×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

اللاجئون الفلسطينيون يعبرون الحدود في يوم النكبة

(المصدر :الايام) (المصدر :الايام)

من التمسك بحق العودة والمطالبة به إلى ممارسته بالفعل الجماهيري

الوصول إلى فلسطين وتقبيل ترابها:
 

إعداد: طاقم مركز بديل


تجلت الروح الثورية لما أصبح يطلق عليه "الربيع العربي" في المسيرات التي نظمها الفلسطينيون وحلفاؤهم من العرب خلال إحياء ذكرى النكبة في شهر أيار 2011. فإلى جانب اللقاءات والفعاليات السنوية المعتادة لإحياء ذكرى النكبة، نظم نشطاء فلسطينيون، وسوريون، ومصريون، وأردنيون، ولبنانيون، ومعهم العديد من المتضامنين مع عدالة القضية الفلسطينية فعاليات ومسيرات جماهيرية لم يسبق لها مثيل منذ نكبة عام 1948 توجهت نحو الحدود. عبر مسيرات العبور والعودة كان السعي متدفقا أريد منه إعادة الاعتبار لقضية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين، وإسماع العالم صوت اللاجئين المطالبين بحقهم بالعودة إلى ديارهم الأصلية داخل فلسطين التاريخية وهضبة الجولان المحتلة، والتي هجروا منها قسراً على يد العصابات الصهيونية قبل 63 عاماً.

فقد انطلق آلاف الفلسطينيين المقيمين قسراً في كل من سورية والأردن ومصر ولبنان بشجاعة في مسيرات حاشدة نحو الحدود مع "إسرائيل"- حدود فلسطين التاريخية لإظهار التحدي والصمود والمطالبة بالعودة إلى الوطن. وتسبب رد الفعل الإسرائيلي العنيف والعدواني تجاه المتظاهرين الفلسطينيين، في استشهاد العشرات وإصابة المئات منهم. وعلى الرغم من قسوة وعنف الرد الإسرائيلي، إلا أن عدداً لا بأس به من اللاجئين الفلسطينيين تمكّنوا من الدخول إلى وطنهم للمرة الأولى منذ نزوحهم القسري عام 1948. وقد شاركهم في هذه الهبة الجماهيرية الآلاف من المتظاهرين والمتضامنين حول العالم، من اسطنبول إلى سيدني، ومن نيويورك إلى لندن. ويشكّل هذا الحدث، الذي تكرر بعد اقل من شهر، في ذكرى حرب عام 1967، سابقة للعمل المباشر القائم على تبني نهج الحل المبني على الحقوق لقضية اللاجئين الفلسطينيين، والمطالب بصون الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق العودة وحق تقرير المصير بمعناه ومضمونه الشامل.


وفي الوقت الذي تعرض فيه المتظاهرون إلى القمع في كل من الأردن ومصر، تجلت على الحدود الفلسطينية-اللبنانية، والفلسطينية-السورية حركة النضال الفلسطيني من أجل العودة، وحمل الشباب الفلسطيني اللاجئ على أكتافه مهمة القفز من فوق سياج الأسلاك الشائكة وحقول الألغام، منجزين خطوة كبيرة ساهمت في تخطّي 63 سنة من الإنكار والحرمان والعزلة. وفي اجتماع عقد في سوريا بعد أيام قليلة من يوم النكبة، تحدث عدد من الشبان الذين وصلوا إلى حدود وطنهم، عن تجربتهم في العودة إلى هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل، وعبروا عن عظمة الفعل وخلوده فقالوا:

”لم نتمكن من التوقف، فنحن قريبون جداً من بلوغ ديارنا“

بالرغم من التخطيط المسبق والجيد للمسيرات، إلا أن المتظاهرين أنفسهم تفاجؤوا من الجرأة والشجاعة التي تجاوزوا بها الحدود العسكرية التي فصلتهم قسراً عن ديارهم الأصلية. وجاء في حديث ياسر يوسف:

"كنت واحداً من أوائل الواصلين إلى السياج الحدودي، ولم أكن أتوقع ما كان على وشك الحدوث. كان الشباب يهتفون "الشعب يريد الحرية لفلسطينوواحد فقط بدأ بتوجيه المسيرة باتجاه السياج رافعاً علامة النصر وراكضاً باتجاه حقول الألغام. عندما وصلنا إلى السياج سمعنا الشباب على الجانب الآخر يحذروننا أننا كنا ندخل حقل ألغام، ولكن هذا لم يثننا عن التقدم، لم نتمكن من التوقف فنحن قريبون جداً من بلوغ ديارنا. البعض منا قفز من على الأسلاك الشائكة، وآخرون حاولوا قطع تلك الأسلاك لمساعدة الآخرين على العبور".

