×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

بين صمتِ الموتِ ونبض الحياة

( المصدر: www.sondos.com) ( المصدر: www.sondos.com)

عائلات غزية تقاسمت مسكنها مع الموتى... فعاشوا كمن يحيى جسدا والروح غائبة!*
بقلم: محمد عثمان
*

هو مشهد من الصعب مسحه من الذاكرة بسهولة... صورة في إطارها يجتمع الموت والحياة معا، يتعانقا، يحتضن منهما الآخر... كُلٌ بتعابير وجهه، فالأول ضاحكا والأخيرة حزينة.
وسطَ مدينة غزة التي تفيض بسكانها، وتعج شوارعها بآلاف الناس يوميا، استقرَ الأموات في إحدى مقابرها الواسعة، والتي تسمى "مقبرة الشيخ رضوان"، ينقسمون إلى جزأين: شرقي وغربي، في البقعة الأكثر اكتظاظا في غزة.
داخل المقبرة الصامتة، صوتٌ يؤذن بأنَ حركةً غريبةُ ما تحدث، ديكٌ يصيح، وأصوات صِبية يلعبون، ولهاث كلاب... لفت انتباهنا الصوت، فأطرنا "الأذان" واستمعنا... ولنعرفَ ما يحدث اقتربنا أكثر، وأكثر... حتى صرنا نُحيي الأمواتَ ونقرأ لروحهم السلام.

