون قرابة 70% من الشعب الفلسطيني، منهم 81% من لاجئي عام 1948 الذين معظمهم في الشتات. وحقوق اللاجئين في العودة إلى الديار الأصلية واستعادة الممتلكات والتعويض مقررة في القانون الدولي وجملة من القرارات الأممية. وعلى المستوى الوطني يعتبر حق العودة احد الثوابت الوطنية ومعيارا للشرعية الوطنية وللعدالة. والسؤال الأساسي هنا هو:

هل سيتضمن التوجه إلى الأمم المتحدة التأكيد على حقوق اللاجئين وبالذات حقهم في العودة إلى ديارهم الأصلية؟ خاصة وأن عبارات مثل "القرارات ذات الصلةأو "على أساس القرار 194"، أو "حل عادل متفق عليه"، وغيرها ثبت عدم جديتها في التعبير بوضوح وصراحة عن تلك الحقوق الثابتة.

المحور الرابع: مفهوما وحدة الشعب الفلسطيني وحق تقرير المصير:

حيث أن الشعب الفلسطيني في مختلف مواقعه في فلسطين التاريخية وفي المنفى يشكل وحدة واحدة لا تتجزأ، وان م ت ف الممثل الشرعي له، فان مفهوم وضع مبدأ حق تقرير المصير موضع التطبيق يتجاوز الحديث عن مجرد الاعتراف بالحق في إقامة دولة، أو عن تمكين جزء من الشعب من ممارسة ذلك الحق. وعليه، فان وحدة الشعب تقتضي بالضرورة أن يكون حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني شاملا لكل الشعب في مختلف مواقعه. والسؤال الأساسي هنا هو:

هل سيشكل التوجه إلى الأمم المتحدة في أيلول 2011 تجسيدا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بمعناه الشامل في كل من الأرض المحتلة عام 1967، وفي الداخل، وفي الشتات ؟

المحور الخامس: المقاومة وأشكالها:

القانون الدولي، والأمم المتحدة، ومفهوم الشرعية الشعبية عموما، تقر بحق الشعوب في المقاومة لنيل حريتها واستقلالها (انظر مثلا : قرار الجمعية العامة رقم (3101) لعام 1972 الخاص بحق الشعوب الخاضعة للاحتلال بالتحرر منه بكافة الوسائل، وقرار 3103 لعام 1973 الخاص بمقاتلي الحرية، وقرار 3236 لعام 1974 والذي تنص فقرته الخامسة على حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بكافة أشكالها لنيل حقوقه المشروعة، وقرار 39/17 وغيرها) في المقابل، قيد القانون الدولي والأمم المتحدة سلوك الدول في علاقاتها مع غيرها؛ بل وفي حالات الرد على دولة أخرى. وباعتبار أن الدولة ليست حركة تحرر؛ فان السؤال هنا:

إذا كانت المرحلة هي مرحلة تحرر وطني لم تنجز مهماتها بعد، فهل نيل الاعتراف بدولة فلسطينية سيشكل إضافة لمفهوم المقاومة أم قيودا تحدُّ من إمكانيات ووسائل حركة التحرر الفلسطينية؟

في هذا السياق فإننا نؤكد على التالي:
1-استمرار الاحتلال هو العقبة الاساسية امام السلام وامام ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير.
2- حق العودة حق لا يسقط بالتقادم وهو حق غير قابل للتصرف وياتي تطبيقه كاساس لاي سلام دائم.
3- المفاوضات المباشرة والثنائية والتي ترتكز الى مرجعية (التفاوض والرعاية الامريكية) وتستبعد القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة كاساس لاي سلام انما اوصلت الاوضاع الى ما نحن عليه الان، ولا يمكن لها ان تفضي الى سلام عادل او مستقر.
4- التوجه للامم المتحدة والارتكاز الى القانون الدولي لحفظ الحقوق ولاحقا ممارستها يجب ان يكون خطوة ستراتيجية لا استخدامية للعودة للمفاوضات.
5- عدم التراجع عن الضمانات المتوفرة في القانون الدولي بكافة فروعه ومنها أن مرتكز الدولة الفلسطينية هو القرار 181 اضافة أن تبادل الأراضي بالصيغة المطروحة يشكل مخالفة لقواعد القانون الدولي الانساني وتحديدا المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة. وبالتالي فان تفكيك واخلاء كافة المستوطنات هل سيتضمن قرار الاعتراف بالدولة نص قانوني واضح وملزم باخلاء كافة المستوطنات كافة المستوطنات والتجمعات والاحياء الاستيطيانية التي اقيمت على الاراضي الفلسطينية الي احتلت عام 1967(عدم مكافئة مجرمي الحرب)
6-التاكيد على ان كافة الحقائق التي فرضتها اسرائيل من جانب واحد على الاراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية والتي تشمل المستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية وجدار الفصل العنصري واية تغييرات فرضت من جانب واحد هي حقئق استعمارية غير معترف وبها ومرفوضة .
7-التأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية خلاف على أراض وإن كانت الأرض أحد محاور وعناوين الصراع، بل هي قضية حرية واستقلال الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال الكولونيالي الإسرائيلي.
6- الشعب الفلسطيني هو كل الفلسطينيين أينما وجدوا سواء في المناطق التي احتلت عام 1948 او في مخيمات اللجوء في فلسطين ومحيطها أو في الشتات.
7- اننا نرى ان المهام المباشرة للمؤسسات الوطنية هي التاكيدعلى اهمية استكمال المصالحة وتعزيز البنيى الفلسطينية الوطنية عبر الوحدة والمصالحة واعادة بناء منظمة التحرير وانتخاب مجلس وطني فلسطيني على قاعدة سياسية وطنية محددة وواضحة تلتزم الدفاع عن الحقوق الوطنية والنضال من اجل تحقيقها.

إن استمرار الصراع منذ أكثر من 63 عاما، واستمرار معاناة شعبنا في كل مواقعه، ومواصلة إسرائيل لسياساتها وممارساتها غير القانونية والعدوانية، وفشل المفاوضات عبر العشرين سنة الأخيرة، وغيرها من مظاهر استمرار التنكر لحقوق شعبنا الفلسطيني ما هي إلا تعبير صارخ عن عجز وفشل المجتمع الدولي. وبالتالي، لكي يكون التوجه للأمم المتحدة منسجما مع الحقوق الوطنية، وذا معنى سياسي عملي واضح، وإضافة نوعية للانجازات السابقة، ولا يعرقل سبل التحرك مستقبلا، فانه يلزم أن يأتي ضمن إستراتجية واضحة لوضع تلك الحقوق موضع التطبيق، وليس مجرد تعبير عن أزمة ناشئة عن فشل المفاوضات في ظل قصور داخلي يتمثل في العجز عن إعادة الاعتبار لخيار المقاومة. وهذا يتطلب بالضرورة أن يكون أي تحرك دولي بهذا الحجم ناشئا عن فعل شعبي ورسمي مقاوم يفرض على الأرض ذاته، ويجبر المجتمع الدولي على منحه القوة التنفيذية اللازمة لتطبيقه؛ وذلك لضمان صون الحقوق غير القابلة للتصرف، ولقطع الطريق على اجترار عشرين سنة من أوسلو بثوب جديد.

المؤسسات والهيئات والأطر الموقعة:
1-مبادرة الدفاع عن الاراضي المحتلة (تضم 11 مؤسسة عاملة في مجالات مختلفة )