وبينما كان السوريون من مرتفعات الجولان المحتلة هم من بادر إلى قطع السياج الحدودي، إلا أن نهرا عريضا من المتظاهرين تبعهم في ذلك. وعلى الرغم من روح التحدي والحماسة الشديدتين التي كانوا عليها، أدرك المتظاهرون وجود الألغام الأرضية، فحذروا بعضهم منها. الكثير من المشاركين، من بينهم فارس محمود، ظلوا في الخلف لمساعدة الآخرين، وقال: "طلبت من ابن عمي الذي كان معي البقاء وتحذير الناس من الوقوع في فخ الألغام الأرضية التي زرعتها إسرائيل".

وصل المتظاهرون الذين قطعوا السياح والحدود إلى الساحة الرئيسة في مجدل شمس، المدينة الأكبر في مرتفعات الجولان السوري المحتل، كما يصف بشار حسن قائلاُ:

عندما وصلت إلى الساحة الرئيسية في مجدل شمس مقابل تمثال السلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى ضد قوات الاحتلال الفرنسي، خرج المئات من أهالي مجدل شمس في استقبالنا للترحيب بنا والوقوف معنا. أحد شبابنا تسلق أعلى التمثال، ووضع العلم الفلسطيني في يد التمثال، وبدأ الجميع بالتصفيق والهتاف لفلسطين وشعبها. لم أتمكن من السيطرة على نفسي وأجهشت بالبكاء.

متحدون من أجل العودة
على عكس الموقف السياسي الرسمي، حيث الانقسام والخلاف بين الفصيلين الفلسطينيين الرئيسيين اللذين لا زالا يرفضا تحقيق وحدة وطنية حقيقية على أساس إستراتيجية وطنية، جاءت التظاهرات الشبابية لتصب في صالح تحقيق ذلك الغرض. ويصف الشاب هيثم أبو طالب: "ما جعلني أشارك بجدية في المظاهرة وأتقدم إلى الأمام، هو أن الهتافات كانت لفلسطين وخالية من أية فصائلية، وكان العلم الوحيد الذي يرفع ويلوح به هو علم فلسطين".

منذ نشأتها، بنيت الحركة الوطنية الفلسطينية على توأم التحرير والعودة. وعلى الرغم من تهميش حق العودة خلال العقدين الماضيين من عملية السلام غير المجدية، وعلى الرغم أيضا من حالة الركود التي تعاني منها الأجسام التمثيلية للشتات الفلسطيني، لا تزال عودة اللاجئين إلى ديارهم المطلب المركزي للحركة الوطنية. أبو طالب، أحد المشاركين في مسيرات يوم النكبة يشرح كيف تجلى ذلك خلال التظاهرات:
"كان الشباب المشاركون من مختلف القطاعات المجتمعية، وأصحاب وجهات نظر سياسية مختلفة، ويمثلون مجموعة متنوعة من الفصائل الفلسطينية. لم تظهر أي من تلك الاختلافات في المسيرة لأن الجميع اتحد في مواجهة الجنود الإسرائيليين الذين يمنعوننا من العودة إلى ديارنا".

وبمجرد وصول أول متظاهر إلى الضفة الأخرى من الحدود، ومع تواصل تدفق المتظاهرين من بعده، بدأت قوات الجيش الإسرائيلي بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية على المتظاهرين. أحد العائدين، أحمد عباسي، قال أثناء محاولة جنود الاحتلال منع اللاجئين من العودة:

أكثر شيء تأثرت به هو عندما رأيت ثلاث سيارات جيب عسكرية إسرائيلية تسير بسرعة بين جموع العائدين محاولة تفريقهم عن طريق الإبقاء على بعضهم في عين التينا [على الجانب السوريوآخرين في مجدل شمس. بالنسبة لي كان هذا مشهداً رمزياً للغاية لأنه يمثل الطريقة التي تحاول إسرائيل من خلالها التفريق بيننا وتضعف من كفاحنا.