دخلنا المقبرة شاسعة المساحة، سرنا فيها من القبر الأول حتى الأخير، لم نجد ما يُبشر بخير، عدا رجلا توسمتُ فيه خيراً... وسألته:
- هل تسكنُ هنا يا حج؟
تعجبَ الرجل ونفى قائلا:
- أنا هنا أزورُ أمواتي!
صمتُ آخر أطبقَ علينا، فحملنا عتادنا و"سرنا" في المقبرة حتى سورُ نهايتها.
هناكَ بلا إذنٍ خرجت مجموعة دجاجات من باب "زينكو" في الطرف الشمالي للمقبرة، ففطنا أن المنازل التي جئنا لزيارتها تستقر هنا، فخرجت أصواتنا منادية أهلَ البيت:
- يا عرب... أتسمعون؟
خرجَ علينا رجل في العقد الرابع من عمره، بيده أشار لنا أن التصوير ممنوع، وقال:
- نسكن هنا منذ الثمانية وأربعين، ولا مأوى بديل لنا... نحنُ أربعُ أسر يصلُ عددنا إلى ثمانية عشر فردا، استأجرنا الأرض من الأوقاف بمائة وخمسين دينار في العام الواحد، وبنينا بعضَ الغرف من الزينكو لنحمي أنفسنا.
لا خوفَ من مشاركة الأحياء الأموات في المقبرة، هذا ما أخبرنا به وليد (ع) الذي قال:
- لا يشعر الأطفال بأي خوف، وحياتهم طبيعية...
كان كلامه كمن "يضحك" على نفسه، أو لعله كبرياء يمتلكه الفلسطيني، وعزة نفس، خاصة أنه توقف عن الكلام وأشار لنا بالتحدث إلى بعض الأُسر التي تقطن داخل المقبرة، في الجزء الآخر.
المقبرة في جزئها الثاني لا تساوي مساحة الجزء الأول مطلقا، سرنا فيها وشاهدنا الحياة تدب على قدميها بـ"راحة"، فالأحياء فيها يجاورن الأموات دون أدنى مشكلة، فهذه ربات البيوت تنشرن غسيلهن على شواهدِ القبور، والأطفال يلعبون بينها وكأنهم في إحدى الساحات الخضراء والمتنزهات، وعلى الجانب الآخر تشارك الدواب المربوطة بأوتادٍ حديدية، الناسُ والقبور كذلك.
المشهد الآن واضح..ز فبين قبر وآخر يجلس بعض سكان "المقابر"... ويتكئ آخرون، في أحضانهم بعض أطفالهم، والبعض الأخر يحتضن القبر في طريقة تنم عن علاقة حميمية بينهم وبين الأموات. علها علاقة صداقة؛ تلك التي بنيت بشكل إجباري ولضرورات الحياة التي اضطرتهم ليجاوروا ويصادقوا ويعايشوا الأموات!
- اقترب لكن ممنوع التصوير!
هذا ردهم لما لمحوا الكاميرا في يدي، لقد أيقنوا لماذا أتيناهم بحماس، فنحن صحافيون من شكلنا العام، ومن يأتي إلى المقبرة من وسائل الإعلام بهدف تغطية وتصوير حياتهم داخلها هو "منبوذ" وبجدارة! فالإعلام وفقَ قولهم أثرَ عليهم بطريقة عكسية وسلبية، قالوا في حوار جماعي، لخصناه بالآتي:
- لو أن بعض سيارات الشرطة جاءتنا الآن لأخذتك وصادرت كاميراتك.
وأردفَ أحدهم ساخرا:
- نحن نعيش أجمل حياة هنا، نأكل ونشرب وننام، وانظر أيضا إلى "السلك" فلدينا اشتراك انترنت".
وما أن أنهى كلامه حتى أضافَ الجميع "على قلب رجل واحد" وبشكل جدي هذه المرة : "أن الحياة في المقبرة يرثى له بكل المقاييس".
- الحكومة المقالة في غزة بعد أن سلطت وسائل الأعلام الضوء على قصتنا، طالبونا بدفع إيجار مقابل غُرف الزينكو" قالوا، كأنَ رياحَ الإعلام جاءتهم بما لا تشتهي سفنهم.
سجال طويل دار بيننا، نحاول أن نقنعهم بضرورة التصوير وهم يرفضون... ما كنا نقتنع ولا هم كذلك، حتى قالَ أحدهم: "أطفالنا بشر، ولا نريد أن نفضحَهم وأنفسنا في وسائل الإعلام"... أسكت جدالنا كلماته، فهم بشر، والرفضُ من حقهم تماما.
بقيت معهم نتحدث في كثير من الأمور حتى تسربوا واحدا تلو الآخر، وبقي شخص في بداية عقده الرابع، على وجهه علامات الموافقة لإجراء مقابلة، استغلينا الموقف وحدثناه رغم تردده في التعبير عن قصته خوفا من الرجع السلبي الذي يجلبه الحديث.
قال محمد (ع):
- جدوا لنا بديلا، لا أحد يرغب باستمرار حياته في المقبرة التي تمتلئ بالثعابين والقوارض، ولو ان هناك ضميرا لما تركونا نعيش فيها، فهناك جيل صاعد يحيا داخل المقبرة، بين الأموات، أطفالنا الصغار يتعلمون الدفنَ قبل الكتابة والقراءة، حياتهم مُرة، ويختلفون عن زملائهم، واختلافهم يسبب اليأس لهم.
ويضيف مستطردا:
- المنطقة هنا منسية، فالمسئولون بدلا من أن يعطونا قطعة ارض يقولون: "أنت الآن تسكن"!
ويشكو متسائلاً:
- هل الأرض من حق من يرغب بزيادة مُلكه فقط؟!
تلك كلمات الرجل، أحد ساكني المقبرة، الذين ولدوا وعاشوا وكبروا وتزوجوا وأنجبوا داخلها، فكانت حياتهم بطعم الموت الذي يشاهدونه كل يوم ممثلا بتلك القبور التي يجاورونها، فهم والأموات تربطهم صداقة الدنيا والآخرة.
تأهبت للخروج من المقبرة، مررت بجوار البيوت التي تتلاصق بعضها البعض، وتتداخل معها القبور، بل وتدخل في حيزها لتصبح جزءا منها كغرفة من غرف المنزل يقيم فيها ميتا يشاهدونه صباح مساء، فيتذكرون بأن حياتهم في الدنيا موت قبل موتهم في النهاية. مررت بجانب القبور التي يلهو عليها الأطفال، طفل يلعب مع إخوته وجيرانه، وآخر اتخذ من أحدها سريرا ينام فوقه في قيلولة يوم شتوي أطلت الشمس فيه على غفلةٍ من المطر، صورناه خلسة وبلا مقابل قبل أن ينفضح أمرنا ويطلب الطفل شيقلين مقابل الصورة...
وفي طريقِ خروجنا، بدت المساحة أوسع، فالحياة بطعم الموت، النكهة هنا ممزوجة بغصة، كأن تعيشَ في سابع أرض وتحيا دونما علمِ بكيفَ وماذا ولماذا!!.. حياةٌ تختلف كثيرا، فمن يعيش في المقبرة هو في محيط منطقة يدب فيها الموتُ على هيئة "حياة"... على مدار الساعة يدقُ باب السؤال، وبإهمالٍ واضح يُردُ جوابه: "ارجع يا هذا؛ فمشاكل غزةَ أكبرَ منك، استقر في مقبرتك... تابع موتك أو حياتك، ولما يحينُ دورك، يأتيكَ منا خبر".
الأطفال استمروا باللعب... ونحن نخطو نحو الخارج بـ"همة"، الناس في صمت... والأموات في سكون، وحِمارٌ "ينهقُ بحدةٍ قائلا:
- أخرجوني من هنا... لا أودُ الموتَ قبل الأوان!
---------
* القصة الصحفية الفائزة بالمرتبة الأولى في جائزة العودة للعام 2011 – حقل القصة الصحفية.
* محمد عثمان: حاصل على شهادة البكالوريوس في الإعلام، قسم إذاعة وتلفزيون، من جامعة الأقصى بغزة. يعمل مراسلا صحفيا لعدد من المجلات الفلسطينية والعربية مثل السعادة الاجتماعية الشهرية التي تصدر عن مؤسسة الثريا للإعلام والاتصال في قطاع غزة، ومجلة المشهد العراقية نصف الشهرية.