العودة بأي ثمن كان

مثل النضال من أجل الكرامة والحكم الخاضع للمساءلة الذي لا يزال يجتاح العالم العربي، خلقت مسيرات العودة أفقاً جديداً لما هو ممكن فعله من اجل قضية اللاجئين الفلسطينيين. بالنظر إلى نضالهم من وراء منصة الخطابة، ومن خلف الحدود التي حرمت اللاجئين من حقهم في تقرير مصيرهم، أثبتت المسيرات بشكل واضح مدى واقعية العودة وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع. ومن خلال التأكيد على ذلك وتطويره، سيتحول هؤلاء اللاجئون من كونهم "مشكلة" يتعين حلها، إلى عناصر فاعلة وقادرة على التغيير.


الاستخدام الإسرائيلي للقوة الوحشية المفرطة لمنع عودة اللاجئين في يوم النكبة يعكس السياسة الإسرائيلية المتواصلة لتهجير السكان قسراً والتي بدأت منذ ما قبل تأسيس دولة إسرائيل. بالنسبة للفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى ديارهم في أعقاب طردهم أول مرّة، أكّدت إسرائيل مرّة أخرى على عدم تخليها عن سياسة التهجير، فعملت على طردهم من جديد وألقت بهم على الحدود أو على التلا الفارغة المجاورة. في وادي الحولة، تعرّضت المحاصيل الزراعية للاجئين لحملة حرق منهجية من جانب قوات "البالماخبينما قتل آخرون بدم بارد. وقتل أكثر من 5000 لاجئ حاولوا العودة بهذه الطريقة بين الأعوام 1949-1956. بعد فترة وجيزة، ومن منطلق الحاجة للحصول على "شرعية" لتعزيز التفوق اليهودي في البلاد، أقر الكنيست الإسرائيلي قانون منع التسلل والذي أعطى الحكومة تفويضا مطلقا لترحيل اللاجئين بالقوة والإبقاء عليهم في المنفى.

وقد كان بعض المشاركين في المظاهرات من الرعيل الأول للاجئين الذين هجروا إبان إقامة دولة إسرائيل، بحيث انضموا إلى الشباب في عبور الحدود إلى فلسطين. محمد محمد، احد المشاركين يصف ذلك بقوله:

كنت منهكا عندما وصلت إلى الجدار. عندما بدأت التسلق، كان هناك امرأة كبيرة في السن طلبت مني رفعها حتى تتمكن من تسلق السياج والذهاب إلى مجدل شمس. قلت لها، "سوف يكون من الصعب عليك يا حجة" لكنها أصرت الصعود، وقالت لي "ما هو مهم بالنسبة لي هو الوصول إلى الجانب الآخر لتقبيل تراب فلسطين". قمت مع عدد من الشباب بحملها عبر السياج، وساعدناها على الوصول إلى مجدل شمس. عندما وصلت إلى الجانب الآخر، سجدت على الأرض وقبلتها لأكثر من 10 دقائق.


العاطفة التي أظهرها اللاجئون الفلسطينيون تجسد الطاقة التي تم التخلي عنها، وغير المستغلة منذ أن انتقلت القيادة الفلسطينية من المنفى إلى الأرض المحتلة، وشرعت في عملية السلام. لا يمكن المضي في استبعاد اللاجئين الفلسطينيين وعدم مساندتهم وتقديم العون لهم في العودة إلى وطنهم. وفي هذا الإطار، يجب على القيادة السياسية الفلسطينية أن تعيد النظر في سياستها التمثيلية لتشمل اللاجئين، وان تكون خاضعة للمساءلة والمحاسبة، حتى تبقى الحقوق الأساسية مصانة. بدون استغلال الطاقات والالتزام بإستراتيجية أوسع نطاقا لصون الحقوق الوطنية، وبدون موافقة اللاجئين على أي حل مستقبلي لقضيتهم، فإن حل الصراع المستمر منذ عقود طويلة في فلسطين سيبقى بعيدة المنال.